إن لبدنك عليك حقا

إن لبدنك عليك حقا

 من شعار الإسلام العام “ساعة وساعة” بمعنى “أعطِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه” بلا إفراط ولا تفريط، فالإسلام دين الفطرة، دين التوازن والاعتدال بين الروح والجسد في مختلف المجالات، سواء في شؤون الإنسان نفسه أو مع غيره، ولا يُقِرُّ الإفراط ولا التفريط في تشريعاته وتعليماته وشعائره، ويؤكد هذا المعنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم: إن لبدنك عليك حقا.

ومن أعرض عن الملذات إعراضا كليا وعافها تدينا وعبادة وسلوكا إلى رضوان الله فقد جانب الصواب، وأعرض عن الهدي النبوي فـ”لا رهبانية في الإسلام”؛ وعارض قوله عليه الصلاة والسلام: “أما والله، إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني”[1].

فسنته عليه الصلاة والسلام هي توازن وأعدل الأمور وخيرها، الجارية مع المقاصد، والمتنافية للمغالاة والتقصير.

مظاهر حقوق الجسد

ومن سمات “ساعة وساعة”: مراعاة حقوق البدن وتلبية متطلباته وحاجاته، والحفاظ عليه وصيانته من التهلكة والأضرار على النحو المطلوب في الشرع، ومن مظاهر ذلك:

1- اختيار المأكل والمشرب الصحي المناسب: فالجسم محتاج دائما إلى ما يقوي طاقته ويعين على نشاطه فينة بعد أخرى، من الأغذية الصحية النافعة، ولكن بتوزان معقول غير مضار، ولذا أمر الله عباده بتناول الطيبات من الأكل والشرب باعتدال دون إفراط ولا تفريط، فقال الله تعالى: {يا بني ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين} [الأعراف: 31]. {يا أيها الذين آمنوا كلوا من طبيات ما رزقناكم} [البقرة:172] { يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا} [البقرة: 168].

قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن. بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه [2]” وقال أبو هريرة رضي الله عنه: “وما شبع آل محمد عليه الصلاة والسلام من طعام ثلاثة أيام حتى قبض”[3]. تقللا من الدنيا وتوازنا في الأكل المفرط وحفاظا على سلامة الجسم.

 يقول ابن القيم: “مراتب الغذاء ثلاثة أحدها: مرتبة الحاجة، والثانية: مرتبة الكفاية، الثالثة: مرتبة الفضيلة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يكفيه لقيمات يقمن صلبه فلا تسقط قوته ولا تضعف، فإن تجاوزها فليأكل بثلث بطنه وهذا من أنفع ما للبدن، وما للقلب، فإن البطن إذا امتلأ من الطعام ضاق عن الشراب، فإذا أورد عليه الشراب ضاق عن النفس وعرض عليه الكرب والتعب”[4]

ولعل هذا من حكم مشروعية صوم رمضان كي يهذب شهوة النفس وتنضبط، وأن لا يكون المسلم شهوانيا فتهوي به كثرة الأكل إلى مصرع السوء.

إضافة إلى ما حرمه الإسلام من المطعومات والمشروبات – كالخمر والخنزير والميتة ونحوها- نظرا لأضرارها ومفاسدها على صحة الأبدان.

لأن الإسلام يريد من أهله بتناول الغذاء الصحي المقوي للطاقة اللازمة للبدن، كي يستعان به على القيام بالواجبات الدينية والدنوية.

2- النوم الصحي: النوم من ضرورات كيان الجسم، ولذا كان من هدي الإسلام الحث على إعطاء الجسد حقه من النوم، إذ النوم يريح البدن والنفس ويحفظ على صحة الإنسان وسلامته من الأسقام، وقال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ ] النبأ: 9 [أي: راحة ودعة، يريح القوى من تعبها ويعيد إليها ما فقد منها.[5]

فالنوم الجيد بشكل عام يمنح الجسد فائدتين جليلتين على حد قول ابن القيم:

الأولى: سكون الجوارح وراحتها مما يعرض لها من التعب، فيريح الحواس من نصب اليقظة، ويزيل الإعياء والكلال.

والثانية: هضم الغذاء ونضج الأخلاط لأن الحرارة الغريزية في وقت النوم تغور إلى باطن البدن، فتعين على ذلك، ولهذا يبرد ظاهره ويحتاج النائم إلى فضل دثار[6].

ولتحقيق النوم الصحي ينصح بأمرين أساسيين:

الأمر الأول: النوم المبكِّر، النوم المبكر من بعد العشاء دأب الصالحين، وله فوائد كثيرة صحية في تحسين حركات الجسد وتقوية الجهاز المناعي وحماية الإنسان من الإصابة بالعديد من الأمراض.  

الأمر الثاني: الهيئة المثلى للنوم، وهي الاضطجاع على الجانب الأيمن بعد الوضوء، ووضع يد اليمنى تحت الخد، وثمة دراسات حديثة أثبتت فوائد النوم بهذه الطريقة وأن فيها جلب الراحة النافعة للبدن ووقايته من الأمراض الفتاكة ونحوها، وقد قال صلى الله عليه وسلم للبراء بن عازبٍ رضي الله عنهما: « إذا أتيت مضجعك، فتوضأ وضوءك للصلاة، ثم اضطجع على شقك الأيمن “[7] وكان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يرقد، وضع يده اليمنى تحت خده الأيمن”[8]

ويقول ابن القيم في الطب النبوي: ومن تدبر نومه ويقظته صلى الله عليه وسلم وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوى: فإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ أول النصف الثاني، فيقوم ويستاك ويتوضأ ويصلي… فيأخذ البدن حظه من النوم والراحة، وحظه من الرياضة مع وفور الأجر[9].

3- الملبس: اللباس زينة للبدن، وستر للعورة كرامة لعرض الإنسان، ووقاية الجسم من أضرار الحر والبرد، وإظهار لنعمة الله تعالى على العباد، أمر الله عباده بالتستر والتزين والتجمل فقال عز من قائل: {يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا} (الأعراف: 26)وغير ذلك من الآيات النازلة في هذا الباب.

والإسلام دين جميل يحب جمال المنظر، ويحث على إعطاء الجسد حظه من الزينة واللباس اللائق وحسن اختيار الملبس، إذ ليس من الزهد التقصد في الملابس الرثة أو الهيئة الرديئة فمحل الزهد في القلب.

 عن أبي الأحوص، عن أبيه، أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم في ثوب دون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألك مال؟» قال: نعم، من كل المال، قال: «من أي المال؟» قال: قد آتاني الله من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق، قال: «فإذا آتاك الله مالا، فلير عليك أثر نعمة الله وكرامته»[10]

وفي صفحات تاريخ أئمة الإسلام أخبار عطرة عن الاعتناء بالباطن وعدم اهمال المنظر،

ومما جاء عن صفة الإمام مالك أنه كان “جميل الوجه، نقي الثوب، يكثر اختلاف اللبوس[11] يغير ثيابه يوم الجمعة حتى نعله[12]

ويقول: ما أحب لأحد أنعم الله عليه إلا أن يرى أثر نعمته عليه. وكان يقول: أحب للقارئ أن يكون أبيض الثياب.[13]

ولكن يجب الإنتباه إلى المقصود من الزينة والملبس، وأنه لا بد أن يكون موافقا لحد الشرع دون المبالغة ولا المخالفة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا، في غير إسراف ولا مخيلة» وقال ابن عباس: ” كل ما شئت، والبس ما شئت، ما أخطأتك اثنتان: سرف، أو مخيلة “[14] وعدم تشبه الكفار في لباسهم وزينتهم الخاصة بهم، أو تشبه الرجل بالمرأة وكذا العكس.

4- ممارسة الرياضة: إن العبادة البدنية في الإسلام كصلاة وصوم وحج من أدوات فعالة لتقوية جسم الإنسان المسلم، ومن مبادئ الدين السامية أن المسلم القوي في الإيمان والجسم خير من المؤمن الضعيف، لأن تحمل مشاق تكاليف الدين والحياة قائم على مدى صلاحية صحة البدن، فالرياضة من أنفع السبل لبناء الجسم السليم وتقويته، ولذا اعتنى الإسلام بتنشيط البدن، ورغب في ممارسة أنشطة اللياقة البدنية بشكل واسع لتطوير المهارات وطاقات الجسم، ومن أشهر هذه اللياقة القديمة والموروثة دينيا:

أ- المشي والجري:  شكا ناس إلى النبي صلى الله عليه وسلم المشي فدعا بهم فقال: «عليكم بالنسلان» فنسلنا فوجدناه أخف علينا [15]والنسلان بفتحتين الإسراع مع تقارب الخطا وهو دون السعي[16]، وكان عليه الصلاة والسلام “إذا مشى تكفأ تكفؤا  كأنه ينحدر من صبب”[17]

وعن عائشة رضي الله عنها: “ أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال: «هذه بتلك السبقة»[18]

قال الشوكاني رحمه الله-: “وفي الحديث دليل على مشروعية المسابقة على الأرجل، وبين الرجال والنساء المحارم، وأن مثل ذلك لا ينافي الوقار والشرف، والعلم والفضل، وعلو السن.[19]

وكثير من أهل العلم قديما وحديثا يمارسون المشي والجري وينصحون بذلك، ولا شك في دور تعزيز المشي والعدو لصحة البدن والعقل بشكل عام، وفي الحفاظ على كيان منظر الجسم أو في خسارة الوزن.

ب- الرمي: يعتبر هذا النوع من الرياضة الشهيرة، والتى تقوى العضلات كالذراعين والصدر وتعزز المهارة العقلية وتبعث الثقة في النفس.

وهو المقصود بالقوة في قوله تعالى” {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة} [الأنفال: 60]، فقال عليه الصلاة والسلام:” ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي”[20] 

ولذا حث عليه الصلاة والسلام على تعلمه وعدم إهماله، وعن عبد الرحمن بن شماسة، أن فقيما اللخمي، قال لعقبة بن عامر: تختلف بين هذين الغرضين وأنت كبير يشق عليك، قال عقبة: لولا كلام سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أعانيه، قال الحارث: فقلت لابن شماسة: وما ذاك؟ قال: إنه قال: «من علم الرمي، ثم تركه، فليس منا» أو «قد عصى»[21]

ج ـــ ركوب الخيل: حث الإسلام على ممارسة رياضة ركوب الخيل لما فيها من التقوية البدنية والصحة العقلية والراحة النفسية، وقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم وعقد السباقات بين الخيل، وكذا الصحابة ومن بعدهم، وقد أشار عليه الصلاة والسلام إلى علو مكانته فقال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة»[22]، من الشجاعة والشهامة 

د – السباحة: جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «كل شيء ليس فيه ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع، ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة» [23]

للسباحة فوائد جمة في تقوية الجسم كما بقية الأنشطة الرياضية وخاصة في تعزيز عضلات جميع بدن الإنسان.

وهناك رياضات أخرى كثيرة مارسها المسلمون الأوائل مما يدل على عدم ممانع في الإسلام الخوض في أي رياضة قصدا لتقوية البدن وحفاظا على الصحة ووفقا للشرع.

والخلاصة، أنه لا ينبغى لإنسان مسلم أن يترهب رهبانا، بل يجب عليه إعطاء حق رغبات البدن وأفراح الروح على الحد المطلوب شرعا، وهذا هو المستفاد من نصيحة سلمان لأبي الدرداء رضي الله عنهما، وأقره عليه النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقول سلمان الفارسي رضي الله عنه:” إِنّ لِربّك عليك حقًّا، ولِنفسك عليك حقًّا، ولأَهلك عليك حقًّا، فأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ” [24] ثم يبقى القول بأن جميع حاجات البدن، وجميع عادات، ممكن انقلابها إلى العبادة إذا نوى بها الإنسان وجه الله تعالى والتقوى على طاعته سبحانه.


[1]  رواه البخاري (5063)
[2]  رواه الترمذي (238)
[3]  متفق عليه
[4] زاد المعاد 4/17
[5]  محاسن التأويل
[6]  زاد المعاد 4/220
[7]  متفق عليه
[8]  رواه أبو داود (504) وصححه الألباني
[9]  زاد المعاد 4/219
[10]  رواه أبو داود (522) وصححه الألباني
[11]  سير أعلام النبلاء 7/163
[12] تاريخ بغداد 4/343
[13] الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب 1/92
[14]  رواه البخاري 7/140
[15] رواه ابن خزيمة (253)
[16]  فتح الباري 8/543
[17]  رواه أحمد (746)
[18]  رواه أبو داود (2578) وصححه الألباني
[19] نيل الأوطار 8/105
[20]  رواه مسلم (4984)
[21] رواه مسلم (1919)
[22] متفق عليه
[23] رواه النسائي في الكبرى (8890)
[24]  رواه البخاري (1968)

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين