هل يمكن التصالح بين الإيمان ونظرية التطور ؟

قراءة في كتاب “لا شيء بالصدفة”

هل يمكن التصالح بين الإيمان ونظرية التطور ؟

كتاب “لاشي بالصدفة: العلاقة بين الإيمان ونظرية التطور”[1] للدكتور أحمد خيري العمري، محاولة للتوفيق بين الرؤية الدينية، ونظرية “التطور” لـ”تشارلز داروين”[2]، يسعى الكتاب أن يحول بين “الإلحاد الجديد”، وبين استخدامه للنظرية في مُعاداة الدين، إذ يفكك الكتاب  مناطق الالتباس، ويعيد مناقشتها، منتزعا التوتر، فيقول:” نظرية التطور بحد ذاتها لا تقول شيئًا للمؤمنين ولا للملحدين، الملحدون قد يجدون في النظرية معنى الصدفة والعدم واللاشيء واللامعنى والفوضى والظلم، وقد يجدون فيها ما يسند إلحادهم، أو على الأقل ما يتضارب مع مفهومهم عن الإيمان، لكن الكنز الحقيقي من المعاني سيكون من حصة المؤمنين، هؤلاء سيضيفون إلى الصورة الكبيرة، المعطيات التي تمدها بهم نظرية التطور، وسيجدون أن هذه الإضافات ستعمق إيمانهم، على نحو لم يعرفوه من قبل”، فالكتاب يرى أن النظرية تربط المؤمن بكل أشكال الحياة والمخلوقات على الأرض، إذ تضع إطارا لمشاهدتها وإدراكها بصورة كُلية تربط المؤمن بالكون.

فـ”الإلحاد الجديد” يتجاوز مسألة الإنكار الفلسفي لوجود الله إلى الهجوم الشديد على الدين والدعوة لعدم التسامح معه، بل وتجريمه، واتهامه بأنه مصدر كل الشرور، فهذا الإلحاد يسمى بـ”الأصولية الإلحادية” ، فهو  “ضد الإله” anti-theism ، بعدما ما كان يُسمى “دون الإله” atheism، للدلالة على الموقف العدائي تجاه الدين، وأبرز دعاته عالم البيولوجيا البريطاني “تشارلز داوكنز” الذي يربط “نظرية التطور” برؤاه الإلحادية.

نظرية .. مازالت حية

“نظرية التطور” يستخدمها “الإلحاد الجديد” كأساس علمي لمزاعمه، لذا يصير حديث أهل الإيمان، ضرورة، فالنظرية لا يمكن حذفها، أو القفز على آثارها ونتائجها، فحذفها قد يؤدي الى تصدع علم الأحياء، بعدما قدمت النظرية رؤية شاملة لهذا العلم، جمعت بين أجزائه المختلفة، وقدمت تفسيرا علميا لكثير من الظواهر الطبيعية.

يبدأ الكتاب، بإعطاء تعريف لمفهوم “النظرية”، وطبيعة اختلافها عن مفهوم “القانون”، فتُعرف “النظرية العلمية” بأنها: “التفسير الأفضل والأكثر تماسكا لمجموعة من الظواهر الطبيعية التي يمكن ملاحظتها في الطبيعة، والتي يمكن أن تدمج ما بين الحقائق والاستنتاجات والقوانين والفرضية المختبرة”، ومن ثم فأي نظرية يمكن أن تُعدل، أو تُرفض، فيما لو استجدت حقائق جديدة، أو فهم جديد لها.

أما القانون، فهو وصف مبسط، غالبًا بصيغة رياضية، لعلاقة بين الأشياء تنتهي بنتيجة حتمية، وغالبًا ما يكون في قوانين الفيزياء والكيمياء ويندر جدًّا أن يكون في البيولوجيا.

وهذا يجعل من وظيفة كل منهما منفصلة، ولا يمكن لأي منهما أن يتطور إلى الآخر أو يحل محل الآخر، فالنظرية هي جواب عن سؤال: كيف تحدث الظاهرة؟ أما القانون، فهو جواب عن سؤال: ماذا يحدث في هذه الظاهرة؟ فالنظرية لا تتحول إلى حقائق بتراكم الأدلة عليها، مهما كثرت، بل هي: إطار لتفسير هذه الحقائق، وتعني كلمة “حقائق”: الملاحظات المتكررة، أو القياسات المتكررة، وتلك التي تُبني عليها النظرية العلمية، فالنظرية هي جوهر العلم، إذ تمتلك القدرة على التنبوء، فمثلا: نظرية الجاذبية التي تحدث عنها “نيوتن” توقعت كيف سيكون عليه الأمر خارج مجال الجاذبية الأرضية، قبل أن يلاحظه رواد الفضاء بفترة طويلة، و”نظرية التطور” تنبأت بالعثور على بقايا لحيوانات انتقالية قبل عقود طويلة من العثور عليها، والنظرية تظل في حالة أضعف مالم تتحول إلى قانون.

النظريات لا تتحطم ولا تنهار فجأة، بل تحل محلها نظريات أخرى، كما أنها لا تسقط من خلال معارضة دينية، بل كان الأمر دومًا عبر نظرية أخرى قدمت تفسيرًا أفضل، كما أن استخدام “المنطق” القائم على الحكم على منهجية التفكير وسلامة الاستدلالات والاستنتاجات التي يتم التوصل إليها، ليس صالحا للحكم على صحة أية نظرية أو نقضها، فالمنطق يعتمد على المقدمات السليمة، للوصول إلى نتائج صحيحة، والعلوم الطبيعية تحتاج إلى الدليل التجريبي.

أحد المفاتيح المهمة لإزالة الالتباس بين العلم والدين هو التفريق بين طبيعتهما، فالعلم يتطلب الشك المستمر، والدين قائم على فكرة اليقين والتصديق، كما أن المنهج التجريبي لا يمكن تطبيقه على الغيب، لأن الغيب خارج عن الطبيعة المادية، وأزمة الصدام بين العلم والدين كامنة في المشروع الحداثي، إذ ولد العلم الحديث في ظل صراع عنيف مع الكنيسة، ترك آثاره على طبيعة العلاقة بينهما، فالعلم لا يقدم إجابات على كل تساؤلات الإنسان، فثمة مكان للدين لا يمكن أن يحتله العلم أبدا، واليقين بعيد عن المنهج العلمي القائم على الشك المستمر.

أهمية نظرية التطور

ومن هنا يجب ألا يوجد إيمان بنظرية التطور، بل قبول بها، فقط، باعتبارها النظرية الأكثر قبولً لتفسير عدد من الظواهر الطبيعية المتعلقة بالكائنات المختلفة، حتى “داروين” نفسه كان يشك بنظريته، فهو كان يعبر عن طريقة تفكير علميّة تمامًا عندما عبر في أكثر من موضع عن شكوكه بأجزاء من نظريته.

و”نظرية التطور” ما تزال مقبولة حتى اليوم، بعد أكثر من قرن ونصف من ظهورها، باعتبارها الإطار التفسيري الأكثر قبولً وتماسكًا لعدد كبير من الظواهر في الطبيعة، ودحضها يتطلب تقديم نظرية أخرى تتخطاها، والنظرية ذات أهمية في حياتنا، سواء في فهم الأحياء والكائنات في العالم، أو تحسين مستوى الحياة، إذ أسهمت في إدخال التحسينات في نوعية وكمية المحاصيل والثروة الحيوانية وأساليب الزراعة، وتمكن العلماء من تفسير ارتفاع مقاومة المبيدات بين الآفات الزراعية، ويُعَد فهم التطور أيضًا أمرًا أساسيًّا لتقدم الطب، أما معرفة العلاقات التطورية بين الأنواع فقد أتاحت للعلماء اختيار الكائنات الحية المناسبة لدراسة الأمراض، مثل فيروس نقص المناعة البشرية.

يؤكد عالم الجينات “ثيودوسيوس دوبنزسكي” –وهو أحد مؤسسي نظرية التطور الحديثة ومن المدافعين المعروفين عن الجمع بين نظرية التطور والإيمان بالله- أنه بدون “نظرية التطور” سيكون علم الأحياء مثل متحف التاريخ الطبيعي؛ مجسمات ضخمة ونماذج معروضة خلف الواجهات الزجاجية مع بطاقات تعريفية، لكن لا شيء يربط بين كل هذه المعروضات، فالنظرية تساهم في تفسير لماذا انقرض هذا الحيوان، ولماذا استمر الحيوان الآخر الذي يشبهه كثيرًا، خاصة إذا عرفنا أنه يعيش في العالم ما لا يقل عن 8.7 مليون نوع من الكائنات الحية، منها 1.2 مليون نوع فقط وصفها ودرسها العلماء، والكثير من هذه الأنواع ستنقرض قبل أن تتم دراستها، ويرى “العمري” أن بدون “نظرية التطور” لا يمكن فهم حكمة الخالق من كل هذا الخلق، ولا يمكن فهم السر وراء وجود كل هذه الكائنات.

تقول “نظرية التطور” إن أصل كل الكائنات الحيّة التي تعيش في الأرض كان من خلية حيّة واحدة نشأت قبل قرابة أربعة مليارات سنة، واستمرت هذه الخلية بالانقسام والتكاثر والتخصص لتتحول من كائن أحادي الخلية إلى كائنات أكثر تعقيدًا متعددة الخلايا، وعبر مئات الملايين من السنين، استمرت الأنواع بالتكاثر وتمرير الصفات الوراثية لأجيال جديدة، بينما ساهمت الطفرات الجينية بظهور صفات جديدة، وعملت آلية الانتقاء الطبيعي، بتفضيل الصفات الإيجابية وتصفية السلبية.

أقام “داروين” نظريته على أربعة أركان، كل ركن منها يمثل مجموعة من الملاحظات التي قد تبدو بدَهية الآن، لكنه ربط فيما بينها على نطاق واسع ليجعل منها نظرية عن أصل مشترك للأنواع.

التنافس: فكل جيل من كل نوع من الكائنات ينتج أفرادًا أكبر من العدد الذي يمكنه أن يستمر بالحياة، وهذا يعني أن كل فرد سيتنافس مع بقية الأفراد من ضمن نوعه للوصول إلى الطعام والمأوى والبقاء على قيد الحياة وإنتاج أفراد جدد.

الاختلافات والتنوعات الموروثة: ضمن كل نوع يوجد اختلافات وتنوعات في الصفات، يمكن أن تنتقل من جيل لآخر، بعض هذه الصفات يمكن أن تكون سلبية وبعضها إيجابية ضمن التنافس بين الأفراد.

البقاء للأصلح: الأفراد الذين ورثوا الصفات الأفضل ستكون لهم فرص أفضل في البقاء وتمرير صفاتهم للجيل التالي.

السلالة مع تعديلات: تراكم التغيرات داخل فئة معينة معزولة من النوع نفسه، سيؤدي إلى اختلاف أكبر عن النوع، ويقود إلى بروز نوع جديد مختلف عن النوع الأصلي.

من المشكلات التي تحويها النظرية في الجانب الديني، هي أنها تُلغي  قصة الخلق التي تحدثت عنها الكتب المقدسة، يقول الكتاب:” مشكلة نظرية التطور ليست مع مسألة وجود الله، بل مع “قصة الخلق” كما ترويها الكتب السماوية، وهذه بالتأكيد ليست مسألة هينة، لكنها لا تمس وجود الله” ثم يقول:” ليس من المطلوب منك كمؤمن أن تقبل بنظرية التطور إن كان الأمر لا يعنيك ولا يشكل لك أزمة، نظرية التطور ليست من أركان الإيمان ولا فروعه ولن تكون كذلك بالتأكيد،  لكن إن آمن آخرون بها وجمعوا بينها وبين إيمانهم بالله، فمن الخطأ جدًّا أن تحاربهم وتحارب ما يؤمنون به”.


[1]  صدر الكتاب عام 2021، في 520 صفحة، عن دار عصير الكتب للنشر والتوزيع
[2] تشارلز داروين (1809-1882) عالم أحياء بريطاني، وهو مؤسس نظرية التطور، والتي تَنُص على أن كل الكائنات الحية على مر الزمان تنحدر من أسلاف مشتركة، وأن الأنماط المتفرعة من عملية التطور ناتجة من عملية انتقاء، أو انتخاب طبيعي، يكون البقاء فيها للأقدر على التكيف، وظهرت نظريته في “الانتخاب الطبيعي” عام 1838م، وضمنها كتاب “أصل الأنواع”، لكنه لم ينشر نتائج أبحاثه إلا مع العام 1858، وقد تعرضت نظريته لانتقادات حادة خاصة من رجال الدين المسيحي، لكن مع العام 1870 أخذ العلماء في تقبل النظرية.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات