على المسلم الإبقاء على عهد الطاعة لخالقه لا ينقضه، ويجعل السنة كلها رمضان ما بين صيام وقيام وصلاة وتطوعات وصدقات وغير ذلك من أعمال البر، فعليه أن يكون عبدًا ربانيًا سائر الدهر، ولا يكون رمضانيًا في شهر دون سائر الشهور.
فلا يكون كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، قال تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (النحل: 92). فشبهت هذه الآية الذي يحلف ويعاهد ويبرم عهده ثم ينقضه بالمرأة تغزل غزلها وتفتله محكماً ثم تحله. ويروى أن امرأة حمقاء كانت بمكة تسمى رَيْطَة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة كانت تفعل ذلك، فبها وقع التشبيه ([1]).
معنى الاستقامة في القرآن والسنة
وعلى العبد أن يستقيم على طاعة مولاه كما أمره، فعَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ – وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ: غَيْرَكَ – قَالَ: «قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ» ([2]).
قال القاضي عياض: هذا من جوامع كلمه (ﷺ)، وهو مطابق لقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) (فصلت: 30، الأحقاف: 13) أي وحدوا الله وآمنوا به ثم استقاموا فلم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعته سبحانه وتعالى إلى أن توفوا على ذلك ([3]). والمراد الاستقامة على التوحيد الكامل واتباع الكتاب والسنة ([4]).
والله عز وجل قال للمعصوم (ﷺ): (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (هود: 112).
قال ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ في قول الله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) (هود: 112): ما نزلت على رسول الله (ﷺ) في جميع القرآن آية كانت أشد ولا أشق عليه من هذه الآية. ولذلك لما قال له أبو بكر (رضي الله عنه): يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ، قَالَ: “شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ، وَ(عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ)، و(إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)” ([5]).
فالخطاب في الآية للنبي (ﷺ)، يعني فاستقم يا محمد على دين ربك والعمل به والدعاء إليه كما أمرك ربك، والأمر فيه للتأكيد؛ لأن النبيّ (ﷺ) كان على الاستقامة لم يزل عنها. والذي شيبه (ﷺ) من سورة هود قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ).
قال أبو علي الشنوي: رأيت النبي في المنام فقلت: يا رسول الله روي عنك أنك قلت «شيبتني هود»، فقال: نعم، فقلت له: ما الذي شيبك منها: قصص الأنبياء وهلاك الأمم؟ قال: لا، ولكن قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) ([6]).
قال ابن كثير: يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء ومخالفة الأضداد، ونهى عن الطغيان وهو البغي فإنه مصرعة حتى ولو كان على مشرك، وأعلم تعالى أنه بصير بأعمال العباد لا يغفل عن شيء ولا يخفى عليه شيء ([7]).
أنواع صيام التطوع طوال العام
فإذا كان صوم الفريضة قد انتهى بانتهاء رمضان، فهناك صوم التطوع طوال العام:
صيام ست من شوال
فمن أتم الله عليه النعمة بصوم رمضان ثم صام ستاً من شوال كان له ثواب من صام العام كله. فعن أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ (رضي الله عنه) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) قَالَ: “مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ” ([8]). قال العلماء: وإنما كان ذلك كصيام الدهر؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر، والستة بشهرين ([9]).
صوم التسع الأولى من ذي الحجة
قال العلماء: حديث عَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) صَائِمًا فِي الْعَشْرِ قَط ([10]). يوهم كراهة صوم عشر ذي الحجة، وهي الأيام التسعة من أول ذي الحجة. قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد صحت الأحاديث في فضله ([11]). وهو حديث ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ. فيتأول قولها ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ: “لم يصم العشر” بـ:
1. أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما.
2.أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر. ويدل على هذا التأويل حديث هُنَيْدَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ امْرَأَتِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ (ﷺ) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ ([12]).
3. أنه (ﷺ) لم يصم لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته ([13]).
صيام يوم في سبيل الله
وصيام يوم في سبيل الله يباعد الله وجه من صام عن النار سبعين سنة. فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (رضي الله عنه) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) يَقُولُ: “مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بَاعَدَ اللَّهُ وَجْهَهُ عَنْ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا” ([14]).
صوم يوم عرفة لغير الحاج
فصيام ذلك اليوم يكفر ذنوب سَنة ماضية، وسنة قادمة. فعَنْ أَبِي قَتَادَةَ (رضي الله عنه) قال: رَجُلٌ أَتَى النَّبِيَّ (ﷺ) فَقَالَ: كَيْفَ تَصُومُ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ (رضي الله عنه) غَضَبَهُ قَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَغَضَبِ رَسُولِهِ.
فَجَعَلَ عُمَرُ (رضي الله عنه) يُرَدِّدُ هَذَا الْكَلَامَ حَتَّى سَكَنَ غَضَبُهُ.
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ بِمَنْ يَصُومُ الدَّهْرَ كُلَّهُ؟ قَالَ: «لَا صَامَ وَلَا أَفْطَرَ – أَوْ قَالَ – لَمْ يَصُمْ وَلَمْ يُفْطِرْ». قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمَيْنِ وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «وَيُطِيقُ ذَلِكَ أَحَدٌ».
قَالَ كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا؟ قَالَ: «ذَاكَ صَوْمُ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ».
قَالَ: كَيْفَ مَنْ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: «وَدِدْتُ أَنِّي طُوِّقْتُ ذَلِكَ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): «ثَلَاثٌ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ فَهَذَا صِيَامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ، وَصِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ» ([15]).
صوم عاشوراء
يُكفر ذنوب السنة الماضية، كما في حديث أبي قتادة (رضي الله عنه) السابق. وعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ أنه سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ، وَسُئِلَ عَنْ صِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: مَا عَلِمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ﷺ) صَامَ يَوْمًا يَطْلُبُ فَضْلَهُ عَلَى الْأَيَّامِ إِلَّا هَذَا الْيَوْمَ وَلَا شَهْرًا إِلَّا هَذَا الشَّهْرَ يَعْنِي رَمَضَانَ ([16]).
ويسن أن يصوم يومًا قبله مخالفةً لليهود. فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ يَقُولُ حِينَ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) يَوْمَ عَاشُورَاءَ وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَوْمٌ تُعَظِّمُهُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): «فَإِذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ – إِنْ شَاءَ اللَّهُ – صُمْنَا الْيَوْمَ التَّاسِعَ». قَالَ فَلَمْ يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ). وفي رواية: «لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ» ([17]).
وعَنِ الْحَكَمِ بْنِ الْأَعْرَجِ قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ – رضى الله عنهما – وَهُوَ مُتَوَسِّدٌ رِدَاءَهُ فِي زَمْزَمَ فَقُلْتُ لَهُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَوْمِ عَاشُورَاءَ. فَقَالَ: إِذَا رَأَيْتَ هِلَالَ الْمُحَرَّمِ فَاعْدُدْ وَأَصْبِحْ يَوْمَ التَّاسِعِ صَائِمًا. قُلْتُ: هَكَذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) يَصُومُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ ([18]).
ومن تمام المخالفة: صيام يوم بعد عاشوراء. فعن ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): “صُومُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ الْيَهُودَ، صُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا أَوْ بَعْدَهُ يَوْمًا” ([19]).
صيام الاثنين والخميس
فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: “كانَ النبيّ (ﷺ) يَتَحَرّى صَوْمَ الاثْنَيْنِ والخَمِيسِ” ([20]).
وذلك لأن أعمال العباد في الأسبوع تُعْرض على الله عز وجل في هذين اليومين. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) قَالَ: “تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيُقَالُ: اتْرُكُوا” أَوْ “ارْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا” ([21]).
صيام أيام البيض
صيام أيام البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة من كل شهر. فعن أَبِي هُرَيْرَةَ (رضي الله عنه) قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي (ﷺ) بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَكْعَتَيْ الضُّحَى، وَأَنْ أُوتِرَ قَبْلَ أَنْ أَرْقُدَ ([22]).
الإكثار من الصوم في شعبان وفي الشتاء
عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ عَنْ صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ) فَقَالَتْ: كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ. وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا ([23]).
وعَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) فِي الشَّهْرِ مِنَ السَّنَةِ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ وَكَانَ يَقُولُ: «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَمَلَّ حَتَّى تَمَلُّوا». وَكَانَ يَقُولُ: «أَحَبُّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ، وَإِنْ قَلَّ» ([24]).
وعلى المسلم أن يحرص على الإكثار من الصيام في تلك الأيام، سيما إذا جاء صومها في فصل الشتاء؛ لأن الصوم في الشتاء غنيمة لا تعب فيها. فعَنْ عَامِرِ بْنِ مَسْعُودٍ الْجُمَحِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ (ﷺ): “الصَّوْمُ فِي الشِّتَاءِ الْغَنِيمَةُ الْبَارِدَةُ” ([25]). أي لا تَعب فيه ولا مَشقَّة وكل محبوب عندهم بارد.
وقيل: معناه الغنيمة الثابتة المسْتَقرَّة من قولهم: بَرَدَ لِي على فلان حَقٌّ أي ثَبت ([26]). أو الطيبة من برد الهواء إذا طاب، والأصل في وقوع البرد عبارة عن الطيب، وأيضًا إن الهواء والماء لما كان طيبهما ببردهما سيما من بلاد تهامة والحجاز قيل: هواء بارد وماء بارد على سبيل الاستطابة ثم كثر حتى قيل: عيش بارد وغنيمة باردة. ومعناه الصائم في الشتاء يحوز الأجر من غير أن تمسه مشقة الجوع ([27]).
المداومة على الطاعات بعد رمضان
ليكن عهدك من رمضان المداومة على الطاعات بعده، والاستمرار فيها، كما كان دأب سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا جاءت مواسم الطاعات زاد اجتهادهم فيها.
فكان النبي (ﷺ) يداوم على فعل الصالحات سائر العام، ولا يخص بها بعض الأيام دون بعض. فعَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَ: قُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ كَانَ عَمَلُ رَسُولِ اللَّهِ (ﷺ)؟ هَلْ كَانَ يَخُصُّ شَيْئًا مِنَ الْأَيَّامِ؟ قَالَتْ: لَا. كَانَ عَمَلُهُ دِيمَةً وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ) يَسْتَطِيعُ ([28]).
قولها: “كان عمله ديمة” أي يدوم عليه ولا يقطعه ([29]). وعن الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ـ رضي الله عنها ـ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ». قَالَ: وَكَانَتْ عَائِشَةُ إِذَا عَمِلَتِ الْعَمَلَ لَزِمَتْهُ ([30]).
ولا يجوز لمن قام بعمل أن ينقطع عنه، ويداوم عليه حسب طاقته. فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ﷺ): «يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ بِمِثْلِ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ» ([31]). قال النووي: ينبغي الدوام على ما صار عادة من الخير، ولا يفرط فيه ([32]).
وقال ابن حبان: فيه جواز ذكر الشخص بما فيه من عيب إذا قصد بذلك التحذير من صنيعه. ويستنبط منه كراهة قطع العبادة، وإن لم تكن واجبة ([33]).
مواسم الطاعات لا تنقطع
وعلى المرء منا أن يحرص عليها، ومن ذلك عشر ذي الحجة. فقد أقسم الله عز وجل بليالي هذه الأيام فقال عز من قائل: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) {الفجر: 1، 2}.
وبين الرسول الكريم (ﷺ) أن العمل الصالح في هذه العشر أفضل من العمل في غيرها؛ لمكانتها وعظم منزلتها عند الخالق جل وعلا. فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رضى الله عنهما ـ عَنْ النَّبِيِّ (ﷺ) أَنَّهُ قَالَ: “مَا الْعَمَلُ فِي أَيَّامٍ أَفْضَلَ مِنْهَا فِي هَذِه” قَالُوا: وَلَا الْجِهَادُ، قَالَ: “وَلَا الْجِهَادُ إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ يُخَاطِرُ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ” ([34]).
وعن جابر (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ﷺ): “ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر من ذي الحجة” ([35]). والعبد منا إذا داوم على الطاعة بعد رمضان فهذا دليل على قبول أعماله في رمضان فمن علامات قبول العمل: أن يوفقك الله إلى عمل صالح بعده.
