ليست القيم التي جاء بها القرآن الكريم مجرد منظومة من المواعظ الأخلاقية التي تستهدف تهذيب سلوك الفرد في عباداته ومعاملاته فحسب، وإنما هي منظومة حضارية متكاملة تؤسس لعمران الإنسان، وتحفظ توازن المجتمع، وتبني الدولة على قواعد العدل والأمانة والإحسان.

ومن يتأمل الخطاب القرآني يجد أن كثيراً من الأحكام التي تبدو في ظاهرها أحكامًا جزئية، إنما تخفي وراءها قوانين كبرى تحكم قيام الحضارات وسقوطها، ومن أبرز هذه القوانين ما يتعلق بقضية «التطفيف»؛ ذلك المفهوم الذي اختزل في الوعي العام في الغش في الكيل والوزن، بينما يقدمه القرآن باعتباره مرضًا أخلاقيًا، وانحرافًا نفسيًا، وجريمة حضارية تهدد استقرار المجتمع كله.

فالتطفيف في حقيقته ليس نقصًا في مقدار سلعة، وإنما هو اختلال في ميزان العدالة، وخلل في الضمير، وإعلان عن انهيار قيمة الأمانة التي تقوم عليها جميع العلاقات الإنسانية.

الميزان في القرآن.. أساس العمران

حين نتأمل الآيات التي تحدثت عن الميزان نجد أن القرآن لم يربطه بالبيع والشراء وحدهما، وإنما ربطه بالنظام الكوني كله، قال تعالى: (وَالسَّمَاء رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ {7} أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ {8} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ) (الرحمن).

فالميزان هنا ليس آلة مادية، وإنما رمز للعدل الذي قامت عليه السماوات والأرض، ولذلك جاء الأمر بعدم الطغيان في الميزان مباشرة بعد الحديث عن النظام الكوني، وكأن القرآن يقرر أن اختلال العدالة الاقتصادية هو صورة من صور الإفساد في نظام العمران الذي أراده الله للبشر، ولهذا افتتحت سورة «المطففين» بذلك الوعيد الشديد: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ) (المطففين).

ولم يقل القرآن: «ويل لمن سرق» أو «ويل لمن غش»، وإنما خصَّ المطففين بسورة كاملة؛ لأن التطفيف يمثل منهجًا في الحياة، يقوم على طلب الحقوق كاملة للنفس، والانتقاص من حقوق الآخرين؛ إنه باختصار «ازدواجية أخلاقية»، تجعل الإنسان يقيس الأمور بميزانين ميزان لنفسه، وميزان لغيره.

التطفيف.. من الغش التجاري إلى انهيار المنظومة القيمية

إذا كان ظاهر التطفيف يتعلق بالمكاييل والموازين، فإن جوهره يمتد إلى جميع مجالات الحياة، فالموظف الذي يأخذ راتبه كاملًا ولا يؤدي عمله بإتقان مطفف، والمعلم الذي يقصر في أداء رسالته مطفف، والباحث الذي ينقل جهود الآخرين دون أمانة علمية مطفف، والقاضي الذي يجامل في أحكامه مطفف، والسياسي الذي يعد الناس بما لا يفي به مطفف، والإعلامي الذي يزور الحقائق أو ينتقي منها ما يخدم هواه يمارس لونًا من ألوان التطفيف المعرفي.

ومن هنا يتبين أن التطفيف ليس قضية اقتصادية فحسب، وإنما ثقافة مجتمعية، متى تسربت إلى النفوس أفسدت جميع مؤسسات الدولة.

التطفيف في ضوء السُّنة النبوية

أكدت السُّنة النبوية أن فساد التعاملات الاقتصادية ليس مجرد مخالفة فردية، وإنما سبب مباشر للعقوبات الاجتماعية والاقتصادية، قال النبي : «ولم يَنْقُصُوا المِكْيالَ والميزانَ إِلَّا أُخِذُوا بالسِّنِينَ وشِدَّةِ المُؤْنَةِ، وجَوْرِ السلطانِ عليهم» (صحيح الجامع)، وهذا الحديث يقرر 3 سنن اجتماعية عظيمة:

أولاها: ذهاب البركة، وهو ما عبر عنه بالسنين والقحط، إذ قد تكثر الموارد وتضيق البركة، فلا ينتفع الناس بما في أيديهم.

ثانيتها: شدة المؤونة، وهي ارتفاع تكاليف المعيشة، واضطراب الأسواق، وتآكل القوة الشرائية، نتيجة فقدان الثقة وانتشار الغش والاحتكار.

ثالثتها: جور السلطان، لأن المجتمع الذي يتسامح مع الظلم في معاملاته اليومية، يهيئ البيئة المناسبة لانتقال الظلم إلى المجال السياسي والإداري.

وكأن السُّنة النبوية تقرر أن الاستبداد السياسي يبدأ غالبًا من فساد الأخلاق الاقتصادية.

البركة.. الاقتصاد الذي يغيب عن النظريات المادية

تقوم النظريات الاقتصادية الحديثة على معادلات الإنتاج والاستهلاك ورأس المال، لكنها تعجز عن تفسير ظاهرة قد يلمسها الجميع، وهي أن أمة قد تملك الثروات الهائلة ومع ذلك تعيش الضيق، بينما تعيش أمة أخرى في سعة مع قلة الموارد!

إن القرآن يفسر ذلك بمفهوم البركة قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف: 96)؛ فالبركة ليست مفهومًا وعظيًا، وإنما قانون اقتصادي رباني، يجعل الأمانة والإحسان سببًا لازدهار الثروة، كما يجعل الغش والتطفيف سببًا لمحقها.

ولهذا قال النبي : «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتَفَرَّقا، فإن صَدَقا وبَيَّنا بورِك لهما في بَيعِهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحِقَ بَرَكةُ بَيعِهما» (متفق عليه).

فالحديث يربط مباشرة بين الصدق والبركة، وبين الكذب ومحق المال، حتى وإن بدا ظاهر الربح كبيرًا.

عمر بن الخطاب ونظام الحسبة.. حماية الأخلاق قبل الأسواق

لقد أدرك الخلفاء الراشدون أن استقامة الأسواق ليست مسؤولية التجار وحدهم، بل مسؤولية الدولة كذلك؛ فكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يطوف بالأسواق بنفسه، يراقب الموازين، ويمنع الغش، ويحاسب المقصرين، لا رغبة في التضييق على الناس، وإنما حماية للثقة العامة

ثم تطور هذا المفهوم إلى نظام «الحسبة» الذي لم يكن جهازًا للعقوبات فقط، وإنما مؤسسة لحماية الأخلاق العامة، وضبط جودة المنتجات، وصيانة الحقوق، ومنع الاحتكار والغش، ولذلك ازدهرت التجارة الإسلامية قرونًا طويلة، حتى أصبحت أمانة التاجر المسلم سببًا في دخول شعوب بأكملها في الإسلام، كما حدث في جنوب شرق آسيا وشرق أفريقيا.

التطفيف.. معول هدم الحضارة

لا تنهار الحضارات بسبب الفقر وحده، وإنما تنهار حين يفقد الناس الثقة ببعضهم، والتطفيف من أخطر الأسباب التي تؤدي إلى انهيار الثقة؛ لأن كل فرد يبدأ في الشك في الآخر.

التاجر يشك في المورد، والمستهلك يشك في التاجر، والمواطن يشك في المؤسسة، والموظف يشك في الإدارة، وحين تتحول الشكوك إلى ثقافة عامة، تتوقف عجلة الإبداع، ويزداد الاعتماد على الرقابة والعقوبات، وترتفع تكلفة الإنتاج، وتنخفض جودة الخدمات، ومن هنا يصبح التطفيف عائقًا مباشرًا أمام التنمية، لأنه يحول المجتمع من مجتمع قائم على الثقة إلى مجتمع قائم على الريبة.

صور التطفيف المعاصر

لقد تطورت صور التطفيف في عصرنا، ولم تعد مقتصرة على نقص الكيل والوزن، بل أصبحت تشمل:

  • التطفيف في أداء الوظيفة.
  • التطفيف في البحث العلمي بالسرقة والانتحال.
  • التطفيف في الإعلام بتزييف الأخبار.
  • التطفيف في القضاء بالمحاباة.
  • التطفيف في التعليم بعدم أداء الرسالة.
  • التطفيف في الصناعة بإخفاء العيوب.
  • التطفيف في العقود والمناقصات.
  • التطفيف في الوقت، حين يستهين الإنسان بأوقات الناس وحقوقهم.

ولهذا فإن كل إخلال بالواجب مع استيفاء الحق هو صورة من صور التطفيف التي حذر منها القرآن.

بين التطفيف والإصلاح الحضاري

إن أي مشروع حضاري لا يبدأ بالمشروعات العملاقة ولا بالمباني الشاهقة، وإنما يبدأ بإصلاح الضمير، فالقرآن لم يبدأ بإقامة الأسواق، وإنما بدأ بإقامة الإنسان، ولذلك فإن إصلاح الميزان يبدأ بإصلاح القلب قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) (النجل: 90).

فالعدل يمنع الظلم، والإحسان يمنع التطفيف؛ لأن المحسن لا يكتفي بإعطاء الحق، بل يزيد عليه من حسن الخلق والأمانة والإتقان.

إن التطفيف ليس خطأً تجاريًا عابرًا، بل هو مؤشر على اختلال المنظومة الأخلاقية التي يقوم عليها المجتمع، وحين يختل الميزان في السوق، سرعان ما يختل في القضاء، ثم في السياسة، ثم في الثقافة، حتى يصبح الظلم هو القاعدة، والعدل هو الاستثناء.

ومن هنا، فإن معركة الأمة مع التطفيف ليست معركة مع الموازين، وإنما معركة مع الضمائر، وهي دعوة لإحياء قيمة الأمانة باعتبارها أساس العمران، واستعادة مفهوم الحسبة بوصفه حماية للأخلاق قبل أن يكون رقابة على الأسواق، وغرس ثقافة الإتقان والوفاء بالحقوق في كل مجالات الحياة.