سبقت الإشارة إلى أن الاجتهاد في النوازل يمر بثلاث مراحل، هي: التصور ثم التكييف ثم التنزيل. والخطأ في تكييف المسألة المجتهد فيها من أهم مزالق الاجتهاد الفقهي المعاصر، وهو يحتاج إلى خبرة ودربة كبيرتين، وليس الأمر واقفا على دراسة الفقه الإسلامي ومعرفة مسائله فحسب، بل تعد مرحلة التكييف من أصعب مراحل الاجتهاد في النوازل؛ لأن التكييف الخطأ؛ يؤدي –بدوره- على الاجتهاد الخاطئ، والتكييف الصواب؛ غالبا ما يؤدي إلى صحة الاجتهاد في النازلة.

التكييف في اللغة:

يأتي التكييف في اللغة على معان، منها:

1-  الأكل من جوانب الشيء، فقد نقل أبو عمرو الشيباني قول البكري: ” التكييف. تقول: كيفت منه أي أكلت من جوانبه”[1].

2- ويأتي التكييف بمعنى القطع، قال الزبيدي: “الكيف: القطع وقد كافه -يكيفه، ومنه كيّف الأديم تكييفا: إذا قطعه[2].

3- ومن معانيه المعاصرة: إحداث تغيير للانسجام بين شيئين، يقال: كيّف الشيء: أحدث تغييرا فيه يؤدي إلى انسجامه مع شيء أخر لا يتبدل. يقال: “تكييف الحياة وفقا للبيئة “[3].  وكيف الشيء: جعل له كيفية معلومة[4]، وهو على هذا النحو من المصادر المولدة.

تعريف التكييف الفقهي

عرف الشيخ القرضاوي – رحمه الله-  التكييف الفقهي بأنه:” تطبيق النص الشرعي على الواقعة العملية “[5].

وعرفه صاحب معجم لغة الفقهاء بقوله: ” التكييف الفقهي للمسألة: تحريرها وبيان انتمائها إلى أصل معين معتبر”[6].

والتكييف الفقهي هو ما جعله الإمام ابن القيم – رحمه الله-الشرط الثاني لوجوب من يتصدى للاجتهاد والإفتاء بعد فهم الواقع، فقال: ” والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع [7].

طرق التكييف الفقهي

الطريقة الأولى:التخريج والإلحاق:

فبعد أن يتصور الفقيه النازلة تصورا صحيحا، يجتهد في إلحاقها بشببها من المسائل القديمة عن طريق تخريج المناط باستخراج العلة، وهو ما يعرف بالاجتهاد القياسي؛ تمهيدا للنظر فيها، وهل تأخذ النازلة حكم مسألة منصوص عليها بجامع العلة، أم أن هناك فوارق بينهما، فيجتهد في إعطائها حكما مناسبا.

وهذا، وإن كان تقدم الاجتهاد، لكن وجب الاجتهاد في كل صورة من الصور، لأن: “كل صورة من صوره النازلة نازلة مستأنفة في نفسها لم يتقدم لها نظير وإن تقدم لها في نفس الأمر فلم يتقدم لنا فلا بد من النظر فيها بالاجتهاد”[8]..

الطريقة الثانية: الاجتهاد الجديد

تستعمل تلك الطريقة فيما إذا كانت النازلة جديدة ليس لها مثيل في مسائل الفقه القديمة، ولم يجد من أفتى فيها قبله، فهنا يعمد إلى الاجتهاد المباشر بإعمال أدواته المعتمدة عند أهل الاجتهاد.

ذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل جزئية على حدتها وإنما أتت بأمور كلية وعبارات مطلقة تتناول أعدادا لا تنحصر ومع ذلك فلكل معين خصوصية ليست في غيره ولو في نفس التعيين وليس ما به الامتياز معتبرا في الحكم بإطلاق ولا هو طردي بإطلاق بل ذلك منقسم إلى الضربين وبينهما قسم ثالث يأخذ بجهة من الطرفين فلا يبقى صورة من الصور الوجودية المعينة إلا وللعالم فيها نظر سهل أو صعب حتى يحقق تحت أي دليل تدخل فإن أخذت بشبه من الطرفين فالأمر أصعب وهذا كله بين لمن شدا في العلم[9].

والخلاصة: أن على الفقيه أن يدرك حقيقة التكييف، ولا يتاتى ذلك إلا بالتضلع والتشبه من فروع الفقه، وإدراك كلياته، وان يدرك متى يلحق أو يخرج على الفقه المدون، ومتى ينبري للاجتهاد في النازلة من خلال نصوص الكتاب والسنة والقواعد العامة للفقه الإسلامي؛ حتى يلحق المسألة الجديدة ويسكنها في إطار منظومة الفقه، تمهيدا لتنزيل الحكم عليها.

المرحلة الثالثة: التنزيل:

ويقصد بها إعطاء المجتهد النازلة حكما شرعيا من الأحكام الخمسة؛ من الوجوب أو الندب، أو الحرمة، أو الكراهة، أو الإباحة.

ومرحلة التنزيل من أصعب المراحل؛ لأنها تحتاج إلى ملكة في تنزيل النصوص على الوقائع، فقد يحفظ الرجل العلم ويدرسه لغيره؛ لكنه لا يحسن الاجتهاد في الوقائع والنوازل، وعلل الحطاب المالكي ذلك بأنك تجد الرجل يحفظ كثيرا من العلم ويفهم ويعلم غيره، فإذا سئل عن واقعة ببعض العوام من مسائل الصلاة أو من مسائل الأيمان لا يحسن الجواب، بل لا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر وتكمن الصعوبة في استعمال كليات علم الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس.

ويضرب مثلا على امتلاك بعض أهل العلم حفظ النصوص، وعسر الاجتهاد عليهم في الجزئيات ، فيقول: وبعصرنا الآن شخص يتعاطى الدقة في العلم وينهى عن جزئية فيتجنبها بشخصها ثم يقع في أخرى مثلها، فإذا قيل له هذه مثل تلك تجنبها ويقع في ثالثة وعلى ذلك [10]


[1] – الجيم، لأبي عمرو الشيباني، (3/ 163)، ط الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية، القاهرة

[2] – تاج العروس (24/ 349)، ط دار الهداية

[3] – معجم اللغة العربية المعاصرة، أحمد مختار وآخرون (3/ 1978)، ط عالم الكتب

[4] – المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية (2/ 807)،ط دار الدعوة

[5] –  الفتوى بين الانضباط والتسيب ص 72 .

[6] – معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعه جي (ص: 143)، ط دار النفائس

[7] – إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم، ج1/69.

[8] – الموافقات للشاطبي 4/ 89 ـ 95 ط دار المعرفة

[9] – الموافقات للشاطبي 4/ 89 ـ 95 ط دار المعرفة

[10] –  راجع: مواهب الجليل في شرح مختصر خليل، للحطاب، (6/ 87)،ط دار الفكر.