على الصائم أن يحرص على الصدقة في شهر رمضان بكثرة ،كما كان يفعل الحبيب ـ ـ .

فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَرَسُولُ اللَّهِ ـ ـأَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنْ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ (متفق عليه ح(خ 1902 ، م(2308)).

ضرب لنا النبي ـ ـ في هذا الهدي النبوي الشريف مثلاً عظيمًا في الجود والإحسان على مدار العام ،فإذا جاء رمضان زاد في جوده وإحسانه .

معاني ودلالات “أجود الناس”

ومعنى “أجود الناس”: أكثر الناس جودًا، والجود الكرم، وهو من الصفات المحمودة وقدم ابن عباس ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ جملة “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ “على ما بعدها – وإن كانت لا تتعلق بالقرآن – على سبيل الاحتراس من مفهوم ما بعدها. أي لئلا يفهم أنه كان لا يبلغ أعلى درجات الجود إلا عند مدارسة جبريل له .

و“المرسلة”: المطلقة يعني أنه في الإسراع بالجود أسرع من الريح. وعبر بالمرسلة إشارة إلى دوام هبوبها بالرحمة، وإلى عموم النفع بجوده كما تعم الريح المرسلة جميع ما تهب عليه (فتح الباري 1 / 30، 31).

قال الزين بن المُنَيِّر: وجه التشبيه بين أجوديته ـ ـ بالخير، وبين أجودية الريح المرسلة أن المراد بالريح ريح الرحمة التي برسلها الله تعالى لإنزال الغيث العام الذي يكون سببًا لإصابة الأرض الميتة وغير الميتة، أي فيعم خيره وبره من هو بصفة الفقر والحاجة ومن هو بصفة الغنى والكفاية أكثر مما يعم الغيث الناشئة عن الريح المرسلة ـ ـ (فتح الباري 4 / 116).

الحكمة من كثرة جوده ـ ـ في رمضان

  1. أن مدارسة القرآن تجدد له العهد بمزيد غنى النفس، والغنى سبب الجود. والجود في الشرع: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، وهو أعم من الصدقة.
  2. أن رمضان موسم الخيرات؛ لأن نعم الله على عباده فيه زائدة على غيره، فكان النبي ـ ـ يؤثر متابعة سنة الله في عباده.

قال ابن حجر : فبمجموع ما ذكر من الوقت والمنزول به والنازل والمذاكرة حصل المزيد في الجود. والعلم عند الله تعالى (فتح الباري 1 / 31).

لقاء جبريل عليه السلام ومدارسة القرآن

قال السَّندي : قيل: يحتمل أن يكون زيادة الجود بمجرد لقاء جبريل، أو بمدارسة آيات القرآن لما فيه من الحث على مكارم الأخلاق والثاني أوجه، كيف والنبي ـ ـ على مذهب أهل الحق أفضل من جبريل فما جالس الأفضل إلا المفضول.

قال السندي : قراءة النبي ـ ـ القرآن في صلاة الليل وغيرها كانت دائمة. ويمكن أن يكون لنزول جبريل عن الله تعالى كل ليلة تأثير .

أو يقال: يمكن أن تكون مكارم الأخلاق كالجود وغيره في الملائكة أتم؛ لكونها جبلية، وهذا لا ينافي أفضلية الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باعتبار كثرة الثواب على الأعمال.

أو يقال: إنه زيادة الجود كان بمجموع اللقاء والمدارسة.

أو يقال: إنه ـ ـ كان يختار الإكثار في الجود في رمضان؛ لفضله، أو لشكر نزول جبريل عليه كل ليلة فاتفق مقارنة ذلك بنزول جبريل (حاشية السندي على سنن النسائي 4 /125).

فوائد من الحديث الشريف

  • في الحديث: استحباب إكثار الجود في رمضان.
  • وفيه: زيادة الجود والخير عند ملاقاة الصالحين وعقب فراقهم للتأثر بلقائهم واستحباب مدارسة القرآن (شرح النووي على مسلم 15 /69).
  • والإكثار من القراءة في رمضان وكونها أفضل من سائر الأذكار، إذ لو كان الذكر أفضل أو مساويا لفعلاه.

قال ابن حجر: فإن قيل: المقصود تجويد الحفظ. قلنا: الحفظ كان حاصلا، والزيادة فيه تحصل ببعض المجالس .

  • وفيه: زيارة الصلحاء وأهل الخير، وتكرار ذلك إذا كان المزور لا يكرهه.

ويجوز أن يقال: رمضان من غير إضافة غير ذلك مما يظهر بالتأمل . ويدل الحديث على أن ابتداء نزول القرآن كان في شهر رمضان؛ لأن نزوله إلى السماء الدنيا جملة واحدة كان في رمضان (فتح الباري 1 / 30،31).

حديث المعارضة ولقاء فاطمة رضي الله عنها

فعَنْ عَائِشَةَـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: كُنَّ أَزْواجُ النَّبِيِّ ـ ـ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِى مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِـ ـ شَيْئًا فَلَمَّا رَآهَا رَحَّبَ بِهَا فَقَالَ: « مَرْحَبًا بِابْنَتِى ». ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ.

فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ، فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ سَأَلْتُهَا مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ ؟قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ ـ سِرَّهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِى عَلَيْكِ مِنَ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِى مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ ـ ـ فَقَالَتْ: أَمَّا الآنَ فَنَعَمْ أَمَّا حِينَ سَارَّنِى فِى الْمَرَّةِ الأُولَى فَأَخْبَرَنِى: « أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِى كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الآنَ مَرَّتَيْنِ وَإِنِّى لاَ أُرَى الأَجَلَ إِلاَّ قَدِ اقْتَرَبَ فَاتَّقِى اللَّهَ وَاصْبِرِى فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ ». قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِى الَّذِى رَأَيْتِ فَلَمَّا رَأَى جَزَعِى سَارَّنِى الثَّانِيَةَ فَقَالَ: « يَا فَاطِمَةُ أَمَا تَرْضَىْ أَنْ تَكُونِى سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ ». قَالَتْ: فَضَحِكَتْ ضَحِكِى الَّذِى رَأَيْتِ** (متفق عليه (خ3426 ، م 6467)).

المعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلا منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع (فتح الباري 14 / 206).