أجرت إذاعة القرآن الكريم من الدوحة حوارا مع الأستاذ الدكتور إبراهيم الأنصاري، رئيس جمعية البلاغ الثقافية وعميد كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة قطر، يوم الأحد السادس من سبتمبر 2026م، عبر فقرة “أضواء على الشريعة” ضمن برنامج الإذاعة “كيف أصبحت” .
وسلط الحوار الضوء على الأبعاد الجوهرية للشريعة الإسلامية وتناول الخصائص الفريدة التي تمتاز بها بدءا من أبعادها الربانية التي ترسخ الرقابة الذاتية، وأسسها الأخلاقية القائمة على التكاليف والمسؤولية، مرورا بواقعيتها في مراعاة الفطرة الإنسانية، وعالميتها في صيانة حقوق البشرية، وصولا إلى تناسق أحكامها وشموليتها لمناحي الحياة كافة.
الربانية وأثرها في استقامة المجتمع
استهل الدكتور الأنصاري الحوار بالإجابة عن سؤال ما المقصود بكون الشريعة الإسلامية شريعة ربانية، وما أثر ارتباطها بالله تبارك وتعالى في صلاح الإنسان واستقامة المجتمع؟ مستعرضا خاصية الربانية كأهم خصائص الشريعة، ومبينا أن مصدرها هو الله عز وجل الذي وضعها وكلف العباد بها، بخلاف الشرائع والقوانين الوضعية الأرضية.
وقال الدكتور إبراهيم الأنصاري أن هذه الخاصية تربي في أتباعها الوازع الديني والمحبة والمراقبة الإلهية في الفعل دون الوقوف عند ظواهر الأمور، مما يمنح الشريعة القدسية والاحترام في قلوب أتباعها، ويدفعهم لتطبيقها بحب وإخلاص وتعبد، خشية العقاب الإلهي في الآخرة حتى لو تمكن الإنسان من التستر والفرار من العقوبة الدنيوية.
وأضاف أن الربانية تمنع المسلم من الاحتيال لمخالفة الأحكام، وتدفعه للمسارعة في تنفيذ الأوامر، والتعفف عن حقوق وأموال وأعراض الآخرين، مؤكدا أن كافة الخصائص الشرعية الأخرى إنما هي نتيجة لكون الواضع لها هو الحكيم الخبير اللطيف الذي يزن الأمور بحكمة ويضع كل شيء في موضعه، ولا يشرع لخلقه إلا ما فيه مصلحتهم.
المنظومة الأخلاقية والرقابة الذاتية
وفي إجابته عن سؤال حول كيفية إسهام الشريعة الإسلامية في بناء منظومة أخلاقية متكاملة، وأبرز النماذج التي تظهر ارتباط الأحكام الشرعية بالأخلاق، بين الدكتور الأنصاري أن الشريعة أسست على مراعاة الفضائل في كافة مجالاتها، خلافا للقوانين الوضعية التي تنحصر مهمتها في حسم الخلافات واستقرار المجتمع انطلاقا من مبدأ الحقوق، بينما بنيت الشريعة على مبدأ “التكاليف” ومسؤولية الفرد عن أداء حقوق غيره أمام الله عز وجل.
وأشار إلى أن الشريعة تتجاوز هدف الاستقرار إلى الارتقاء بالمجتمع نحو الكمالات العليا والصورة المثالية، مستدلا بوجود عقوبات ينفذها الفرد على نفسه تعبدا دون رقابة من السلطة القضائية، مثل الكفارات (كفارة اليمين، والظهار، والقتل الخطأ)، مما ينمي لديه المراقبة الذاتية وحس المسؤولية في الالتزام بالأحكام ورعايتها في نفسه وفيمن يعول من أسرة وأبناء، واستحضر بعض الشواهد والقصص التاريخية التي تجسد عمليا هذه المنظومة الأخلاقية.
التيسير والتوازن في التشريع
وفيما يتعلق بسؤال عن واقعية الشريعة، أوضح الدكتور الأنصاري أنها ورغم مثاليتها وربانيتها وأخلاقيتها لم تحلق بعيدا عن واقع الإنسان، وإنما اعترفت بضعفه وشهواته وغرائزه، فأباحت له الملكية الفردية والزواج، بخلاف بعض الشرائع والأفكار المنحرفة التي تمنع التملك أو تحرم الزواج أو تبيح الزنا.
وأكد أن التشريع الإسلامي بني على اليسر ومراعاة المشاق التي يتعرض لها الإنسان في السفر والمرض وحالات الاضطرار، مشيرا إلى أن سر هذا التناسق يكمن في أن الخالق سبحانه- وهو العليم بنقص الإنسان وحاجاته- هو من وضع التشريع المتناسب مع هذه الفطرة التي خلقه عليها.
العناية بحقوق وكرامة الإنسان
وعن عناية الشريعة بحقوق الإنسان وقيمته، بين الدكتور الأنصاري أنها شريعة عالمية صالحة للإنسانية جمعاء وليست حكرا على العرب أو المسلمين، مما يفرض على أتباعها مسؤولية نشر قيمها ومثلها. وأوضح أنها وازنت بين الجانب الروحي من خلال العبادات البدنية والروحية مثل الصلوات والأدعية والصوم والحج، والجانب المادي بتنظيم المأكل والأموال والتجارات والبيوع، إلى جانب تنظيم القضاء وفض المنازعات، وإرساء قواعد العلاقات الدولية في السلم والحرب.
وشدد على أن الشريعة صانت كرامة الإنسان حتى قبل ولادته مصداقا لقوله تعالى: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70]، وقررت ميثاقا إنسانيا شاملا يقوم على الإخاء والمساواة والعدل واعتبار البشرية أسرة واحدة، مبينا أن الجهاد شرع لحماية المستضعفين ودفع العدوان وصيانة الحقوق لا للقتال بذاته. وقارن ذلك بالنظام الدولي المعاصر الذي يتيح لبعض الدول حق الاعتراض “الفيتو” لحماية مصالحها ولو على حساب حقوق الشعوب ودعم الظلم، بينما ترفض الشريعة الظلم تماما وتتوعد فاعليه بالعقاب الإلهي.
تناسق الأحكام وتكامل القيم
وحول تناسق الشريعة وتكامل أحكامها، أشار الدكتور الأنصاري إلى أن صدورها عن العزيز الحكيم ينفي عنها التنافر والتناقض حيث تتكامل أجزاؤها في منظومة واحدة يحمل بعضها بعضا، وتطرق إلى مثال الميراث الذي يجتزئه البعض للادعاء بعدم إنصاف المرأة، مبينا أن الحالات التي يكون فيها نصيب المرأة على النصف من الرجل تقتصر على أربع حالات فقط من أصل 36 إلى 40 حالة، أي ما يقل عن 10% من الحالات.
وأرجع الدكتور الأنصاري علة هذا التفاوت إلى تكليف الرجل المالي بالمهر والنفقة والرعاية الأسرية، بينما تحتفظ المرأة بنصيبها دون أعباء، مما يحقق توازنا بضخ المال لدى المكلف بالإنفاق وإعادة توزيع الثروة بين الأجيال، واستشهد بمثال آخر يتعلق بالديات في القتل الخطأ، حيث يتحملها ذكور العصبة دون النساء، مما يبرر زيادة نصيب الذكور في بعض المسائل المالية لمقابلة التكاليف والالتزامات الملقاة على عاتقهم.
شمولية الشريعة
واختتم الدكتور إبراهيم الأنصاري حديثه لإذاعة القرآن الكريم بالتأكيد على شمولية الشريعة لمناحي الحياة كافة وأنها نعمة إلهية كبرى، موضحا أنها تولت تنظيم الجانب التعبدي والعلاقة مع الخالق، والجانب الأسري والأحوال الشخصية من زواج وطلاق وميراث ووصية، والمعاملات المالية والتجارية من بيع ورهن وشركات ومضاربة، فضلا عن المال العام وموارد بيت المال من زكاة وفيء وغنيمة وخراج؛ إضافة إلى الجانب الجنائي والجزائي عبر أحكام القصاص والحدود والتعازير والكفارات لحفظ أمن المجتمع، ونظام القضاء المكمل لمنظومة الحياة الإنسانية.