لم يكن تحويل القبلة يقف عند تغيير القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام، بل حوى تحويل القبلة دلالات أكبر من كونها تتعلق بالصلاة، مع التسليم التام بعلاقة تحويل القبلة بالصلاة في المقام الأول، على أنه من الأهمية بمكان سبر أغوار تلك الحادثة العظيمة؛ لتقف الأمة منها على دروسها الحضارية وعبرها التاريخية؛ تصحيحا للمسار، وتوجيها نحو القبلة الحضارية للمسلمين.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم في مكة يصلي تجاه المسجد الحرام أول الأمر ثم صرف إلى القبلة الجديدة نحو صخرة القبة بالمسجد الأقصى، وقيل: بل صلى نحو بيت المقدس من أول الأمر، فكان يصلي بين الركنين بين يدي الكعبة متوجها إلى المسجد الأقصى، فجمع الله تعالى له بين المسجدين والبيتين العظيمين، وصلى المسلمون في المدينة قبل الهجرة تجاه المسجد الأقصى، ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يكن الجمع بين المسجدين ممكنا، فكان يتوجه إلى المسجد الأقصى مدة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا، حتى تحولت القبلة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام.

ولتلك الحادثة دلالات حضارية عديدة، من أهمها:

أيام الله أحد مكونات الحضارة الإسلامية

إن أيام الله في الحوادث الجسام والأمور العظام لهي من مكونات الحضارة الإسلامية، ومنها: تحويل القبلة، ولهذا سطرت تلك الحادثة بتفاصيلها والفتنة التي نشأت عند بعض الطوائف عند تحويل القبلة في القرآن الكريم، بل في أول سورة بعد الفاتحة، وأطول سورة في القرآن وهي سورة البقرة التي عرفت بفسطاط القرآن، وتميزت في موضعها من السورة، فجاءت الآيات في الربع الأول من الجزء الثاني، وأخذت غالب الربع في الحديث عنها، ولهذا كان من المكونات الحضارية الحفاظ والتذكير بأيام الله تعالى، والاحتفاء به، كما قال تعالى: {وَذَكِّرْهُمْ ‌بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم: 5]  وليس في ذلك شيء من البدعة، فالأمر بالتذكير بأيام الله تعالى مما أمرنا به في كتاب ربنا، بل كان هذا من هدي الصحابة والسلف،  يقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وقد عاش زمناً بعد رسول الله ” كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ‌كما ‌نعلمهم ‌السورة من القرآن”، فالأمة بحاجة إلى إحياء تلك الحوادث العظيمة في تاريخها لتكون ميراثا للأجيال، يتربى عليها الأجيال جيلا بعد جيل؛ لأنها جزء من الهوية الحضارية والثقافة الإسلامية.

الانتماء للإسلام قبل الانتماء للقومية العربية

إن من أهم ما يميز المعالم الحضارية لتحويل القبلة أنها كانت اختبارا لكل الطوائف في زمن التنزيل، بدءًا من الصحابة – رضوان الله عليهم- وكذلك مشركي مكة واليهود والمنافقين، أما اختبار الصحابة في أن يتوجهوا للمسجد الأقصى وهم من أوسط العرب نسبا ومكانة في قريش، وهم – كذلك – رعاة المسجد الحرام، ومن المعلوم تعلق العرب بالبيت العتيق وتقديسه لهم، إلا أن الله تعالى أراد أن يختبر الصحابة من العرب، حتى يكون ولاؤهم لله والإسلام قبل أن يكون لقوميتهم العربية التي يعتزون بها ورمزها آنذاك المسجد الحرام.

وقد كان الدرس قاسيا، وقد ظهر هذا في نفس النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين كان يقلب وجهه للسماء، مستحيا من الله أن يطلب تحويل القبلة مع رغبته في ذلك، فما بالنا بصحابته – رضوان الله عليهم- لكنهم نجحوا في الاختبار، واستمروا يصلون أكثر من عام ونصف، وقد أسلموا أفئدتهم لله، ونزعت من قلوبهم العصبية للقومية العربية، فلما استقر الإسلام في نفوسهم وقدموا الله ورسوله على قوميتهم؛ جاءهم من الله ما يحبون، {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ ‌فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} [البقرة: 144] .

ولهذا لما أراد أعداء الإسلام حرب المسلمين في بلادهم، ورغبوا في صرفهم عنه، اخترعوا لهم مشروع (القومية العربية) بديلا عن الهوية الإسلامية، وباء بالفشل ولله الحمد.

انتقال القيادة الحضارية إلى أمة محمد

إن من أهم الدلالات الحضارية لتحويل القبلة هو تحويل القيادة من بني إسرائيل إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فبعد الرسوب المزري لبني إسرائيل وعدم الوفاء بأمانة الله، وقتل الأنبياء بغير حق، وتحريف الكلم عن مواضعه،  ثم نزول الرسالة على محمد صلى الله عليه وسلم؛ نزعت قيادة العالم منهم إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ويظهر ذلك في آيات تحويل القبلة من قوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143]، وهذا الانتقال هو تأكيد لحدث سابق وهو صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماما، من مركز حضارة بني إسرائيل من المسجد الأقصى.

لقد جاء تحويل القبلة وهناك حضارات متعددة، مثل الشرق الحضارة البيزنطية والحضارة الفارسية، وهذه هي الحضارات المهيمنة، وهناك حضارتان صغيرتان، الأولى تتعلق بالعرب، والثانية تتعلق ببني إسرائيل، فجاء الإسلام وهذب الحضارة العربية لتتولى قيادة الحضارات كلها بعدما اصطبغت بصبغة الله.

قبلة الحضارة وقبلة الصلاة

من المعالم الحضارية في تحويل القبلة لفت الانتباه إلى ما وراء قبلة الصلاة من القبلة الحضارية، فلا يتوقف الأمر عند تحويل قبلة الصلاة، ذلك أن المؤمنين إذا ولوا وجوههم قبل المشرق فلله، وإذا ولوا وجوههم قبل المغرب فلله، فهم في كل حال يدورون مع طاعة الله وأوامره فلا مؤاخذة عليهم في ذلك، وجعل القرآن الاعتراض أو اللمز على تحويل القبلة من قول السفهاء الذي لا يلتفت إليه، ونحن إذا أردنا أن نقلل من قول أحد نقول له: دعك منه ولا تستمع لكلامه فإنه سفيه، وسطر القرآن ذلك بقوله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، ولكن المقصود هنا هو إنشاء حضارة جديدة تقوم على الدين والتقوى بعد فشل حضارة بني إسرائيل، ولهذا، صرح بالتمايز بين الحضارتين بل والحضارات كلها بقوله تعالى: {وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ} [البقرة: 145]، ولهذا كان كما قال الله تعالى: ﴿‌وَلِكُلٍّ ‌وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ [البقرة: 148].

وقد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم من ظاهرة الانسلاخ الحضاري والذوبان في حضارة غيرنا، حتى إننا نقلدهم تقليدا أعمى بلا عقل ولا هوية، وهو أقسى مراحل الانهزام الحضاري، وذلك الذي تعيشه أمتنا اليوم، وهو من باب استشراف المستقبل بوحي من الله على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي بأخذ القرون قبلها، شبرا بشبر وذراعا بذراع). فقيل: يا رسول الله، كفارس والروم؟ فقال: (ومن الناس إلا أولئك)» ، وعند البخاري ومسلم  عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لتتبعن سنن من كان قبلكم، شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم). قلنا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: (فمن)». أي فمن غيرهم؟

ولهذا يوهم من يظن أن بناء الحضارات إنما يقوم على الاكتشافات والاختراعات، فالحضارة لا تتوقف على الجانب المادي، بل الحضارة تقوم على أساسها على الإطار القيمي والمعرفي الذي يظهر حتى في كل الأمور التي تتعلق بالحياة، فعلى سبيل المثال، فإن بناء البيوت في تاريخ الإسلام كان خاضعا لقيم إسلامية، فأول البيت دهليز وهو الممر الكبير، وكان يستقبل فيه الضيوف، وفي بيوت أخرى تبنى بعض أجزاء البيت للضيوف، وذلك لقيمة ( إكرام الضيف) في الإسلام.

ومنها ما كان  بباب الحريم ومساكن الحريم كما هو في الوثائق العربية، أو ما بات يعرف بالحرملك في القصر العثماني وهو المكان الخاص بالنساء حتى لا تنكشف على الرجال، بخلاف السلاملك وهو مكان استقبال الضيوف، وهو مشتق من السلام والتحية، ومنها أن الشبابيك كانت تصنع بطريقة بحيث يرى الذي بالداخل من بالخارج وليس العكس، وهو تحقيق لقيمة حرمة البيت والستر، هذا بخلاف ما نراه اليوم في الأبنية في بلادنا على الطريقة الأمريكية، أو ما يعرف مثلا بـ”المطبخ الأمريكي”، فيكون المطبخ ملتصقا بمكان استقبال الضيوف وتقف المرأة بثياب المهنة حاسرة شعرها وبعض جسدها أمام الضيوف، لأن هذه ثقافتهم وقيمهم.

لقد كان تحويل القبلة تأكيدا على تمايز الحضارة الإسلامية الجديدة، وأنه قد آن ظهور تلك الحضارة الجديدة بكل مكوناتها الثقافية والقيمة والمعرفية، وأن التوجه لقبلة بيت المقدس كان للتنبيه على أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يخترع دينا جديدا، بل جاء مكملا بيت النبوة الكبير الذي ينتمي إليه جميع الأنبياء، فجاء ليكمل البناء ويعلن انتماءه إليهم، وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك المعنى بما أخرجه الشيخان واللفظ للبخاري ، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الدنيا والآخرة، والأنبياء أخوة لعلات، ‌أمهاتهم ‌شتى ودينهم واحد)».

فكانت الصلاة أولا إلى بيت المقدس لإعلان وحدة الأنبياء، ثم جاء تحويل القبلة إيذانا بانتقال الحضارة إلى أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

وخلاصة القول: إن تحويل القبلة يحمل عدة دلالات متنوعة، أظهرها تحويل قبلة الصلاة، وجوهرها ميلاد قبلة حضارية جديدة، ترمز لعهد جديد من قيادة العالم.