اختتمت بالعاصمة القطرية الدوحة، أعمال ندوة “تاريخ العلوم في الحضارة الإسلامية” في يومها الثاني والأخير، والتي نظمتها وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بالتعاون مع اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، وبشراكة استراتيجية مع مبادرة الإسلام والمسلمون خلال الفترة 23 – 24 مايو 2026 م.

ومثلت الندوة التي حظيت برعاية وحضور من سعادة السيدة لولوة بنت راشد الخاطر، وزير التربية والتعليم والتعليم العالي، منصة عالمية لاستنطاق عبقرية التراث وتوظيفها في حل إشكالات العصر الرقمي وتحديات المناخ، وسط اهتمام واسع بالمخرجات الفلسفية والرياضية والأخلاقية.

واستكمل المسار التخصصي في اليوم الثاني بإقامة ثلاث جلسات علمية واختتمت بقراءة التوصيات.

إسهامات المسلمين في الرياضيات

استهلت فعاليات المسار التخصصي بالجلسة الرابعة التي ترأسها أ.د. حامد عيد، وكشفت عن عبقرية العلماء المسلمين في الرياضيات. وقدمت فيها د. إليف باغا، رئيسة قسم تاريخ العلوم الرياضية بجامعة اسطنبول مدنيت، ورقة بعنوان “تبيان اليقين في تقاليد الرياضيات الإسلامية”»”، حللت فيها كتاب “الشمسية في الحساب” لنظام الدين النيسابوري من خلال شرح نظام الدين عبد العلي البرجندي له.

واستعرضت د. كامالوفا جولدينا، من جامعة أباي الوطنية في كازاخستان في مشاركتها في الجلسة والتي كانت بعنوان “التراث الرياضي عند الفارابي في سياق رقمنة التعليم” وأشارت إلى أهم أعمال الفارابي الرياضي كتاب «الحيل الروحية والأسرار الطبيعية في دقة الأشكال الهندسية» الذي كرس لتطبيق الهندسة في الممارسة العملية عبر خوارزميات مبتكرة لحل مسائل البناء باستخدام الفرجار والمسطرة، بما في ذلك بناء المضلعات المنتظمة، داعية لرقمنة هذا التراث لتعزيز التنشئة الروحية والوطنية للشباب.

أما الأستاذ الدكتور محمود الحمزة، الباحث المتخصص في علوم الرياضيات ورئيس اللجنة العلمية للندوة، فتناول تطور مفهوم العدد الحقيقي، مبينا أن إدماج الأعداد الصماء (اللانسبية) في الحساب شكل لحظة فارقة حولت التصور من الهندسي إلى الجبري الموسع، مستشهدا بجهود الخيام وثابت بن قرة، ومتوقفا عند مخطوطة ابن البغدادي “المقادير المشتركة والمتباينة”.

وتتبع الباحث في تاريخ الرياضيات الدكتور سيف الدين التومي علم نظرية الأعداد، واستعرض تطور برهان الأعداد المتحابة وصولا لليزدي، ونظرية الخازن (فيرما لاحقا)، والمعادلة (الدوفنطسية).

عبقرية القياس والريادة الأندلسية

وفي الجلسة الخامسة التي ترأستها أ.د. مريم المعاضيد، أستاذة الفيزياء وعلوم المواد بجامعة قطر، التي أكدت أن المنجز العلمي الإسلامي هو تجسيد لجرأة الإنسان على التساؤل المنهجي، وأشارت إلى أن المعرفة الحقيقية لا تبنى في عجلة ولا تنمو في عزلة.

تناولت أ.د. إميليا كالفو لابارتا، الباحثة المتخصصة في تاريخ العلوم العربية بجامعة برشلونة في مداخلتها “تحولات الآلات الفلكية الأندلسية” وأوضحت دور علماء الأندلس في تطوير ابتكارات مثل «الإسطرلاب الجامع» و«الصفيحة الزيجية» (الاكواتوريوم)، التي مزجت بين الهندسة النظرية والملاحظة التجريبية، وشكلت حلقة وصل انتقلت من الشرق الإسلامي لتعيد تشكيل الفكر العلمي في أوروبا خلال فترة العصور الوسطى.

من جانبه، أثبت الدكتور باتيرجون عبد الله يوف، من معهد الاستشراق في أوزبكستان، الإجماع الحضاري على كروية الأرض، مستشهدا بجهود العالم أحمد الفرغاني فيهذا المجال . وأشار إلى دور العلامة محمد الخوارزمي في تحديد إحداثيات 2402 موقعا سكنيا، وعبقرية أبو الريحان البيروني الذي حسب نصف قطر الأرض بقيمة (111494 مترا)، بفارق مذهل لا يتجاوز 599 مترا عن القياسات الحديثة المعتمدة اليوم. واستشهد الدكتور باتيرجون ببرهنة ابن حزم القاطعة على كروية السماء والأرض.

وفي السياق ذاته، استنطق الباحث المتخصص في الفلسفة الإسلامية وتاريخ العلوم د. محمد باغا رسالة لابن سينا وجهها لأبي الحسين السهلي حول علة قيام الأرض في وسط السماء، بينما قدم د. محمد العصيري مقاربة لربط الذاكرة التراثية بالنمذجة المستقبلية للمناخ عبر بيانات الأقمار الاصطناعية ومؤشرات النشاط الشمسي.

نقد التصنيف وعبقرية الاستدلال

أما الجلسة السادسة فكانت بعنوان ” فلسفة العلوم في الحضارة في الحضارة الإسلامية ” والتي أدارها د. منتصر الحمد واختصت بالنقد الإبستمولوجي، ناقش فيها أ.د. إدريس نغش الجابري ، الباحث المتخصص في الابستمولوجيا، ورقته المعنونة “من تصنيف علوم الفلسفة إلى فلسفة العلوم: قراءة إبستمولوجية في أقسام العلوم في التراث الإسلامي” إشكالات تداخل الموضوعات الفلسفية مع العلمية وتعدد معايير صياغة اللوائح التصنيفية. وتطرق للموضوع من خلال النظر في ثلاثة محاور : الأول يتعلق بترتيب الموضوعات الفلسفية ومعاييره ضمن خرائط المعارف العلمية وأبنيتهما العلمية. والثاني في تطور هيكلة العلوم الفلسفية بتطور مرجعيات التصنيفات، أما الثالث يتعلق بالنقود والآفاق.

بينما جاءت مشاركة الدكتور كمال أصلان ببحث حول “القيم الأخلاقية وأثرها في تشكل التقليد العلمي في الحضارة الإسلامية ” وانطلق فيها من فرضية مؤداها أن ازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية ارتبط بمنظومة القيم الأخلاقية التي شكلت الإطار الثقافي الحاضن للنشاط العلمي مؤكدا أن ازدهار العلوم كان مرتبطا بقيم الأمانة والنزاهة العلمية والمسؤولية كما توقف عند عدد من النصوص التراثية المتعلقة بآداب العالم والمتعلم.

وتناول الدكتور أصلان أيضا السياق المؤسسي والثقافي الذي احتضن النشاط العلمي في الحضارة الإسلامية مثل حلقات العلم والمدارس والمكتبات وبيوت الحكمة.

من جهته، قدم أ.د. صلاح عثمان أستاذ المنطق وفلسفة العلم بجامعة المنوفية، ورقة بعنوان «القياس الفقهي الإسلامي بوصفه نموذجا للاستدلال»، محللا عناصره (الأصل، الفرع، العلة، الحكم) في ضوء أنساق المنطق المتعدد القيم، ليثبت امتلاكه بنية معقدة قادرة على مواجهة تحديات العصر.

واختتمت الجلسة بمشاركة الدكتور عبد الله عواد الذي قدم ورقة بعنوان: “التصنيف من الداخل: ابن الهيثم وفهرسة العلوم الإسلامية”، انتقد فيها أنظمة التصنيف الغربية (مثل تصنيف ديوي ومكتبة الكونغرس) والتي تقزم المعرفة الإسلامية، داعيا لاستعادة فلسفة تصنيف أصيلة تدمج الأخلاق بالمعرفة، ومحذرا من الرقمنة العمياء التي تفتقر لهوية إبستمولوجية.

ولفت الدكتور عواد الانتباه إلى الطريقة التي نؤرشف بها النصوص بأنها مسألة إبستمولوجية تؤثر مباشرة في نوع المعرفة والبحث العلمي الذي ننتجه، وأن أهمية هذا الأمر تزداد في العلوم الإسلامية لما تمتلكه من تراث غني في تصنيف العلوم وتنظيم المعرفة.

ميثاق العلم النافع

وعقب انتهاء الجلسات، عقب الأستاذ الدكتور عبد الحميد مدكور، الأمين العام لاتحاد مجامع اللغة العربية، ليؤكد أن العلم النافع ماهو إلا تقليد نبوي أصيل، مستشهدا بالدعاء النبوي: “اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع”. وشدد الدكتور مدكور على أن الأمة لن تستعيد مكانتها إلا إذا أبدعت علوما تجعلها في مقدمة الصفوف وقدمت للعالم أصفى وأجود ما عندها، مستشهدا بمنهج الرازي في الطب النفسي الذي يوجب دعم روح المريض، مؤكدا أن تقدم المجتمعات مرهون بالتلاحم الوشيج بين العلم والأخلاق.

التوصيات

وفي ختام أعمال الندوة، قرأ الأستاذ الدكتور محمود الحمزة رئيس اللجنة العلمية للندوة التوصيات الخاصة بالمسار التخصصي والتي دعت إلى ضرورة إنشاء مركز أبحاث يشرف على الأبحاث والدراسات في تاريخ العلوم، وإصدار مجلة علمية رصينة تنشر تلك الدراسات المتخصصة، ودعم فكرة تأسيس مركز متخصص حول الابتكار المعرفي، بالإضافة إلى العمل على تأسيس اتحاد مؤرخي تاريخ العلوم لتعزيز التواصل العلمي والأكاديمي العالمي.