مؤخراً، صعد طفلي في مرحلة الروضة على الميزان وسألني عن الديناصورات التي تزن أيضاً 50 رطلاً. وبفضل نموذج “كلود” (Claude)، تعلمنا سريعاً -وسط بهجة ابني- أنه في حجم ديناصور “فيلوسيرابتور” يافع.

لقد ساعدني الذكاء الاصطناعي في الإجابة عن سؤال لم أكن لأتمكن من الإجابة عنه بمفردي. لكنه لم يحل محلي كأحد الوالدين، ولم يحل محل دور ابني كمتعلم. وبعد بضعة أسابيع، كنت قد نسيت الإجابة، لكن ابني لم ينسها؛ فقد كان هو الحافظ للمعلومة، وكنت أنا القناة الموصلة لها.

إن أمراً كهذا يحدث في المدارس والكليات أيضاً؛ فالوصول إلى المعلومات بات أسهل من أي وقت مضى، حيث يمكن لأي شخص في أي مكان أن يطرح سؤالاً على إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي ويتلقى إجابة تبدو معقولة، على السطح على الأقل. ولذلك، ليس من المستغرب أن نرى تنبؤات بزوال المدارس والكليات التقليدية.

السؤال المطروح على التربويين: كيف نعرف متى يدعم الذكاء الاصطناعي التعلم الحقيقي؟

بيد أن التعليم لم يكن يوماً مقتصراً على مجرد الوصول إلى المعلومات؛ فالطلاب بحاجة إلى ما هو أكثر من ذلك بكثير ليصبحوا أفراداً قادرين في المجتمع. إنهم بحاجة إلى القدرة على تقييم جودة المعلومات، وتمييز العمل القوي، والربط بين الأفكار. كما يحتاج الطلاب أيضاً إلى مواجهة حقيقة أن الآراء لا تتطابق دائماً، وأن هذا أمر طبيعي. ويتطلب هذا النوع من التعلم علاقات إنسانية تعرض الطلاب للاحتكاك بملامح الحياة الواقعية، وهي ملامح تميل نماذج الذكاء الاصطناعي المداهنة إلى حجبها.

ويبقى السؤال الأكبر هو كيف نعرف متى يدعم الذكاء الاصطناعي التعلم الحقيقي، ومتى يؤدي إلى “الاستسلام المعرفي” المتمثل في قبول الإجابات التي يولدها الذكاء الاصطناعي بأقل قدر من التدقيق. وتلقي نتائج الأبحاث الأخيرة بعض الضوء على ذلك.

التعلم حسب نوع الذكاء الاصطناعي

أولاً، يختلف التعلم بشكل كبير بناءً على نوع الذكاء الاصطناعي المستخدم. إذ تزداد مخاطر الاستسلام المعرفي عندما يستخدم الطلاب النسخ القياسية المجانية من نماذج اللغات الكبيرة (LLMs). فقد صممت تلك النماذج لتكون مفيدة، وبالتالي فهي تقدم ببساطة إجابات عن الأسئلة التي تطرح عليها. ويكون نشاط الدماغ والتعلم المستبقى أقل عندما يعمل الطلاب مع الذكاء الاصطناعي بهذه الطريقة.

وفي المقابل، فإن الأدوات التي توفر سقالات للتعلم وتدعم التعليم الحضوري المباشر يمكن أن تحقق نتائج أكثر إبهاراً من ذاكرة ابني لحجم الديناصورات المراهقة. فقد وجدت إحدى الدراسات حول مساق فيزياء تمهيدي لطلاب المرحلة الجامعية الأولى أن الطلاب الذين استخدموا معلماً ذكياً مدعوماً بالذكاء الاصطناعي ومصمماً بعناية، حققوا مكاسب تعليمية بلغت ضعف ما حققه أولئك الذين تلقوا تعليماً حضورياً نشطاً.

عملية التعلم مهمة

 ثانياً، يعد الدور الذي يلعبه الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم أمراً مهماً، ويجب أن يكون محظوراً في بعض الأحيان. وقد حذر مؤلفو دراسة مساق الفيزياء من أن التوجيه المنظم للذكاء الاصطناعي قد لا يكون مناسباً للمهام “التي تتطلب تركيباً معقداً لمفاهيم متعددة وتفكيراً نقدياً من رتبة أعلى”. وفي مثال على نطاق أوسع، وصف وزير التعليم في إستونيا -الذي يشرف على شراكة البلاد الطموحة مع (OpenAI) لتوفير منصة ذكاء اصطناعي مخصصة في المدارس الثانوية العليا- نموذجاً مدمجاً؛ حيث يستخدم الطلاب الكتابة اليدوية لتشكيل الذاكرة في مرحلة مبكرة من عملية التعلم، ثم يستخدمون الأدوات الرقمية لاحقاً للحصول على التغذية الراجعة والتعلم بمساعدة الذكاء الاصطناعي. ولا تقوم إستونيا بإدخال الذكاء الاصطناعي في المراحل الدراسية المبكرة حتى يتمكن الطلاب من بناء المعارف والمهارات الأساسية أولاً.

الحاجة إلى دعم التربويين

ثانياً، نظراً لأن النتائج متباعدة جداً بين الاستخدام الجيد والسيئ للذكاء الاصطناعي في التعلم، يحتاج التربويون إلى الدعم لإضافة الذكاء الاصطناعي إلى أدواتهم التدريسية بمسؤولية. ففي إحدى الدراسات من سيراليون، أكمل معلمو المدارس الثانوية تدريباً لمدة يوم واحد قبل إضافة أدوات الذكاء الاصطناعي في عملية التعلم، وعندها فقط شهدوا مكاسب في تعلم الرياضيات تعادل أكثر من عام من الدراسة الإضافية.

وتقدم كل من (Google) و(OpenAI) و(Anthropic) أنماطاً تعليمية ووسائل دعم أخرى مبنية على هذه الأفكار. ومع ذلك، فإن هذه الميزات عادة ما تكون اختيارية ويصعب العثور عليها للمستخدمين من غير الشركات والمؤسسات. وعلى سبيل المثال، أطلقت (OpenAI) “وضع الدراسة” في يوليو 2025، لكنها أزالته بهدوء من واجهة (ChatGPT) القياسية هذا الربيع. وتظل هذه الميزة متاحة للمدارس والأنظمة التي لديها عقود للمؤسسات والشركات (Enterprise). وهذه العقود مكلفة ولكنها تدفع الطلب على أنواع الذكاء الاصطناعي التي يريدها التربويون بالفعل، خاصة عندما يتعاون القادة عبر الأنظمة ويقدمون طلبات مماثلة لشركات التقنية في عمليات الشراء.

ولا ينبغي للمدارس والكليات والتربويين أن يكونوا بمفردهم في توجيه هذه المسارات؛ إذ يمكن للعمل الخيري أن يساعد، على سبيل المثال، من خلال دعم التدريب الذي يحترم خبرات المعلمين، وإجراء أبحاث مستقلة حول ما هو فعال، وتعزيز جهود المناصرة والدعم التي توازن حجم شركات التقنية الضخمة. كما يمكنهم المساعدة في جعل عقود المؤسسات أكثر بساطة وتكلفة، ودعم تطوير معايير المشتريات التي تحمي التعلم، وبيانات الطلاب، وسيادة المؤسسات التعليمية على أنظمتها الخاصة.

ويتوافق هذا مع تاريخ العمل الخيري في مساعدة فوائد المناهج التعليمية الجديدة على الوصول إلى الجميع. على سبيل المثال، مع إقرار قوانين التعليم الإلزامي في مطلع القرن العشرين، استفادت المجتمعات من مكتبات “أندرو كارنيجي” البالغ عددها 2,509 مكتبات (والتي كانت العديد منها بمثابة فصول دراسية) ومدارس “جوليوس روزنوالد” البالغ عددها 5,000 مدرسة والتي علمت ثلث الأطفال السود في الريف الجنوبي.

إن النظر إلى الماضي البعيد يمنحني الثقة في أن البشر يمكنهم التغلب على التحولات المدفوعة بالتقنية والوصول إلى مكانة أفضل. وتعد برامج التلمذة الصناعية الألمانية قوية اليوم جزئياً لأنه خلال الثورة الصناعية، كيّفت النقابات الألمانية نماذجها لتتناسب مع الاقتصاد المتطور بدلاً من مقاومة التغيير تماماً.

لقد بدأ تدفق المعلومات الفائض اليوم مع المطبعة، التي وسعت نطاق الوصول إلى النصوص وأعادت تشكيل من يمكنه ادعاء الخبرة في نهاية المطاف. ويمكنني صياغة هذه الأفكار ومشاركتها معكم اليوم جزئياً لأن الكتابة، منذ زمن بعيد جداً، غيرت المناهج الدراسية، ومنح الشهادات، وتبادل المعلومات.

قد لا يكون البشر رائعين بقدر ديناصورات “فيلوسيرابتور”، ولكن لدينا إرادة وقدرة مذهلة على التطور لمواكبة هذه المرحلة. ويمكن لنا جميعاً -بما في ذلك مزودو التقنية، والتربويون، والعمل الخيري- أن نلعب دوراً نشطاً في تشكيل الخطوة التالية للطلاب.


تيري تايلور –12 يونيو 2026