كنت في نقاش مع إحدى تلميذاتي، فسألتني عن التفلسف والسؤال الفلسفي، والسؤال في القرآن، وما طبيعة السؤال في القرآن، وما غايته؟
وفي الحقيقة، فإن مطالعة كتب الفلسفة تعلمنا، أن الفلسفة في جوهرها تساؤل يجعل العقل يشتغل في القضايا الكلية، المتعلقة بالوجود والمعرفة والقيم، وما يدور حول ذلك من قضايا مرتبطة بها. وهذا لا مشكلة فيه، بل محبذ وينبغي التعامل معه وتشجيعه، ولكني رأيت أن بعض المتفلسفة يقف عند حدود إثارة السؤال أكثر من اشتغاله على توفير إجابة لهذه الأسئلة. وكأن الأمر فيه نوع من التعسف، بحيث يلقي بعض المتفلسفة أسئلتهم دون الاهتمام كثيرا بالإجابة، بحجة أن السؤال في الفلسفة أهم من الجواب.
ولكن الملاحظ أن هناك مشكلة تتعلق بضيق دائرة السؤال الفلسفي المعهود بالطريقة التقليدية، حيث أنه يرتكز على إعمال “العقل المجرد“[1] دون باقي القوى الإدراكية، مما يجعله سؤالاً خاصاًّ إلى الخاصة، وهذا ما يجعل فائدته محصورة في دائرة ضيقة. كما أنه سؤال لا يعبأ كثيرا بالإجابة، لأنه يحتفل بإثارة القضايا ومناقشتها، أكثر من اهتمامه بربطها بالعمل.
ولعل ذلك راجع إلى هيمنة نمط من التفلسف الاختزالي، الذي لا يستجيب لكل تطلعات الوعي الإنساني، في امتداداته العقلية والروحية والوجدانية والحسية. ولكن إذا نظرنا في القرآن الكريم، باعتباره كتاباً مؤسساً لنمط من التفكير والتدين والعمل، المتجاوز لقصورات العقل الفلسفي التقليدي، وفي دائرة السؤال بالذات، فإننا نجد السؤال القرآني أوسع مدى؛ حيث يشمل كل أنواع الناس، وأفسح مجالاً؛ بحيث لا يقف عن العقل المجرد، بل يشمل الروح والوجدان والمشاعر والحس، كما أنه يسع مجالي الغيب والشهادة، ويقرن النظر (التساؤل) بالعمل (الجواب).
فالسؤال في القرآن ليس تأسيساً لوعي نظري فقط، ولا فتحاً لطرائق التفكير فحسب، ولا يدور في دائرة الخاصة دون العامة فقط، بل هو سؤال يجعل صاحبه يلتزم أخلاقياً بما يترتب عليه سؤاله من نتائج، ولهذا فإنه سؤال مسؤول كما يقول طه عبد الرحمن، يحمل صاحبه مسؤولية البحث عن الجواب، وليس مجرد إثارة السؤال[2].
بعبارة أخرى، فإن القرآن يعلمنا أن نسأل لنصل إلى الحقيقة، وأن نطرح السؤال ونتدبر إمكانات الجواب، وأن نسأل ونتحمل مسؤولية الإجابة، وأن نسأل لنبني قناعاتنا على الحقيقة، وليس إثارة السؤال ثم المرور دون اكتراث، أو أن نقلد دون أن نعي ونفهم، أو أن نخضع لضغط الحشود، أو ضغط السلطة على تنوعها، أو أوهام قناعات زائفة، أو اتباعاً لما هو رائج.
فمثلا؛ لما اتهم مشركو قريش النبي ﷺ بأنه مجنون، نبههم القرآن أن هذه الدعوى، لم يتم إخضاعها للسؤال، والنظر، والبحث عن جواب مقنع، وأن بطلانها سيتكشّف، قال تعالى: { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا ۚ مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ ۚ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ } [سورة سبأ: 46].
وفي القرآن تساؤلات كثيرة توقظ الوعي والحس والوجدان، وتنهض الفطرة التي يراد لها أن تطمس، وتحرك المشاعر، وتستثير العقل ليفكر ويتدبر ويعقل، وتسائِل العالِم فيما يعلم أو ما ظن أنه منتهى العلم. فانظر مثلا إلى هذه الآيات الكريمات من سورة الطور: { أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَٰذَا ۚ أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ ۚ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ ۖ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْدًا ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ } [سورة الطور: 30-43] .
إن مثل هذه الأسئلة كثيرة في القرآن الكريم، وتتضمن كل أنواع السؤال؛ استفهاماً، واستنكاراً، واستفتاءً، وتحدياً، وتعليماً، الخ. ولكن الملاحظ أنها أسئلة تدفع إلى التفكير، وتفتح للإنسان باب الفهم، والاعتبار، وبناء وعيه، والتحقق من الدعاوى المطروحة، وتعبر به من الظاهرة إلى جوهرها، ومن الآيات إلى خالق الآيات.
كما أنها أسئلة فيها إعمال للعقل، وإيقاظ للوجدان، وحث للمشاعر، وتحفيز للحس، بحيث أن كل قوى الإنسان الادراكية تعمل متكاملة للوصول إلى الحق، وتحصيل الجواب، مستعملاً في ذلك كل الممكنات والعوامل التي تنتقل بالإنسان من السؤال لمجرد السؤال إلى السؤال المسؤول، الذي يجعل الإنسان ينتقل من العبث إلى تحمل مسؤولياته.
ولعل هذا ما جعل أهل العلم يقولون إن هناك أسئلة منهي عنها شرعاً، ليس تعطيلاً لملكة التساؤل، وفطرة السعي للنظر والفهم، وإنما إخراجاً للسؤال من العبث إلى القصدية، ومن الترف إلى الجدية، ومن الهوى إلى تحمل المسؤولية. قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ } [سورة المائدة: 101].
