جاء الإسلام ديناً شاملاً لأحوال الناس في السراء والضراء، والنعماء والبأساء، واليسر والعسر، ولم تخلُ أحكامه من التعرض لذوي الحرج الذين لا يخلو منهم زمان ولا مكان. فقد شاءت الحكمة الإلهية تفاوت الناس في الأبدان والعقول والطباع، كما قال المولى الكريم: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: 32].

والكمّل في الأبدان من الناس كثيرون، وكذلك ذوو الأعذار والحرج، فلا يخلو منهم صُقع ولا عصر، بل هم الآن كُثُر؛ خاصة مع تطور علوم الإحصاء والتطبيب، حيث وصلت بهم الإحصاءات الحالية إلى قرابة 16% من ساكنة الأرض، سواء من ذوي الإعاقات الكبيرة، أو إعاقات الأطفال، أو أصحاب الإعاقات النفسية والعقلية.

وتبعاً لذلك، نشأت علوم متخصصة في العناية بهم، سواء في الطب العام أو الخاص (الحركي، والعقلي، والنفسي)، وتنامت مصحات نفسية وطبية للارتفاع بأمرهم وسد نقصهم، خاصة وأن أعباءهم لا تنوء بذواتهم فقط، إنما بالمحيطين بهم من الرعاة، سواء الأهل أو الدول الحاملة لمسؤولية الضمان والتكافل الاجتماعي.

ولأجل ذلك، صار لتخصصات التربية الخاصة، والإعاقة، والطب التكميلي والحركي، حضور كبير في البحث العلمي. والغاية من هذا الإيجاز إيقاف الباحثين على مصادر البحث في التراث الإسلامي عن هذه الفئة، حيث يمكن أن نصنف المصادر العلمية في مكتبتنا الإسلامية إلى مصادر عامة، وأخرى خاصة متخصصة.

المصادر العامة

  • المدونات التفسيرية: وهي التي عُنيت بالقرآن الكريم، ففيه مادة معتبرة في الكلام عن ذوي الأعذار، والحرج، والزَّمْنَى (العمى، العرج، الصمم، الهرم، السفه، المرض بأنواعه، والمعذرون). ومن ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17]. وقد تناول المفسرون في هذه الآيات شأن ذوي الأعذار، وتعرضوا لقصص الأنبياء في إثبات العصمة لهم، ونفي النقص والمرض المنفِّر عنهم، كما هو الشأن في عَشَى يعقوب، وعمى شعيب، ومرض أيوب، ولثغة موسى، عليهم الصلاة والسلام.
  • المدونات الحديثية: وتحوي مادة ثرية في أحوال وأجور أصحاب الاحتياجات والأعذار، كما هو جلي في شروح “كتاب المرضى والطب” في صحيح البخاري، وكتب أحاديث الأنبياء، وكتب الجهاد والزهد وغيرها، أو في الكتب التي تناولت الطب النبوي ككتب أبي نعيم الأصبهاني، وابن قيم الجوزية، وغيرهم.
  • كتب الفقه والأصول: وهي كتب تناثرت فيها أحكام ذوي الإعاقة الحركية والنفسية في أبواب كثيرة، بدءاً من باب الأهلية في الأصول، وكتب الصلاة وأحوال أدائها من القعود وغيره، ومن تجوز إمامتهم، وأعذار الطهارة، والحمل، والدماء الطبيعية، والصيام، والرخص والعزائم، والنيابة في الحج. وتمتد لتشمل أبواب الجنايات، والميراث، والخنثى، وأحكام المرضى، والجنون، والإغماء، والسحر، والرقية. وكذا أبواب الجهاد والسير، وأصناف من لا يقتلون مثل: المجنون، والأفلج، والمعتوه، والمقعد… إلخ، بالإضافة إلى أحكام الإمامة وشروط الخلافة العظمى وغيرها؛ إذ الفقه قائم على التكليف بما يُطاق. ويلحق بهذا كتب الآداب الشرعية التي عُنيت بكيفيات التعامل مع ذوي الأعذار والعاهات.
  • كتب الطب والأغذية: وهي كتب كثيرة تعرضت لأدواء البطن والعقل، ومنافع الأغذية ومضارها، مثل مصنفات أبي علي بن سينا، وأبي بكر الرازي، وابن النفيس، والزهراوي، وابن رشد، وغيرهم كثير، فضلاً عن بعض كتب الباه المختلفة.
  • كتب التاريخ والمناقب: حوت كتب الطبقات، والتراجم، والمناقب، والفهارس معلومات وفيرة عن بعض الأعلام من ذوي الأعذار الذين قدموا إبداعات للحضارة الإسلامية؛ وذلك في نحو “تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، و”سير أعلام النبلاء” للذهبي، و”تاريخ دمشق” لابن عساكر، وكتب الجرح والتعديل وغيرها التي تناولت حياة المحدثين وما يَعْرِض لهم من العاهات أو النقص الطارئ في الحفظ أو الأداء بآخِرَة. ومن ذلك كتاب ابن الجوزي: “تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التاريخ والسير”، والذي ألحق به في آخره عرضاً مجيداً ومبدعاً للعميان، والحولان، والكواسج، والعرج، والطوال، والقصار، ومن اجتمعت به عاهات من الجيل الأول.
  • كتب الأدب وعلوم التربية: وهي مصنفات مليئة بأخبار الأدباء والشعراء وذوي العاهات منهم. ومنها كتاب “المعارف” لابن قتيبة الذي ختمه بأخبار المكافيف، وكذلك أبو العباس أحمد بن علي بن بانة في كتابه “رأس مال النديم في أشراف العميان”، ويُقال بأن للخطيب البغدادي أيضاً كتاباً في العميان. وتشمل كذلك كتب الوعظ والآداب، مثل كتاب تسلية أهل المصائب للإمام شمس الدين المنبجي (785هـ)، وكتاب ابن رجب الحنبلي (795هـ) المعروف بـ “تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال”، وكتب المواساة والتصبر على الزَّمَن. وهي مصنفات رائدة في الوعظ والإرشاد عرضت للعاهات والمصائب المحيقة ببني الإنسان.

المصادر الخاصة

وهي المصادر التي عُنيت بطوائف أهل الأعذار ممن ابتلوا بفقد بعض حواسهم ونافسوا الكمّل فيها. وهي مصادر متنوعة ومختلفة الأغراض، استقصت ما وصل إليها من أخبارهم، ومن ذلك:

  • الجاحظ أبو عثمان (256هـ): الأديب البليغ صاحب الكتب المفردة في البيان، فله كتاب “البرصان والعرجان والعميان والحولان”، وقد أبدع فيه كعادته؛ إذ عرض لرؤساء وأعيان كُثُر أصيبوا بعاهات ما قعدت بهم عن السيادة والريادة، سواء الجاهليين أو المخضرمين. وقد ألحق به محققه عبد السلام هارون كتاب “العميان الأشراف” للهيثم بن عدي. كما نسب ابن النديم للجاحظ كتاب “ذوي العاهات”.
  • ابن الجوزي (579هـ): المفسر الأديب المحدث، فله كتاب “أخبار الحمقى والمغفلين”، وهو وإن كان كتاباً أدبياً، إلا أنه تضمن الكثير من أخبار ذوي الإعاقة النفسية والعقلية، وبعض مَن رُمي بذلك ولم يكن حقيقاً به. ويضاهيه أيضاً كتابه “أخبار الأذكياء” الذي لم يخلُ من التعرض لذوي العاهات المبدعين النبغاء.
  • ابن المبرد الحنبلي (909هـ): وهو من المؤلفين المُكثرين في مختلف الفنون (قرابة 700 كتاب ورسالة)، ومن كتبه المهمة في موضوعنا: “آداب المرضى”، و”أدوية البهق والبرص”، وكتابه المحقق أخيراً “الضبط والتبيين لذوي العلل والعاهات من المحدثين”، وقد أورد فيه أخباراً مستفيضة ورائعة عن نبغاء الرواة والمحدثين.
  • الصفدي (764هـ): فله كتاب مهم جداً، وهو “نكت الهميان في نكت العميان”، عرض فيه لأزيد من خمسمئة شخصية ابتُليت بالعمى ممن كانت لهم مآثر علمية وذائقة أدبية، وهو كتاب فريد في صياغته وكثرة أخباره.
  • ملا علي القاري الهروي الحنفي (1014هـ): فله كتاب “تسلية الأعمى عن بلية العمى”، ويُسمى أيضاً “طرفة الهميان في تحفة العميان”، وفيه مادة حديثية مهمة عن أجور البلايا والمصائب، وخاصة من فقد الحبيبتين (العينين).

خاتمة ونماذج من التاريخ

في الختام، فإن ذوي الهمم في تاريخنا توزعوا بين علوم عديدة؛ فبعض مشاهير القراء والحُفّاظ كانوا منهم، ويكفي استذكار الإمام “قالون” الأصم، والإمام الشاطبي صاحب الكتب والمنظومات البارعة في القراءات.

ومن المتقدمين، نذكر الإمام عطاء بن أبي رباح المكي، إمام المناسك، والذي كان أسوداً، أعوراً، أفطساً، أشلّاً، أعرجاً، ثم عمي، وقطعت يده مع ابن الزبير، كما ترجم له الذهبي في “سير أعلام النبلاء. وكذلك عبد الله بن يزيد بن هرمز الأصم، شيخ الإمام مالك، الذي قال فيه مالك: “لم يكن أحد بالمدينة – له شرف – إلا إذا حَزَبَهُ أمر رجع إلى ابن هرمز”.

ومن المعاصرين، نستذكر عَرْجَة محمد البشير الإبراهيمي، أمير البيان العربي الحديث. وأما من وُصف بالبصير (الأعمى) فلا يُحصون كثرة، ومن آخرهم الإمام عبد العزيز بن باز، والشيخ عبد الحميد كشك، وغيرهم كثير في ديار الإسلام.

إن ما قدمناه من مصادر عامة أو خاصة قليلٌ في بحر ما كُتب في المكتبة الإسلامية، والتي ينبغي أن ينعطف إليها الباحثون في علاج ذوي الهمم والنهوض بهم، ليكونوا لبنة بناءٍ لا عامل تعويقٍ في مجتمعاتنا المعاصرة.