جاءت هذه الفئة في المرتبة الثانية من رسالة “أيها الولد” ، وقد اهتم الغزالي فيها بتحديد مكانه (العلم / المربي) وأهم وظائفه وصفاته التي يجب أن يكون عليها حتى يكون مؤهلا لهذه المكانة وتلك الصفات وجاء عرضها كما يلي :

مكانة المربي ووظيفته

يشير ـ الغزالي ـ إلى مكانة المربي في كلمات قليلة موجزة فيقول ” … وشرط الشيخ الذي يصلح ـ أن يكون نائبا لرسول الله … ، فالمربي عند الغزالي يقوم مقام النبي ويتضح ذلك أكثر من الوظيفتين اللتين أكد عليهما الغزالي باعتبارها أولى أولوياته : أحدهما التربية العقدية ، فيذكر ذلك بقوله ” ولا بد للسالك من شيخ يؤدبه ويرشده إلى سبيل الله تعالى ، لأن الله أرسل للعباد رسولاً للإرشاد إلى سبيله ، فإذا ارتحل ـ ـ فقد خلف الخلفاء في مكانه حتى يرشدوا إلى الله تعالى ”  والثانية التربية الخلقية ، فيقول الغزالي ـ لمتعلمه ـ ” فاعلم أنه ينبغي للسالك شيخ مرشد مربي ليخرج الأخلاق السيئة منه بتربيته ويجعل مكانها خلقا حسنا ” .

بدأت هذه المكانة التي يصورها لنا التراث الإسلامي وأدبيات التربية الحديثة في التدهور على مستويين :

أ ـ المستوى الأدبي والمعنوي : وتمثل ذلك في السخرية التي يصور عليها حال المعلم في وسائل الإعلام بدءاً من نجيب الريحاني : أستاذ حمام ” إلى عادل إمام : مدرسة المشاغبين ” . مما كان له كبير الأثر في ترسيخ معاني السخرية والاستهزاء بالمعلم ـ ومن ثم بالعلم ـ في نفوس كثير من الأفلام والمواد التليفزيونية نجد التأكد ـ شبه الدائم ـ على تدني هذه المكانة والتي وصلت في السنوات الأخيرة إلى أقصى درجات الانهيار نتيجة لأسباب مختلفة كان منها الإعلام .

ب ـ المستوى المادي : ارتبط تدني المستوى المادي بتدني المستوى المعنوي والاجتماعي للمعلم ، بالرغم من الدور الذي يناط بالمعلمين في بناء المجتمع وعليهم يعول المجتمع لإعداد النشء إعدادا عقدياً وخلقياً وعلمياً ، إلا أننا نجد أن الواقع لا يصدق على هذه الحقيقة ، لذلك بحث لمعلم عن أعمال إضافية بعد العمل المدرسي ـ وأثناءه ـ سواء ارتبطت هذه الأعمال بمهنته ( الدروس الخصوصية ) أو غيرها من الأعمال التي لها أصحابها من غير المعلمين … في المقابل نجد ارتفاع المستويات المادية لفئات ليست لها رسالة مثل رسالة المعلم مثل فئات ” الرياضيين ” ، ” والمتفننين والمتفننات ” .

لذلك فإن الدراسات والأبحاث التربوية الحديثة تؤكد على ضرورة الاهتمام الجاد برفع المستوى المادي للمعلم وتوفير الحوافز ــ الاجتماعية والمادية الباعثة على مزيد من العمل والإبداع “[1] .

 شروط المربي وصفاته 

إذا كان ـ الغزالي ـ في رسالته يؤكد أن عمل العالم / المربي ووظيفته تماثل عمل ووظيفة الرسول ـ ـ ، فيجب ـ إذن ـ أن يتحلى المربي بصفاته ، لذلك كانت أهم شروط وصفات العالم / المربي ـ التي ذكرها الغزالي ـ كما يلي :

أ . حسن الخلق والمجاهدة :

وصفات المربي الناجح ” … من يعرض عن حب الدنيا الجاه ، وكان قد تابع لشخص بصير بتسلسل متابعته إلى سيد المرسلين ـ ـ وكان محسناً رياضة نفسه من قلة الأكل والقول والنوم ، وكثرة الصلوات والصدقة والصوم ، وكان بمتابعة الشيخ البصير جاعلاً محاسن الأخلاق له سيره كالصبر والصلاة والشكر والتوكل واليقين والقناعة وطمأنينة النفس والحلم والتواضع والعلم والصدق والحياء والوفاء والوقار والسكون والتأني وأمثالها ، فهو إذن ـ نور من أنوار النبي ـ ـ يصلح للاقتداء به ” .

ب. الزهد :

يضع الغزالي أصلا مهما من أصول بناء شخصية العالم / المربي ـ التي ، وهو عدم الركون والالتفات إلى الدنيا أو ما يرتبط بها من الأعراض الزائلة فذلك ليس من صفات الرسل والأنبياء الذين يحل محلهم العلماء ، لذلك يوصى ـ متعلمه ـ قائلاً ” … لا تجمع من الدنيا أكثر من كفاية سنة ” .

ومن المؤسف ـ حقاً ـ ما يوجد على ساحة العلماء والمربين في العصر الحديث إذا نجد ـ في كثير منهم ـ التهافت على متاع الدنيا والركوض خلف مغريات والوضع كما يصفه أحد الباحثين “أن كثيراً من علماء ـ العصر الحديث ـ تراهم يتسابقون في تولى المناصب والظفر بها، ويتنافسون لأجلها ويستميتون في الحصول عليها. ثم إذا نالوا مطلوبهم، وظفروا بما سعوا إليه من مناصب فإن القليل هو الذي يقوم بحقها ويؤدي أمانته فيها على أكمل وجه “.

ولعل الضعف الخلقي السائد في كثير من أوساط العلماء والمربين يرجع إلى حالة الضعف الخلقي العام السائد في المجتمع المسلم، بالرغم من الدور الذي يناط بهم من أجل تصحيح الأوضاع المغلوطة وتعد من أوليات وظيفتهم داخل المجتمع. ومن ثم تحول العلم إلى وسيلة لتحقيق غايات ومنافع شخصية وفردية مما أفقد العلماء دورهم الحقيقي كقادة تغيير وإصلاح داخل المجتمع وترتب عليه أن النظرة للعلم أصبحت “مجرد شهادات” يحصل عليها المتعلم، فاعتقاد الإخلاص عند العلماء قد عمق آثار التخلف في مجتمعنا لسنوات طويلة قادمة.

وهذا يدعو إلى ضرورة تبني الدعوة التي ترى أن الدولة يجب أن توفر الرعاية الكاملة لكافة العلماء والمربين، حتى لا يعتمد هؤلاء على إنتاجهم العلمي كمورد للرزق لأن ذلك سوف يؤدي إلى تسخير ذلك الإنتاج وفقا لتحقيق أكبر قدر من الدخل والسعي نحو تحقيق المكانة التي يرى فيها أنها تساعد على ذلك ، … فتأمين حياة العلماء والمربين مادياً ومعنوياً إنما يكفل تحقيق الانضباط للعالم والمربي بما يجعل من عقله أداة عمل خالقة لما ينبغي أن يكون كما أن الانضباط يتعلق أيضاً بالقدرة على ضبط الذات وأهوائها .

 ج. تجنب هيمنة الأمراء والسلاطين :

يوصي الغزالي الطالب / المعلم بالبعد عن هيمنة الأمراء والسلاطين، فيقول له ما يجب أن يدعه ويتجنبه:

“والثالث مما تدع أن لا تخالط الأمراء والسلاطين، ولا تراهم لأن رؤيتهم ومجالستهم ومخالطتهم آفة عظيمة، ولو ابتليت بها دع عنك مدحهم وثناءهم لأن الله تعالى يغضب إذا مدح الفاسق والظالم ، ومن دعا بطول بقائهم فقد أحب أن يعصى الله ”  ثم يذكر ـ أيضاً ـ قوله : ” … ولا تقبل شيئا من عطاء الأمراء وهدايا هم، وإن علمت أنها من الخلال لأن الطمع منهم يفسد الدين وأقل مضرته أنك إذا قبلت عطاياهم وانتفعت من دنياهم أحببتهم ومن أحب أحداً يحب طول عمره وبقائه بالضرورة وفي محبته بقاء الظالم إرادة في الظلم على عبادة الله تعالى وإرادة خراب العالم، فأي شيء يكون أصر من هذا الدين والعاقبة ”  .

يشير الغزالي ـ هنا ـ إلى فائدة مهمة للبحث العلمي المعاصر ـ (مؤسسات وعلماء ) ـ وهي ضرورة تجنب الهيمنة السياسية على البحث العلمي والعلماء لأن في هذا مضرة كبيرة تخل بتحقيق الموضوعية التي هي أهم سمات البحث العلمي، وتزداد أهمية هذه الفائدة في الواقع العلمي والثقافي العربي المعاصر الذي لم ينج من هذه الهيمنة السياسية في مقابل تقديم الإغراءات المختلفة لفئة من العلماء والمفكرين مما أضر كثيراً بالبحث العلمي ودراساته ونتائجه ، هذه الفئة التي يسميها بعض المفكرين “وعاء السلطان “، تسخر معرفتها وإمكانيتها العلمية لخدمة السلطان، وتؤطر لأيديولوجيته أو سياسته وترسخ مفاهيمه، وتشرف على تنفيذ خططه وتحاول إضفاء الشرعية على نظامه وهدفها الرئيسي كسب رضاء السلطان ورجال دولته البارزين تأتمر بأوامرهم وتبرر نواهيهم . وتسعى هذه الفئة بكل جهودها وبشتى الطرق إلى المحافظة على النظام القائم مهما كان نوعه ، لأن مكانتها الاجتماعية، ومكاسبها الاقتصادية.

“ويتنافس هؤلاء إلى إسماع السلطان ما يحب لا ما يجب أن يسمع . ولا يتورع بعضهم ، في سبيل التقرب إلى السلطان، عن تشويه سمعة بعض زملائه لديه … وتحول هذا النوع من المثقفين إلى ناطقين رسميين باسم السلطة الحاكمة، ومدافعين عنها بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة بمجرد حصولهم على مراكز عليا في الدولة، حتى ولو تحول النظام إلى وسيلة قهر وظلم للجماهير وفقد مصداقيته وشرعية وجوده..”[2].

ومن ناحية أخرى ” فالأنظمة السياسية العربية تنتظر من الفئة المثقفة وغير المثقفة ألا تكشف عن نقائص أي توجه سياسي مخلوط لا يتفق والمصلحة العليا للوطن ومن ثم ترفض هذه الأنظمة أن يكون للنخبة المثقفة دور فعال في التوعية المجتمعية وتميل الأجهزة الرسمية إلى الدعاية للأنظمة وتبرير وتمجيد ما تقوم به على كافة الأصعدة … “[3] .

وقد أدت سيطرة النظام السياسي وهيمنته على الإمكانيات للبحث العلمي إلى انقسام العلماء والمفكرين قسمين :

الأول: فئة وعاظ السلطان ـ التي أشرنا إليها ـ وهي فئة تم احتواؤها وترويضها واقتصرت وظيفتها في الدعاية للنظام وتبرير أعماله وتنظيراً لخططه وبرامجه وتمجيداً لحسناته وسيئاته على السواء.

الثاني: فئة المهاجرين من العلماء والمفكرين العرب إلى الدول الغربية حيث الرعاية المادية والاستقلالية البحثية وتوفر الموضوعية والحرية .

وقد بات واضحاً أن دعامات التقدم في كثير من الدول المتقدمة قد ارتكزت على العلماء المهاجرين إلى تلك الدول، “والدليل على ذلك أن أكثر من ربع مليون اختصاصي من ذوى الكفاءات العالمية من المهاجرين من الدول النامية قد استقروا خلال الربع الثالث من هذا القرن في أمريكا ، ونتيجة لذلك وفرت هذه الدولة مبلغ 12.7 بليون دولار خلال تلك الفترة … وقد نتج عن هذه الهجرة الكبيرة من الوطن العربي واستقرارها فترة طويلة في دول الصناعة أن الإنتاج العلمي للعلماء العرب في خارج الأقطار العربية أكثر منه في داخلها “[4] .

فالرعاية المادية والاستقلالية المالية للبحث العلمي تؤثر تأثيراً إيجابياً في مدى تقدمه وزيادة فعالية، ومثال ذلك واضحاً في نسبة العلماء في مجال البحوث والتطوير في مصر والتي بلغت عام 1995 إلى 458 عالم لكل مليون شخص بينما وصلت في إسرائيل ـ في نفس العام ـ 4826 عالم “[5] ، وهو مردود للإنفاق المادي على التعليم عام 1995 إلى 2.6% من الناتج القومي الإجمالي أما في إسرائيل فقد وصل في نفس العام إلى 6.6% من الناتج القومي الإجمالي “[6] ، ـ مع مراعاة تعداد السكان الذي يكون لصالح مصر، والناتج القومي الإجمالي الذي يكون لصالح إسرائيل.

ومن ثم فإن الاستقلال المالي للعلماء وتقديم الرعاية المادية للبحث العلمي من شأنه أن يقضي على ظاهرة العقول، كما أن الحرية للعلماء والموضوعية كمنهج ــ للتعامل مع العلماء من شأنهما أن يقصيان على فئة وعاظ السلطان ، وكلا منهما يؤدي في النهاية إلى استقرار البحث العلمي في البلاد العربية ونقل المجتمع العربي من حالة التخلف إلى حالة التقدم المنشود .


[1] على الحوات : ” التعليم العالي في الوطن العربي , الفكر العربي , بيروت , السنة العشرون , صيف 1999م , العدد 98 , ص (108) .

[2] أحمد سالم الأحمر : مرجع سابق , ص (72) .

[3] أحمد سالم الأحمر : المثقف العربي … واقعة ودوره , الواحدة , الرباط , تصدر عن المجلس القومي للثقافة العربية , السنة السادسة , العدد 66 مارس 1990م , ص (62) .

[4] عبد السلام الفلالي : ” الدراسات العليا في الوطن العربي وهجرة العقول العربية ” , الفكر العربي , بيروت , العدد 97 , السنة العشرون , صيف 1999م , ص (119) .

[5] البنك الدولي : تقرير التنمية في العالم , المعرفة طريق إلى التنمية , 98 , 1999م , القاهرة , مركز الأهرام للترجمة والنشر , ص (226) .

[6] المرجع السابق : ص (200).