على طاولة التشريح يعرف الطبيبُ كلَّ شيءٍ عن الجسد إلا الشيء الذي كان يطلبه: الحياة. فالمبضع الذي يكشف العضو يُسكِت صاحبه، والمعرفةُ التي تأتي بالتقطيع تربح التفصيل وتخسر الروح. وتلك، في ظنّي، صورةٌ مصغّرةٌ لمأزق عقلنا المعاصر. لقد أتقنّا تشريح الجسد — أي المبنى — وعجزنا عن معرفة الروح — أي المعنى.

لم يكن التشريحُ يومًا خطأً في ذاته؛ فالمبضع أداةُ كلِّ علمٍ دقيق، وبه تقدّمت المعرفةُ وانتُزعت الخرافة. لكنّ الخطأ أن يتحوّل من أداةٍ إلى رؤيةٍ للعالم. فقد ساد منطقُ الاختزال حتى صار الشيءُ مجموعَ أجزائه لا أكثر، وتقطّعت العلومُ إلى تخصّصاتٍ يجهل بعضُها بعضًا، وطغى المقيسُ حتى أمسى ما لا يُقاس كأنه لا وجود له، وتُوِّج الرقمُ معيارًا وحيدًا للحقيقة. وهكذا كسبنا الدقّةَ وخسِرنا المعنى، وصرنا نعرف كيف تعمل الأشياء دون أن ندري لماذا تكون.

انظر إلى لغتنا: نُحكِم نحوها وصرفها، ونُخرّج من يُعرب البيت بلا خطأ، حتى صار تعليمُ العربية أشبه بتشريح جثّةٍ جميلة. أتقنّا جسدها النحويّ، وغابت عنّا روحها التي بها تصير الكلمةُ حيّةً تحمل أمّةً وتنقل حضارة، لا قاعدةً ميتةً تُحفظ للامتحان ثم تُنسى. وكيف يحمل المعنى لسانٌ لم نعد نسكنه، بل نزوره زيارةَ الغريب للمُتحف؟ فأزمة العربية في حقيقتها ليست في مبناها، بل في انقطاعنا عن معناها.

وانظر إلى علومنا الشرعية: حفظنا الفروعَ وفصّلنا المسائل ورتّبنا الخلاف، حتى صار بعضُنا خزانةَ أحكامٍ متنقّلة. لكنّ مقاصد الشريعة وروحها — حفظَ النفس والعقل والعمران، وإقامةَ العدل والرحمة — كثيرًا ما تغيب خلف حرفية النصّ. فنُتقن مبنى الحكم ونغفل معناه، ونحرس القشرةَ بينما يتسرّب اللُّباب من بين أصابعنا. وما الفقهُ في أصله إلا فهمٌ، فإذا غاب الفهمُ بقي الحفظُ وحده، وهو جسدٌ بلا روح.

بل انظر إلى تنميتنا: نحصي أرقام النموّ ونباهي بمؤشّرات الناتج، ونملك أجساد المدن وأبراجها الشاهقة، لكنّا نسأل قليلًا عن الغاية: تنميةٌ لماذا؟ ولأيّ إنسانٍ تُبنى؟ فحين يصير الرقمُ هو الغاية لا الدليلَ عليها، نشيّد جسدًا ضخمًا لا روحاً تسكنه. والإنسانُ غايةُ العمران لا وقودُه، والمعنى روحُ التنمية لا زينتها؛ والتنمية الحقّة هي التي تجمع الكفايةَ الاقتصادية إلى الغاية الأخلاقية، لا التي تكتفي بإحصاء الأولى.

ولم يكن هذا حال من سبقنا. فقد زاوج تراثُنا بين الجسد والروح، وبين الحرف ومقصده، وبين الوسيلة وغايتها: كان الفقيهُ حكيمًا يرى ما وراء الحكم، واللغويُّ مفكّرًا يرى ما وراء اللفظ، والبنّاءُ مؤمنًا أن للحجر معنىً يُرتجى. ثم استوردنا المبضعَ وحده، مجرّدًا من اليد التي تعرف لماذا تشرّح، فأتقنّا التقطيع وفقدنا التركيب، وملكنا علومًا كثيرةً وافتقرنا إلى حكمةٍ تجمعها. هكذا وَرِثنا الأدواتِ وقُطعنا عن الغايات، فصرنا أبرعَ في الجزء وأعجزَ عن الكلّ.

وليست الدعوة هنا إلى هجر المبضع والاكتفاء بالتأمّل؛ فذلك انتكاسةٌ إلى الجهل باسم الروح، وما أكثرَ من يتزيّن بالمعنى وهو خاوٍ من العلم. بل هي دعوةٌ إلى أن نشرّح لنفهم لا لنقطّع، وأن نُتبع كلَّ تحليلٍ سؤالًا أكبر منه: ما الروح؟ وما الغاية؟ إنها دعوةٌ إلى عقلٍ يجمع دقّةَ المشرّح إلى بصيرة الحكيم. فالعلمُ الذي يعرف كيف يعمل الشيءُ دون أن يدري لماذا يكون، علمٌ نصفُه حيٌّ ونصفُه على الطاولة؛ ولن نُتمّ معرفتنا حتى نعيد للجسد روحه، وللمبنى معناه.