فرائد تفسير الآيات 155-157 من سورة البقرة في التحرير والتنوير

في تفسيره للآية ١٥٥ من سورة البقرة {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ}؛ ربط الإمام ابن عاشور بينها وبين قوله تعالى {ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ} في الآية ١٥٣، مبينًا أنها معطوفة عليها “عَطْفَ المقصد على المقدمة” وجوز أن تكون معطوفة على قوله تعالى: {وَلِأُتِمَّ نِعۡمَتِي عَلَيۡكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} في الآية ١٥٠ “ليُعلم المسلمين أن تمام النعمة ومنزلة الكرامة عند الله لا يحول بينهم وبين لحاق المصائب الدنيوية المرتبطة بأسبابها، وأن تلك المصائب مظهر لثباتهم على الإيمان ومحبة الله تعالى والتسليم لقضائه فينالون بذلك بهجة نفوسهم بما أصابهم في مرضاة الله ويزدادون به رفعة وزكاء، ويزدادون يقيناً بأن اتِّباعهم لهذا الدين لم يكن لنوال حُظوظ في الدنيا، وينجر لهم من ذلك ثواب“.

دلالة كلمة ((شيءٍ)) في قوله تعالى {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ}

ثم بين أن كلمة ((شيءٍ)) في قوله تعالى {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ} جيء بها “تهويناً للخبر المفجع، وإشارة إلى الفرق بين هذا الابتلاء وبين الجوع والخوف اللذين سلطهما الله على بعض الأمم عقوبة”، كما في قوله: {وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ} [النحل: 112]، ودقق في الفرق بين أسلوب الآيتين، فقال: “ولذلك جاء هنا بكلمة ((شيءٍ)) وجاء هنالك بما يدل على الملابسة والتمكن، وهو أن استعار لها اللباس الملازم للاَّبس؛ لأن كلمة ((شيء)) من أسماء الأجناس العالية العامَّة، فإذا أضيفت إلى اسم جنس أو بينت به علم أن المتكلم ما زاد كلمة ((شيء)) قبل اسم ذلك الجنس إلاّ لقصد التقليل؛ لأن الاقتصار على اسم الجنس الذي ذكره المتكلم بعدها لو شاء المتكلم لأغنى غَناءَها، فما ذكر كلمة شيء إلاّ والقصد أن يدل على أن تنكير اسم الجنس ليس للتعظيم ولا للتنويع، فبقي له الدلالة على التحقير”.

دلالة تذييل الآية: {وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ}

ثم ربط ابن عاشور بين تذييل الآية: {وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ} وبين صدرها، فقال إنها: “معطوفة على {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم}”، وبيّن أن “الخطاب للرسول – عليه السلام – بمناسبة أنه ممن شمله قوله: {وَلَنَبۡلُوَنَّكُم}…”. ثم تعمق في دلالة هذا الخطاب فقال: “وأفيد مضمون الجملة الذي هو حصول الصلوات والرحمة والهدى للصابرين بطريقة التبشير على لسان الرسول تكريماً لشأنه، وزيادة في تعلق المؤمنين به بحيث تحصل خيراتهم بواسطته، فلذلك كان من لطائف القرآن إسنادُ البلوى إلى الله بدون واسطة الرسول، وإسنادُ البِشارة بالخير الآتي من قِبَل الله إلى الرسول”.

وصف الصابرين في القرآن الكريم

ثم انتقل إلى بيان دلالة وصف الصابرين في الآية اللاحقة فقال: “ووصفُ الصابرين بأنهم: {ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ}؛ لإفادة أن صبرهم أكمل الصبر إذ هو صبر مقترن ببصيرة في أمر الله تعالى، إذ يعلمون عند المصيبة أنهم مِلْك لله تعالى يتصرف فيهم كيف يشاء فلا يجزعون مما يأتيهم، ويعلمون أنهم صائرون إليه فيثيبهم على ذلك”، وبين أن المراد من القول هنا “القولُ المطابق للاعتقاد إذ الكلام إنما وُضع للصدق، وإنما يكون ذلك القول معتبرًا إذا كان تعبيرًا عما في الضمير، فليس لمن قال هاته الكلمات بدون اعتقاد لها فضل، وإنما هو كالذي ينعق بما لا يَسْمَع”. ثم بين الحكمة من تعليم الله هذه الكلمة الجامعة للمؤمنين، فقال: “لتكون شعارهم عند المصيبة؛ لأن الاعتقاد يقوى بالتصريح، لأن استحضار النفس للمدرَكات المعنوية ضعيف يحتاج إلى التقوية بشيء من الحِسّ، ولأن في تصريحهم بذلك إعلانًا لهذا الاعتقاد وتعليمًا له للناس”.

جزاء الصبر ودلالة {وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ}

وبعد أن فسّر جزاء صبرهم في الآية التالية: {أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞ}، ختمه بدلالة تذييل الآية {وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ}، فقال إنها “بيان لفضيلة صفتهم إذا اهتدوا لِمَا هو حقُّ كل عبْد عارف، فلم تزعجهم المصائب ولم تكن لهم حاجباً عن التحقق في مقام الصبر؛ لعلمهم أن الحياة لا تخلو من الأكدار، وأما الذين لم يهتدوا فهم يجعلون المصائب سببًا في اعتراضهم على الله أو كفرهم به أو قول ما لا يليق أو شكهم في صحة ما هم عليه من الإسلام، يقولون لو كان هذا هو الدين المرضيَّ للَّه لما لَحِقَنا عذاب ومصيبة، وهذا شأن أهل الضلال الذين حذَّرنا الله أمْرَهم بقوله: {وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُۥٓۗ} [الأعراف: 131] وقال في المنافقين: {وَإِن تُصِبۡهُمۡ سَيِّئَةٞ يَقُولُواْ هَٰذِهِۦ مِنۡ عِندِكَۚ} [النساء:78]، والقول الفصل أن جزاء الأعمال يظهر في الآخرة، وأما مصائب الدنيا فمسببة عن أسباب دنيوية، تعرض لعروض سببها، وقد يجعل الله سبب المصيبة عقوبة لعبده في الدنيا على سوء أدب أو نحوه للتخفيف عنه من عذاب الآخرة، وقد تكون لرفع درجات النفس، ولها أحوال ودقائق لا يعلمها إلاّ الله تعالى، وقد يطلع عليها العبد إذا راقب نفسه وحاسبها، ولله تعالى في الحالين لُطف ونكاية يظهر أثر أحدهما للعارفين”.