يقول أحد الصالحين: “لقد قرأت سورة العصر لعشرين سنة خلت، ولم أفهم معناها بشكل كافٍ ودقيق، إذ يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (سورة العصر: الآيات 1-3). فقد كنت أفكر: كيف يكون الأصل في الإنسان الخسران، والله يؤكده بكلامه المصدّق؟ ثم يستثني الناجين من الخسران بصفات أربع، وهي: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر؛ إلى أن سمعت يومًا بائع ثلج ينادي على بضاعته مستعطفًا الناس فيقول: (ارحموا من يذوب رأس ماله!)؛ لأن الثلج ماء متجمد، وقطرات الماء التي تسقط منه لن تعود مرة أخرى”.

وهنا فهمت معنى القسم في سورة العصر؛ أن رأس مالك في الدنيا هو عمرك، واللحظة التي تمر من عمرك لن تعود ثانية. “ارحموا من يذوب رأس ماله”… لم تكن جملة أدبية مصنوعة، ولا حكمة فلسفية متكلفة، بل نداء صادق لبائع ثلج في السوق. كان الرجل يدرك بحسه البسيط أن بضاعته إن لم تُبع في وقتها ذابت، وإذا ذابت ضاع رأس المال كله. قالها ليستدرّ عطف الناس، لكنها خرجت – من حيث لا يدري – توقظ الضمائر، وتضع أيدينا على حقيقة نغفل عنها طويلًا.

في تلك الصرخة البسيطة تختبئ حكمة كبيرة؛ فهناك أشياء في الحياة إن لم تُستثمر في وقتها فُقدت إلى الأبد. الثلج يذوب أمام العيون، والعمر يذوب كذلك، لكن الفرق أن ذوبان العمر لا يُرى، ولا يُسمع له صوت، حتى نفاجأ بأنه قد انقضى.

العمر يشبه الثلج

العمر يذوب في صمت، دقيقة بعد أخرى، دون صوت إنذار أو علامة توقف. كل لحظة تمر لا يمكن استعادتها، وكل ساعة تمضي تقتطع جزءًا من رأس مال الإنسان الحقيقي، دون أن يشعر. نحن لا نحسّ بهذه الخسارة لأن الذوبان بطيء، ولأن الأيام تمر متشابهة، لكن نتيجته حتمية. وما لم ينتبه الإنسان إلى هذه الحقيقة مبكرًا، فسيكتشفها حين لا يبقى في اليد ما يمكن تعويضه.

رأس مال لا يقبل التعويض

العمر ليس رقمًا في شهادة الميلاد، بل رصيد يتناقص بصمت. المال قد يُعوّض، والصحة قد تُستعاد جزئيًا، أما العمر فإذا ذهب فلا رجعة له. ومن هنا جاءت أهمية التذكير بقيمة الوقت، لأنه إذا ذهب فلن يعود. ولذلك قال النبي في الحديث الذي رواه البخاري«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ». فالصحة تمكّن الإنسان من العمل، والفراغ هو الوقت الذي يمكن أن يُستثمر في الطاعة والذكر والعلم. لكن كثيرين يضيّعون هذه النعم في اللهو، والحديث، والضياع، دون أن يشعروا بأنهم يخسرون رأس مالهم الحقيقي.

صورة لسوق قديم مع ساعة رملية كبيرة، حيث تظهر كتل ثلجية في الداخل. في الخلفية، يمر الناس بين المحلات، مع لافتة مكتوبة بالعربية تدعو للرحمة. الأجواء تعكس الحياة اليومية في منطقة تاريخية.

نحن أشد غبنًا من بائع الثلج

بائع الثلج كان يرى رأس ماله يذوب أمام عينيه، فسعى لإنقاذه. أما كثير منا، فتذوب أعمارنا أمام الشاشات، وفي الغفلة، والانشغال بما لا ينفع. نؤجل الانتباه، ونؤجل التغيير، ونظن أن الوقت في صالحنا، بينما الحقيقة أن الوقت يمرّ بنا ولا ينتظر أحدًا. نحن لا نفكر في أن العمر يمضي كقطرة ماء تنزل من الثلج، ثم تختفي دون أثر. وبينما نعيش في وهم أننا ما زلنا نملك العمر، يظل العمر يملكنا ويأخذ منا ما لا نعلم.

نحن نبيع أعمارنا

قال النبي كما ورد في صحيح مسلم«كل الناس يغدو، فبائع نفسه؛ فمعتقها أو موبقها». نحن نبيع أعمارنا كل يوم، ولا خيار لنا في البيع، لكن الفرق كله في الثمن؛ فمن الناس من يبيع عمره بما يعتقه، ومنهم من يبيعه بما يوبقه ويهلكه. فالسؤال هنا ليس: هل يمضي العمر؟ بل بماذا تبيعه؟ هل تبيعه في طاعة، وذكر، وعلم، وخدمة، وإصلاح، أم تبيعه في اللهو، والفراغ، والانشغال بما لا يفيد؟

وصية تختصر الطريق

قال النبي لعبد الله بن عمر رضي الله عنهما، في الحديث الذي أخرجه البخاري: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل». هذه الوصية تختصر فلسفة التعامل مع الوقت. وكان ابن عمر يقول بعدها: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء”.

قبل أن يذوب كل شيء

سيقف الإنسان يومًا بين يدي الله ليسأل عن عمره: فيما أفناه؟ قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون: الآية 115)؛ فالوقت أمانة، والعمر مسؤولية، ولا مهرب من الحساب مهما طال الأمل.

العمر هو البضاعة، وهو رأس المال، وهو الفرصة الوحيدة التي لا تتكرر. وكل لحظة تمر دون ذكرٍ أو طاعة أو عمل نافع، هي ذوبان جديد لهذا الرأس مال. فانتبه قبل أن يذوب كله، وقبل أن يصبح النداء: “ارحموا من يذوب رأس ماله”… نداءً بلا مجيب.