الإحرام في المصطلح الفقهي هو نية الدخول في نسك الحج أو العُمرة، وهذا له شروطه وآدابه وهي مبثوثة في كتب الفقه الإسلامي، والذي يعنينا في المقام هو البحث عن أسرار الإحرام ودلالاته، ويمكن استنباط الأسرار والدلالات الآتية:
أولا: التحوُّل
التحول جزء من وجود الإنسان، وهو الفارق الأساسي بين المخلوق والخالق، وهذا التحول هو سنة الله في مخلوقاته من جماد ونبات وحيوان، وهو الدليل الأكبر على ضعف هذا الإنسان وعجزه، فالثبات ليس من صفاته، إذ لم يكن هذا الإنسان موجوداً ثم كان ثم أصبح يتحول في العمر لحظة بلحظة إلى أن يودع هذه الحياة، والتحول لايقتصر على العمر، فهناك تحول في الصحة من صحة إلى مرض، ومن مرض إلى صحة ، وتحول في الشكل علامات الشيب، وتحول في المشاعر : حزن وفرح، رضى وغضب… ، والإحرام يمثل الخطة العملية في التحول إلى الله تعالى، فعندما يقول لبيك اللهم حجًا أو لبيك اللهم عمرةً، فقد تحول العزم الداخلي إلى فعلٍ خارجي هو التحول. وهناك تحولان : تحول إجباري يخضع له الإنسان وهو ما يجري عليه مما لا سبيل لدفعه ويكون مضطرا إليه ومن أبرز مظاهر عمره، وهناك تحول اختياري، وهو تحول الإنسان من معصية إلى طاعة ، ومن طاعة إلى معصية ، ومن طاعة إلى ازدياد في الطاعة، ومن معصية إلى انغماس في المعصية.
ومن هذا المنطلق يُعد الإحرام تحولا إراديا نحو طاعة الله تعالى ومرضاته، فهو بلبسه هذا اللباس الأبيض بالنسبة للرجل هو بداية هزة عنيفة ومفارقة في التحول تهز كيان الإنسان، فالتحول ليس ألفاظا فقط (نية النسك لبيك اللهم حجًا أو عمرةً) بل هو عمل حقيقي دفعه على أن يتجرد من ثيابه للدلالة على الانطلاقة في هذا التحول نحو مرضاة الله تعالى.
ثانيا: التجرد
التجرد واضح في الحجن فنية النسك بقولك(لبيك اللهم حجًا أو عمرة) هو تجرد في أعلى معانيه، هو تجرد عن الأغيار والأحوال والأشخاص، فالمحرم يتعلق بالله تعالى ويرجو رضاه وقبول نسكه، وهو بذلك يشعر داخليا بالتجرد عن كل قريب وعن كل مال، وعن كل جاه وسلطان… ، فلم تظهر عليه الفوارق بينه وبين غيره، وهو يتجرد من كل الشهوات الظاهرية كالطيب والنساء، والمرأة مثل ذلك، ومن خلال هذا التجرد الظاهري يسعى ليتجرد من كل الأمراض الداخلية ومن أبرزها التكبر، وهو بهذا التجرد يقترب من غيره ويتجرد من الأنا الساكنة فيه، فهو يتجرد من كل القيود التي هي مظاهر يُصنّف الناس وفْقها بين غني وفقير وبين حاكم ومحكوم، والغريب في هذا التجرد أنه كلما تجرد الإنسان من هذه العوائق والفروق الدنيوية ومن الأمراض القلبية هو يتجه إلى الله تعالى ليستره من أمراضه وعلله، وليلبسه لباسا جديدا بين الناس هو اقترابهم منه ومحبتهم له، فهو بهذا التجرد يصنع الستر لنفسه، وهو بهذا التجرد من المظاهر تتوحد الدواخل والألسنة والقلوب
ثالثا: التّوحُّد
مظهر الإحرام هو أبرز مظهر من مظاهر التوحد بين المسلمين، فالكل من الرجال يلبس قطعتين لا ثالثا لهما، فقد ذابت كل الفروق الدنيوية التي تفرق بين الناس، ومن أبرز مظاهر الفروق هو المال، والمال لاوجود له هنا، فهو مضطر للمشي كغيره، وهو مضطر للبس قطعتين وهو مضطر أن يبتعد عن كل ما يخل بالإحرام من محظورات، وبذلك تُزال كل الفروق التي تؤثر في وحدة الأمة، ويتعزز هذا التوحد برؤية المسلم الصيني والأمريكي والأسترالي… وبرؤية المسلم البيض والأسود والأشقر… وبسماع لغات لايفهمها لكنه يفهم أن أصحابها مسلمون يريدون التحول مثله ، وتجردوا عن كل العوائق كما تجرد هو … وعندها وعندها يتذكر الحاج نداء الله الخالد ﴿وَإِنَّ هَٰذِهِۦٓ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢﴾ [المؤمنون: 52] فالتوحد هو توحد قلبي وهو توحد بالمشاعر، توحد باللباس وتوحد بالغاية ولم تعد الفروق الدنيوية مؤثرة، وعندها تظهر روح الجماعة، وتتعزز الوحدة، ويتذكر الناس إخوانهم المظلومين، او إخوانهم الذين حبسهم العذر من مرض أو فقر… فتلهج ألسنتهم بالدعاء لهؤلاء.
رابعا: التخفُّف
يولد المرء على الفطرة كقطعة القماش البيضاء التي يلبسها المحرم، يولد خفيفا بعيدا عن أثقال الدنيا ومعاصيها، ثم تتراكم عليه الخطايا والذنوب حتى تثقل كاهله، انطلاقا من لبس الإحرام فهو يتخفف من اثقاله، هو يتخفف من الحواجز التي صنعت الفروق بين الناس ومن ابرزها اللباس، فهو يتخفف منها فالكل يلبس لباسا واحدا، وبذلك يتخفف من هذه الحواجز، ويتخفف من المال فلو كان المال يغنيه للبس غير هذا اللباس الذي لا يدري متى تنكشفُ معه عورتُه، كما أن هذا اللباس هو القرب إلى الخشونة وإلى الفطرة، فالمولود يولد عاريا ثم يستره أهله، ولباس الإحرام وإن كان ساترا لكنه لا يستر كل مكان من جسده، فكأنه عاد إلى الفطرة الأولى،وتخلص من الرفاهية التي يصنعها المال، هذا التقشف يدفعه على التخفُّف من مشاعر التعالي والأنا، وتدفعه إلى الشعور بشعور الفقراء والمعوزين.
كما أن هذا التخفف المادي من اللباس والعطر … يدفع النفس للتخفف المعنوي من الذنوب التي حاصرت النفس البشرية ومنعتها من الانطلاقة نحو خالقها ، وكأنه بذلك يسعى للعودة إلى الفطرة الأولى التي كان فيها خاليا من الذنوب، وبذلك يتحقق حديث النبي عليه الصلاة والسلام «صحيح البخاري» (2/ 133):
«مَنْ حَجَّ لِلهِ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». صحيح البخاري رقم: 1521.
القلب كالإناء، والإناء عندما يكون مملوءاً فإنه لا يتسع، فيحتاج إلى إفراغ للملء من جديد ، والإفراغ للذنوب هي حالة التخفّف وهي ما تسمى بحالة التخلية، وبعد التخلية تكون التحلية وهي حالة الملء لهذا القلب.
تربية النفس على البساطة والخشونة
الإحرام بقطعتين غير مخيطتين فيه نوع من “الخشونة” المحمودة التي تخرج الإنسان من ميعة الرفاهية. هذا التقشف المؤقت يذكرنا بآلام الفقراء الذين لا يجدون ما يسترهم، ويجعل الحاج أكثر شكراً لله على نعمه المعتادة بعد عودته.
