في ذكرى علي الطنطاوي..فقيه الأدباء وأديب الفقهاء

الشيخ علي طنطاوي

يصادف اليوم ذكرى ميلاد الفقيه والأديب السوري علي الطنطاوي رحمه الله، الذي يعد من كبار أعلام الدعوة الإسلامية والأدب العربي في القرن العشرين.وهو شيخ جليل جمع بين العلم والفقه والأدب ولُقّب بفقيه الأدباء وأديب الفقهاء. وكان موسوعي الثقافة, كما يدل على ذلك إنتاجه الغزير والمتميز في اللغة والأدب, والتاريخ, وعلوم القرآن والحديث.

حين نتحدث عن الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله فنحن نتحدث عن قامة علمية، تربوية، أدبية، ثقافية، اجتماعية، إصلاحية.أثنى عليه مشايخه منذ وقت مبكر، حتى قال عنه أستاذه الشيخ محمد بهجة البيطار : (نابغة الشام)، وهو لا زال دون الثلاثين من عمره.

الشيخ علي الطنطاوي لم يكن أديبا فحسب، بل نجما من نجوم الدعوة والخير والجمال، كان يجمع في عظاته وتآليفه بين العلم والأدب، وبين الإقناع والإمتاع. واستحق أن ينال اللقب الذي لقب به الجاحظ – خطيب المعتزلة – : (أديب الفقهاء .. وفقيه الأدباء).

مولده وحياته العلمية

الشيخ علي الطنطاوي (23 جمادى الأولى 1327 هـ 12 يونيو 1909م – 18 يونيو عام 1999م الموافق 4 ربيع الأول 1420 هـ) فقيه و أديب وقاض سوري، ولد -رحمه الله- في دمشق، وهو ينتمي إلى عائلة معروفة بالعلم والدين، فأبوه مصطفى الطنطاوي كان صاحب علم وجدّه محمد الطنطاوي كان عالما كبيرا، كانت بداية نشأة الطنطاوي في فترة تفكّك الدولة العثمانية وانتهاء حكمها في بلاد الشام.

 درس الشيخ علي الطنطاوي الحقوق وتخرج سنة 1933م في كليّة الحقوق بدمشق ثمّ انتقل إلى العراق وعمل فيها مدرسًّا ثم عاد إلى دمشق واشتغل بالقضاء الشرعي، وقد ترقّى في القضاء ومناصبه حتى وصل إلى أعلى الدرجات، ولكنه عاد وغادر بلده إلى السعودية حيث عمل مدرسًّا في كليّات مكة والرياض، ثمّ تفرّغ الشيخ للعمل الإعلامي وقدّم برامجا دعوية في الإذاعات، وقيل عنه أنّه كان يهاب الاجتماع بالناس فسخّر له -سبحانه- التواصل معهم عن طريق وسائل الإعلام، وقد كان له تأثير كبير وقبول لدى غالبية شرائح المجتمع.

ناصر المرأة المُحب للعزلة

كان لدى الشيخ علي الطنطاوي خمسٌ من البنات وقد أحسن تربيتهن كما كان له الأثر الكبير في أحفاده حيث زرع فيهم القيَم وحبّ الدين معطيًا بذلك نموذجًا رائعًا للأب الفاضل والمربّي الرحيم، وقد عُرف عنه دفاعه عن حقوق النساء والتحذير من ظلمهن حتّى لُقّب بناصر المرأة.

تميّز الطنطاوي بأسلوبٍ بديع جمع بين السهولة والفصاحة فكان صاحب عبارات قريبة من فهم المثقف والعاميّ عصيّة على التقليد والمحاكاة، واتصفّ بعزّة النفس وكثرة العطاء وأتقن عمله بشتّى المجالات فكان فقيها وعالما ومصلحا اجتماعيا وخطيبا مفوّها وصحفيا مرموقا.

المعروف عن الشيخ علي الطنطاوي حبّه للعزلة والانفراد؛ وقد كان شغوفًا بالعلم والقراءة كما أُعطي من قوة الذاكرة وتوقّد الذكاء ما أُعطي فجمع العلم الغزير وحصّل الآداب النافعة، ولكنّ حبّه للعزلة لم يمنعه من الاتصال بالناس والرد على أسئلتهم فقد أمضى حياتها كلّها في الدعوة ونشر العلم عن طريق تقديم البرامج الإذاعية والتلفزيونية ونشر المقالات في الصحف والمجلات، كما يُحكى أنّه كان يجلس في الحرم المكيّ في وقتٍ محدّد من يومه ليُجيب عن أسئلة الناس واستفساراتهم.

مؤلفاته وحياته العملية

كان أديبا كتب في كثير من الصحف العربية لسنوات طويلة أهمها ما كان يكتبه في مجلة الرسالة المصرية لصاحبها أحمد حسن الزيات واستمر يكتب فيها عشرين سنة من سنة 1933م إلى أن احتجبت سنة 1953. عمل منذ شبابه في سلك التعليم الابتدائي والثانوي في سوريا والعراق ولبنان حتى عام 1940. ترك التعليم ودخل سلك القضاء، فأمضى فيه خمسة وعشرين عاماً من قاضٍ في النبك ثم في دوما ثم انتقل إلى دمشق فصار القاضي الممتاز فيها (1943 – 1953م)، ونقل مستشاراً لمحكمة النقض في الشام، ثم مستشاراً لمحكمة النقض في القاهرة أيام الوحدة مع مصر. كلف بوضع قانون كامل للأحوال الشخصية، عام 1947م وأوفد إلى مصر مدة سنة فدرس مشروعات القوانين الجديدة للمواريث والوصية وسواها، وقد أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية كله وصار هذا المشروع أساساً للقانون الحالي .

ترك علي الطنطاوي مجموعة من الكتب العلمية والأدبية النافعة وقد كتب الله -عزّ وجلّ- لعلم الطنطاوي وفقهه وأدبه القبول بين الناس فكانت كتبه ولا تزال معينًا لمن بحث عن نصوح العبارة وجزالة الأسلوب وعمق المعنى. وهذه هي أهم مؤلفاته:

  • أبو بكر الصديق (1935)
  • أخبار عمر (1959)
  • أعلام التاريخ (1-7) (1960)
  • بغداد: مشاهدات وذكريات (1960)
  • تعريف عام بدين الإسلام (1970)
  • الجامع الأموي في دمشق (1960)
  • حكايات من التاريخ (1-7) (1960)
  • دمشق: صور من جمالها وعبر من نضالها (1959)
  • ذكريات علي الطنطاوي (8 أجزاء) (1985-1989)
  • رجال من التاريخ (1958)
  • صور وخواطر (1958)
  • صيد الخاطر لابن الجوزي (تحقيق وتعليق) (1960)
  • فتاوى علي الطنطاوي (1985)
  • فصول إسلامية (1960)
  • فكر ومباحث (1960)
  • في أندونيسيا (1960)
  • في سبيل الإصلاح (1959)
  • قصص من التاريخ (1957)
  • قصص من الحياة (1959)
  • مع الناس (1960)
  • مقالات في كلمات (1959)
  • من حديث النفس (1960)
  • من نفحات الحرم (1960)
  • هتاف المجد (1960)
  • بعد الخمسين (1959)

وقد نشرت حفيدته “عابدة المؤيد العظم” كتابين عنه “هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي” وهو كتاب تربوي قيم و”جدي على الطنطاوي كما عرفته” وهو استطلاع لحياة الشيخ وذكريات وفوائد. كما نشر حفيده، مجاهد مأمون ديرانية، بعد وفاته عددا من الكتب التي جمع مادتها من مقالات وأحاديث لم يسبق نشرها.

35 سنة في التوعية الإسلامية

في عام 1963م سافر علي الطنطاوي إلى الرياض مدرّساً في “الكليات والمعاهد” (وكان هذا هو الاسم الذي يُطلَق على كلّيتَي الشريعة واللغة العربية، وقد صارت من بعد جامعة الإمام محمد بن سعود). وفي نهاية السنة عاد إلى دمشق لإجراء عملية جراحية بسبب حصاة في الكلية عازماً على أن لا يعود إلى المملكة في السنة التالية، إلا أن عرضاً بالانتقال إلى مكة للتدريس فيها حمله على التراجع عن ذلك القرار.

وهكذا انتقل علي الطنطاوي إلى مكة ليمضي فيها (وفي جدّة) خمسةً وثلاثين سنة، فأقام في أجياد مجاوراً للحرم إحدى وعشرين سنة (من عام 1964م إلى عام 1985م)، ثم انتقل إلى العزيزية (في طرف مكة من جهة منى) فسكنها سبع سنوات، ثم إلى جدة فأقام فيها حتى وفاته في عام 1999م.

بدأ علي الطنطاوي هذه المرحلة الجديدة من حياته بالتدريس في كلية التربية بمكة، ثم لم يلبث أن كُلف بتنفيذ برنامج للتوعية الإسلامية فترك الكلية وراح يطوف على الجامعات والمعاهد والمدارس في أنحاء المملكة لإلقاء الدروس والمحاضرات، وتفرَّغَ للفتوى يجيب عن أسئلة وفتاوى الناس في الحرم -في مجلس له هناك- أو في بيته ساعات كل يوم، ثم بدأ برنامجيه: “مسائل ومشكلات” في الإذاعة و”نور وهداية” في الرائي (والرائي هو الاسم الذي اقترحه علي الطنطاوي للتلفزيون) الذين قُدر لهما أن يكونا أطول البرامج عمراً في تاريخ إذاعة المملكة ورائيها، بالإضافة إلى برنامجه الأشهر “على مائدة الإفطار”.

أقدم مذيعي العالم!

هذه السنوات الخمس والثلاثون كانت حافلة بالعطاء الفكري للشيخ، ولا سيما في برامجه الإذاعية والتلفازية التي استقطبت -على مرّ السنين- ملايين المستمعين والمشاهدين وتعلّقَ بها الناس على اختلاف ميولهم وأعمارهم وأجناسهم وجنسياتهم. ولم يكن ذلك بالأمر الغريب؛ فلقد كان علي الطنطاوي من أقدم مذيعي العالم العربي، بل لعله من أقدم مذيعي العالم كله، فقد بدأ يذيع من إذاعة الشرق الأدنى من يافا من أوائل الثلاثينيات، وأذاع من إذاعة بغداد سنة 1937م، ومن إذاعة دمشق من سنة 1942م لأكثر من عقدين متصلين، وأخيراً من إذاعة المملكة ورائيها نحواً من ربع قرن متصل من الزمان.

آثر علي الطنطاوي ترك الإذاعة والتلفاز حينما بلغ الثمانين من العمر. وكان قبل ذلك قد لبث نحو خمس سنين ينشر ذكرياته في الصحف، حلقةً كل يوم خميس، فلما صار كذلك وقَفَ نشرَها (وكانت قد قاربت مئتين وخمسين حلقة) وودّع القرّاء فقال: “لقد عزمتُ على أن أطوي أوراقي، وأمسح قلمي، وآوي إلى عزلة فكرية كالعزلة المادية التي أعيشها من سنين، فلا أكاد أخرج من بيتي، ولا أكاد ألقى أحداً من رفاقي وصحبي”.

ثم ضعف قلبه في آخر عمره فأُدخل المستشفى مرات، وكانت الأزمات متباعدة في أول الأمر ثم تقاربت، حتى إذا جاءت السنة الأخيرة تكاثرت حتى بات كثيرَ التنقل بين البيت والمستشفى. ثم توفي بعد عشاء يوم الجمعة، 18 حزيران عام 1999م الموافق 4 ربيع الأول 1420 هـ، في قسم العناية المركزة في مستشفى الملك فهد بجدة عن عمر 90 عام، ودُفن في مقبرة مكة المكرمة في اليوم التالي بعدما صُلّي عليه في الحرم المكي الشريف.

المصدر : مصادر متعددة

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات