رحم الله من أهدى إليّ عيوبي، كما قال الفاروق عمر، رضي الله عنه، حيث كان يسأل سلمان الفارسي عن عيوبه، حتى إذا قدم عليه مرة، قال: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟
قال: أعفني يا أمير المؤمنين، فألحّ عليه.
فقال: بلغني أنك جمعت بين إدامين على مائدة
وأن لك حُلتين، حُلة بالنهار وحُلة بالليل !
قال: وهل بلغك غير هذا ؟
قال:لا
قال: أما هذان فقد كفيتهما.
لكن ذاك عمر، وليس كلنا عمر.. فالنفس البشرية تميل غالباً نحو من يغدق عليها عبارات الإطراء والمديح، أكثر من العتاب والتصحيح، وإن كان فعل النقد بنّاءً هادفاً، فيه الكثير من الخير. لكن هكذا النفس البشرية بشكل عام، إلا ما رحم ربي وقليل ما هم.
الشاهد من قصة الفاروق – وهو من هو يومئذ – أنّه لم يتحفظ على ما كان يراه سلمان في فعل أمير المؤمنين، واعتبره جزءاً من الترف والبذخ غير المبرر وهو رئيس للدولة، بل تقبّل النقد بصدر رحب، وعالج ما كان يراه سلمان عيباً، فأثبت الفاروق أنه نعم الرئيس، وأثبت سلمان أنه نعم المرؤوس. ولعل هذا هو المطلوب من الناقد والمنتَقد بكل اختصار. الأول يبتغي من نقده وجه الله، وأن يصلح بنقده. أما الثاني مطلوب منه تقبل النقد الهادف، وشكر ناقده وتعظيم الأجر له قدر المستطاع، وأقل ذلك الدعاء له.
فعل النقد الهادف البنّاء، هدفه التصحيح والتوجيه، والحيلولة دون وقوع أخطاء مرة أخرى. لكن إذا كان أداء فعل النقد لمجرد النقد، وحباً في توبيخ الآخرين، أو من باب الشماتة، فهذا مرض من أمراض القلوب، وفعل غير محبوب، بل لا مرحباً به في أي زمان وأي مكان.
خلاصة ما أروم الوصول إليه في هذه العجالة ألا نتبع شهوة النقد لمجرد النقد، وتفريغ ما بالنفس من مشاعر تدفع المرء دفعاً للتشمت من فلان، أو للتشفي من علان، أو غيرها من أمراض النفوس، التي يرى المبتلون بها أن بالنقد، لا سيما الهادم غير الهادف، تحقق لهم راحة نفسية !
من يجد نفسه مبتلى بتلك الأمراض، يستحسن منه مراجعة وضبط نفسه عن الاندفاع نحو نقد أفعال الآخرين قدر المستطاع، ما لم تكن هناك ضرورة وحاجة ماسة للنقد، أو النصح والتوجيه، فالصمت أبلغ أحياناً كثيرة من الكلام، إذ ليس دوماً الساكت عن الحق شيطان أخرس، إن كان هذا الساكت لا يملك أدوات إظهار الحق، فيفسد بالكلام أكثر مما يبني ويصلح. والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
