في التاسع من مارس عام 2026م، فقدت الأمة الإسلامية علماً من أعلامها الكبار، ورجلاً من خدام القرآن الكريم، هو العلامة المقرئ الفقيه الدكتور عبد الهادي بن عبد الله حميتو، الذي وافته المنية بعد مسيرة علمية حافلة امتدت لأكثر من ثمانية عقود، قضاها في خدمة الكتاب والسنة، وتدريس العلوم الشرعية، وتحقيق التراث، والإسهام في مراجع المصاحف الرسمية. لم يكن الشيخ حميتو مجرد أستاذ جامعي أو باحث أكاديمي، بل كان مدرسةً متكاملةً جمعت بين أصالة التعليم العتيق ومنهجية البحث الحديث، فكان نموذجاً نادراً للعلماء الجامعين بين الحفظ والفهم، والنقل والتحقيق.
المولد والنشأة: في كنف القرآن والبادية
وُلد العلامة عبد الهادي بن عبد الله بن إبراهيم حميتو في شهر رجب سنة 1362هـ الموافق لعام 1943م، في قبيلة الشياظمة بنواحي مدينة الصويرة، إحدى الحواضر العريقة في جنوب المغرب الأقصى . نشأ الشيخ في بيئة بدوية محافظة، تُعلي من شأن العلم والدين، وتحفظ للقرآن الكريم مكانته القدسية.
كان أول معلم له في هذه الرحلة هو والده، الذي لقنه القرآن الكريم في البادية، فأتم حفظه وهو في السابعة من عمره، وهو ما يُعد إنجازاً مبكراً يعكس فطنته ونبوغه. ولم يكتفِ بحفظ التنزيل العزيز، بل حفظ معه المتون الأساسية في الرسم والضبط والتجويد، مما وضع له لبنة صلبة في التخصص الذي سيُعرف به لاحقاً .انتظم الشيخ بعد ذلك في التعليم الأصيل (العتيق) في المغرب، فقرأ المتون القديمة في اللغة العربية والفقه المالكي، منها:
- المتون النحوية: الآجرومية، وألفية ابن مالك، والجمل لابن المجراد، ولامية الأفعال.
- المتون الفقهية: منظومة ابن عاصم في الفقه المالكي، وغيرها من أمهات الكتب
التحصيل الأكاديمي: من مراكش إلى الرباط
لم يكتفِ الشيخ بالتعليم التقليدي، بل سعى للجمع بينه وبين المناهج الأكاديمية الحديثة، فكانت محطاته الدراسية كالتالي:
| السنة | المؤهل | المؤسسة | موضوع البحث/الرسالة |
| 1972م | الإجازة (ليسانس) | كلية اللغة العربية، مراكش | – |
| 1979م | دبلوم الدراسات العليا | دار الحديث الحسنية، الرباط | “اختلاف القراءات وأثره في استنباط الأحكام” |
| 1995م | دكتوراه الدولة في العلوم الإسلامية | دار الحديث الحسنية، الرباط | “قراءة الإمام نافع عند المغاربة” (في 7 مجلدات) |
أشرف على رسالتي الماجستير والدكتوراه العلامة الدكتور التهامي الراجي الهاشمي، الذي كان له أثر كبير في توجيه الشيخ نحو منهجية البحث المحقق . واستغرق العمل في رسالة الدكتوراه خمس عشرة سنة، مما يعكس الدقة والعمق الذي تميز به منهج الشيخ في البحث.
شيوخه وتلامذته: سلسلة العلم المتصلة
تلقى الشيخ حميتو العلم على يد نخبة من كبار العلماء في المغرب، منهم:
- الأخوان الدكتوران صالح وعبد الكريم الأشتر (الأدب العربي).
- الدكتور عبد السلام الهراس (الأدب الأندلسي).
- الدكتوران عباس الجراري ومصطفى المعداوي (الأدب المغربي).
- الدكتور أمجد الطرابلسي (النقد الأدبي).
- الدكتور الفاروق الرحالي (الأدب والتفسير).
- الدكتور محمد نجيب البهبيتي (الأدب العربي).
- الدكتور عبد السلام جبران (البلاغة).
- الشيخ أحمد أملَاح المسفيوي (القراءات).
- الشيخ عمر المعداني، وعمر بهاء الدين الأميري، ومحمد بن تاويت الفاسي، وعبد الكريم الداوودي، وإبراهيم بن الصديق الغماري .

أما تلامذته، فهم أفواج من الطلاب والباحثين في المغرب وخارجه، خاصة في ماليزيا وإندونيسيا، حيث انتشر علمه عبر مؤتمرات وزيارات علمية، كما أشرف على عشرات الرسائل الجامعية في كليات الشريعة وأصول الدين .
الإنتاج العلمي: موسوعة في عصر التخصص
تميز الشيخ حميتو بغزارة الإنتاج وجودته، حيث جمع بين التأليف والتحقيق والبحث، ومن أهم مؤلفاته المطبوعة:
أولاً: في القراءات وعلوم القرآن
- “قراءة الإمام نافع عند المغاربة من رواية أبي سعيد ورش” (7 مجلدات) – منشورات وزارة الأوقاف المغربية، 2003م. يُعد هذا العمل المرجع الأهم في تاريخ القراءة النافعية بالمغرب .
- “زعيم المدرسة الأثرية في القراءات وشيخ قراء المغرب والمشرق: الإمام أبو القاسم الشاطبي” – دراسة عن قصيدة “حرز الأماني” وشروحها، مطبعة أضواء السلف، الرياض، 2005م .
- “معجم شيوخ الحافظ أبي عمرو الداني” – دراسة وتحقيق، دار الغوثاني، دمشق، ط2، 2010م.
- “معجم مؤلفات الحافظ أبي عمرو الداني” – مكتبة الملك فهد الوطنية، الرياض، ط2.
- “اختلاف القراءات وأثره في التفسير واستنباط الأحكام” – بحث ماجستير منشور.
- من جنايات التصحيف على علم المصحف الشريف” – دراسة نقدية في أخطاء النسخ والتصحيح .
ثانياً: في الفقه والتراث
- “إسهام مالكية المغرب الأقصى في القراءات وعلوم القرآن” – الرابطة المحمدية للعلماء، 2010م (جائزة تقديرية).
- “حياة الكُتَّاب وأدبيات المحضرة: صور من عناية المغاربة بالكتاتيب والمدارس القرآنية” – وزارة الأوقاف، جزآن، 2006م.
ثالثاً: أعمال قيد النشر والتحقيق
- منظومة في الأذان والإقامة (1200 بيت) – تجمع الأحكام الفقهية والقرائية.
- كتاب في “التصحيف عند المؤلفين في علم القراءات والتجويد”.
- تحقيق أجزاء من “ملء العيبة” لابن رشيد السبتي (رحلة للحرمين) .
المناصب والمهام العلمية
شغل الشيخ حميتو مناصب رفيعة تعكس مكانته العلمية وثقة المؤسسات به:
- رئيس لجنة مراجعة المصحف المغربي (الطبعة الرسمية 2010م) – وهي مهمة دقيقة تتطلب إمامة في القراءات والرسم العثماني .
- رئيس الهيئة العلمية بمؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف.
- أستاذ بمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية بالرباط.
- عضو المكتب التنفيذي للرابطة المحمدية للعلماء بالرباط.
- عضو دائم في الهيئة التأسيسية للهيئة العالمية لتحفيظ القرآن بجدة .
- محكّم في مجلات علمية محلية ودولية، ومشرف على رسائل جامعية .
منهجه العلمي: الجمع بين الأصالة والمعاصرة
اتسم منهج الشيخ بعدة خصائص منها:
- الجمع بين النقل والتحقيق: لم يكن ناقلاً فحسب، بل محققاً ينقد وينقح ويصحح.
- العمق التاريخي: ربط القضايا العلمية بسياقها التاريخي، خاصة في دراسة تطور القراءات بالمغرب.
- الوضوح والتبسيط: رغم تخصصه الدقيق، كان أسلوبه واضحاً يصلح للمتخصص والعامة.
- الوسطية والاعتدال: دعا إلى فهم النصوص بفهم متزن، بعيد عن الغلو أو التفريط.
لم يكن الشيخ فقيهاً مقرئاً فحسب، بل كان أديباً شاعراً، له قصائد رصينة في المدح النبوي، والحكمة، والرثاء، شهد لها الأدباء بالمتانة والجزالة . وكان عضواً في لجان تحكيم مسابقات التجويد الدولية، مما يعكس ثقته في تقييم الأداء القرآني .
إرث خالد
توفي العلامة الدكتور عبد الهادي حميتو في 9 مارس 2026م، بعد وعكة صحية دخل على إثرها إحدى المصحات . نعتْه المؤسسات العلمية في المغرب والعالم الإسلامي، ووصفه الناعون بأنه “ثلمة في الإسلام لا يسدها شيء” .
رحل الشيخ عبد الهادي حميتو، لكن إرثه باقٍ في:
- مؤلفاته المحققة التي ستظل مراجع للباحثين.
- تلامذته الذين يحملون منهجه في القراءات والفقه.
- المصحف المغربي الذي راجعه بعين المحقق الخبير.
- المنهجية العلمية التي جمع فيها بين التعليم العتيق والأكاديمي.
كان الشيخ نموذجاً للعالم الرباني، الذي جعل من العلم عبادة، ومن البحث خدمة للأمة. رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
