في طيات شهر المحرم ويوم عاشوراء على وجه الخصوص رسائل ودروس وعبر، ومن أعظمها فقه عاشوراء النجاة من الشدة، وأن الابتلاء ليس علامة على غضب الله بالضرورة، بل قد يكون طريقًا للتربية والتمحيص ورفع الدرجات، وأن الشدة مهما طالت فلها نهاية، والفرج مهما تأخر فهو آت بإذن الله تعالى، وأن حياة المؤمن لا تبنى على اليأس والقنوط، وإنما تبنى على الأمل واليقين وحسن الظن بالله تعالى، “واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا”[1].
والمؤمن يعيش دائماً بين الشكر والصبر؛ فإن جاءته النعمة شكر، وإن أصابته الشدة صبر، وفي الحالتين يكون في خير وأجر عند الله تعالى، “عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرًا له”[2]. فكثيرًا ما تكون الابتلاءات والمصاعب هي البوابة التي تكتشف من خلالها قوة الإنسان الإيمانية، أو يتعلم دروسًا قيمة لا ينساها أبدًا، أو يجد طرقًا أفضل لم تكن لتخطر بباله لولا حدوث تلك المحنة.
الابتلاء سنة الله ماضية في حياة الناس
مفهوم الابتلاء في الإسلام وحكمة المحن
إن طبيعة الدنيا أنها دار البلاء والمحن، ولا يخلو الإنسان فيها من الابتلاء، فكل من فيها مبتلى؛ إما بالخير أو بالشر، ومنهم من يعاني القلق والتوتر، أو بمرض، أو بفقد حبيب، أو بضيق في الرزق، أو بمشكلات أسرية، أو بضغوط نفسية، أو بثقل الديون، أو بتحديات أخرى، مما يعني أن الابتلاء ماض في الخلق.
ولكن الذي يميز المؤمن بين سائر الناس في سنة الابتلاء أنه لا يعزب عن ذهنه قط ماهية الدنيا بل يستحضرها كما هي، وأنها دار الامتحان والجسر لدار الجزاء، ويعلم أن الله سبحانه لم يخلق الإنسان ليعيش حياة خالية من الصعوبات والتحديات، وإنما ليختبر من خلال ذلك أهل الإيمان بإيمانهم وصبرهم وثباتهم.
قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 155] فبين الله سبحانه وتعالى أنه لا بد أن يبلو الإنسان بشيء من هذه المصائب، حتى يتبين حاله فيفوز منهم المبتلون الصابرون
{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ - أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 156 – 157].
ويقول ﷺ: “ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها”[3].
نماذج الصبر من سلف الأمة
فحصول أجر الصلاة من الله والرحمة والهداية مرهون بالابتلاء الذي يعقبه الصبر والقول الحسن، ولذا ضرب سلف الأمة أروع أمثلة في الثبات وقوة الإيمان وتقديم الشكر في أعظم مواقف الابتلاء ابتغاء لثواب الله تعالى.
قال عبد الله بن مطرف لقومه -عندما مات ولده وخرج عليهم وقد رجّل جُمّته (سرّح شعره) ولبس أحسن ثيابه، فتعجبوا وقالوا: مات ابنك وتخرج هكذا؟! فقال: “أتأمروني أن أستكين للمصيبة؟ والله لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله عز وجل مني، ثم وعدني عليها شربة من ماء لرأيتها لتلك الشربة أهلاً، فكيف بالصلاة والرحمة والهدى؟!”[4].
وهكذا بلغ بهم اليقين بأن الأجر الذي أعده الله للصابرين أعظم من كل ما في الدنيا، وأن إدراك حلاوة أجر الصلوات والرحمة من الله تستحق الصبر والاحتساب، والتسليم المطلق، والرضا بالقدر المؤلم بدلاً من الاستسلام للانكسار والجزع.
والمقصود أن الابتلاء سنة إلهية ماضية، وحكمة ربانية لا تتخلف؛ وقد تكون في ظاهرها شدة وألمًا، لكنها تحمل في باطنها منحة ورحمة وخيرًا عظيمًا، إما لتمحيص القلوب، أو لرفع درجات المؤمنين وتكفير سيئاتهم ونحوها، وإن كان البلاء ليس مطلوبًا لذاته، ولكن اليقين بأن وراء كل محنة حكمة، وأن مع كل شدة فرجًا، وأن الله إذا ابتلى عبده لم يتركه، بل يفتح له أبوابًا من الخير لم يكن يتوقعها، فلذا ينبغي للمؤمن الكيس أن يحول الشدة إلى فرصة للتقرب من الله، فيزداد دعاؤه، ويقوى توكله، ويتعلق قلبه بربه أكثر من أي وقت مضى كي يفوز بذلك فوزًا عظيمًا.
الأنبياء أشد الناس ابتلاءً
حكمة ابتلاء الأنبياء والصالحين
لقد ابتلي الأنبياء بأنواع من البلاء وهم خير البشر عليهم السلام، فتنوعت ابتلاءاتهم بين الأذى والتكذيب والسخرية والاتهامات الباطلة، والمرض، والخوف، وفقد الأحبة، والهجرة، وقلة الأتباع، ومشقة الدعوة وغيرها؛ ثم ابتُلي الصالحون من بعدهم بأنواع من الابتلاء، من التضييق على التمسك بالدين، وأذى أهل الهوى وأصحاب الشبهات والشهوات، وتنوع ابتلاؤهم بين الدين والنفس والأهل وغيرها من أنواع البلاء، وقد ابتلي أولئك الصفوة والبررة بأشد الابتلاء ليكونوا قدوة للبشر في الصبر والثبات وحسن التوكل على الله تعالى.
ودلّ أيضاً على أن الابتلاء قد يكون علامة على محبة الله واصطفائه، لذا قال عليه الصلاة والسلام: “إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط”[5].
وقال الفضيل: “لا يبلغ العبد حقيقة الإيمان حتى يُعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة، وحتى لا يحب أن يُحمد على عبادة الله”[6]، وقال في موضع آخر: “إن الله عز وجل ليتعاهد عبده المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الرجل أهله بالخير”[7].
كيف تولد المنحة من رحم المحنة؟
وممّا لا يخفى أن كثيرًا من النعم العظيمة قد خرجت من رحم الشدائد، وولدت المحنة المنحة، ومن ذلك ابتلاء يوسف عليه السلام بالسجن ثم أصبح عزيز مصر، ونجاة موسى بن عمران بعد أن أحاطت به الأخطار من أول مولده، والهجرة النبوية الشريفة التي بدأت بالمطاردة وانتهت ببناء الدولة الإسلامية الخالدة، وكم من محنة كانت بداية خير كبير.
وقد سئل الإمام الشافعي رحمه الله: أيهما أفضل للرجل أن يُمكن أو يُبتلى? فقال: “لا يمكن حتى يبتلى؛ فإن الله ابتلى نوحًا وإبراهيم ومحمدًا صلوات الله عليهم أجمعين فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أن يخلص من الألم البتة”[8].
ولذلك لا ينبغي للمسلم أن يظن أن حياته ستخلو من الابتلاء لكونه مسلمًا ومؤمنًا بالله، بل كلما قوي دين الإنسان وازداد إيمانه، اشتد عليه الابتلاء ليرفع الله درجاته، ويمحص إيمانه، ويجعله قدوة لغيره في الصبر والرضا.
منحة النجاة في قصة موسى عليه السلام ويوم عاشوراء
معجزة نجاة موسى واليقين بالله
علمنا يوم عاشوراء درسًا عظيمًا في اليقين وحسن الظن بالله تعالى، ولم تكن قصة ذلك اليوم مجرد نجاة من الغرق أو بطش فرعون فحسب، بل يذكرنا أيضًا بأن النجاة قد تأتي بعد أشد اللحظات صعوبة، ويربي فينا كيف تمنح قوة اليقين والإيمان الصادق صاحبَها الطمأنينة والشجاعة في أحلك الظروف وأشدها خطورة، فقد كان البحر أمام موسى عليه الصلاة والسلام، وفرعون وجنوده خلفه، حتى قال قومه: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، جزمًا منهم ويقينًا، ولكن لم يسمح نبي الله عليه الصلاة والسلام لخوف الموقف وأتباعه أن يتغلب على يقينه الكامل وإيمانه الصادق بالله ونصره له، فقال بكل ثقة في جواب مخالف لقومه: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فجاء الفرج من حيث لا يحتسب أحد، وأمر الله البحر أن ينفلق، فنجا المؤمنون، وهلك الظالمون، فتحولت المحنة إلى منحة، والخوف إلى أمن، والضعف إلى نصر بعون من الله تعالى.
وكان هذا اليوم العظيم من أيام الله؛ كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: “إن عاشوراء يوم من أيام الله[9] لأنه تجلت فيه منحة النجاة بمعجزة إلهية عظيمة؛ وتجسد فيه نصر إلهي مبهر وقمة في اليقين، ولذا صامه موسى عليه السلام وقومه شكرًا لله تعالى، وصامه اليهود من بعده، ولما قدم النبي ﷺ المدينة فوجد اليهود صيامًا يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ: “ما هذا اليوم الذي تصومونه؟” فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وغرَّق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرًا، فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ: “فنحن أحق وأولى بموسى منكم”، فصامه، وأمر بصيامه[10]. بل قال عليه الصلاة والسلام: “وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله[11] تنويهًا لعظيم شأنه وتعريفًا بمقام فضله.
المقارنة البيانية بين معية الغار ومعية البحر
وشبيهٌ قصةُ عاشوراء بالموقف النبوي الشريف في الغار عند الهجرة إلى المدينة، من حيث اجتماعهما في أوقات الأزمات، وفي لحظات التوكل المطلق، واليقين الراسخ بنصر الله وتأييده. في ذروة الخوف قال نبي الله موسى عليه السلام: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 62]، وعندما خاف أبو بكر على مصير الدعوة الإسلامية الجديدة، طمأنه النبي عليه الصلاة والسلام بالمعية الإلهية قائلاً: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: 40].
وهكذا جمع بين الموقفين رباط التوكل العظيم، ولكنهما اختلفا في سياق تجلي المعية الإلهية الخاصة؛ فنبي الله موسى عليه الصلاة والسلام اقتصر على نفسه بـ (معي) لأن قومه لم يكونوا عالمين بما ضمن الله له من معية العناية والتأييد، ولأن طريق نجاة الأمة حُصر في فعلٍ إلهي خارقٍ للعادة يقطع دابر العدو، ولا يقع إلا على يد الرسول وحده المأمور بضرب البحر، فكانت المعية هنا معية توجيه وهداية لسعي القائد المرسل لفائدتهم. في المقابل، تجلت المعية الإلهية في الغار بلفظ الجمع (معنا) لأنها معية حفظ وإحاطة ربانية شاملة لهما كليهما، تقتضي صرف أعين الأعداء وتعميتها عن المقر المشترك، لتفيض الطمأنينة والسكينة الإلهية على الرسول وصاحبه معاً.
الأخذ بالأسباب مع التوكل على الله
ثم من حيث إن النجاة في القصتين من المعجزة الإلهية إلا أن كلا النبيين الكريمين قد أخذ بالأسباب؛ فأُمر موسى عليه الصلاة والسلام بضرب البحر بعصاه، والنبي ﷺ أخذ بالأسباب والخبرة البشرية كاختيار الغار، والسرية، واتخاذ الدليل، دون ركوب البراق، ليكون في ذلك درسٌ تربوي عقدي للأمة بأن الأخذ بالأسباب مع التوكل من الإيمان، وأنه لا يصح أحدهما دون الآخر، فإن ترك الأسباب مذموم لأنه تواكل، والاعتماد على الأسباب وحدها مردود لأنه قادح في التوكل، بل المؤمن الحق هو الذي يجمع بين الجهد والسعي وبين الاعتماد على الله تعالى والإيقان بأن نتائج الأمور بيده سبحانه تعالى وحده ولا شريك له.
رسالة الأمل والتفاؤل في حياتنا المعاصرة
وعلى كل حال، فستبقى ذكريات يوم عاشوراء والهجرة النبوية رسالة خالدة لكل مبتلى في كل زمان ومكان، وأن الفرج قد يأتي في اللحظة التي يظن فيها الإنسان أن جميع الأبواب قد أُغلقت من جميع الجهات، ولذلك فإن المؤمن لا يفقد الأمل مهما اشتدت الظروف إذ اليأس ليس من أخلاق المؤمنين، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾، وقال: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾، بل إن حسن الظن بالله من شيم أوليائه لأنه عبادة عظيمة، قال رسول الله ﷺ: قال الله عز وجل: “أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث يذكرني..[12] والله سبحانه أرحم بعباده من أنفسهم.
وفي حياتنا المعاصرة نحتاج إلى نشر ثقافة الأمل والتفاؤل نظراً لما يعيشه الناس من أنواع الشدائد والمصائب؛ كي لا يستسلم المسلم، ولا ييأس، ولا يظن أن الأبواب قد أغلقت، فربنا عز وجل الذي نجّى موسى عليه السلام، ونصر نبيه محمداً عليه الصلاة والسلام، قادر على أن يبدل الخوف أمنًا، والحزن فرحًا، والضيق سعة، والضعف قوة، وإنما الذي يجب على المسلم في حال الشدة أن يصبر، ويحسن الظن بالله، ويأخذ بالأسباب، ويعلم يقيناً أن مع العسر يسراً، وأن بعد الشدة نجاة، وأن الفرج قريب بإذن الله تعالى.
وربما تكمن الحكمة وراء المحن أحياناً من أجل إصلاح النفس والترقية والاستقامة على الجادة التي تقرب العبد من الله تعالى، قد تكون من أجل العودة إلى الصلاة، أو المحافظة على القرآن، أو إصلاح ذات البين والعلاقات الأسرية، أو مراجعة الأولويات في الحياة، أو غيرها مما قد يحصل فيها التقصير أو الإهمال، والمؤمن لا يقف عند المحنة أو يصاب بالإحباط أو يحكم على مستقبله بالفشل من خلال لحظة ألم يعيشها اليوم، بل يبحث عن المنحة التي أرادها الله له من خلالها ويواصل السير مستعيناً بالله تعالى، كما علمتنا قصة الهجرة النبوية ويوم عاشوراء.
