في سيرة المصطفى عليه السلام مناخ كبير لمقتطفي ثمار الدعوة وطرائقها وأساليبها الزكية والذكية، وهي المكنز الأعظم لأجيال الدعاة المرتادين الخير للبشرية جمعاء، فمحمد صلى الله عليه وسلم هو إمام الدعاة إلى الصراط المستقيم، وهو الملتحد الأكبر لكل باغ للخير: ﴿قل إنني هداني إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين (الأنعام، 161). ودعوته في كل مراحلها مستبينة الخطط والأهداف، وقد جندت معها  الصحابة الكرام ذوي الأعين الباصرة والأفئدة المستبصرة والعزيمة الوقادة: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (يوسف، 108). ومن المواقف النادرة المترسمة في هذا السبيل قصته مع وفد ثقيف سكان الطائف في العام التاسع من الهجرة.

فمن المعلوم أن هذه القبيلة المتوطنة شواهق الطائف من القبائل المتأخرة في إسلامها، على الرغم من قربها من مكة، فقد كانت إحدى المراكز الحضرية في الحجاز مع صنوها مكة ويثرب ونجران وخيبر، وهي قاعدة قبائل هوازن وقيس عيلان الكبيرة، وهي المفتاح الرئيس لجبال عسير حيث تتناثر قبائل دوس وبجيلة وخثعم، وعلى مقربة منها ممرات طريق البخور والتجارة إلى اليمن السعيد.

وقد كانت الطائف ذات علائق قوية بقريش، فهي مصيفهم، وبها مزارعهم، وفيها كانت النوادي ودور الخنا والخمور التي يلهون فيها، وسبقت لها تلك السابقة المشينة في صد النبي صلى الله عليه وسلم ورده، بعدما طرق أبواب سادتها يعرض عليهم الإسلام، فقابلوه بالسيئة وأغروا به سفهائهم حتى أدموا قدميه، ودعا بذلك الدعاء الحاني: “اللهم إليك أشكو ‌ضعف ‌قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أرحم الراحمين، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك” (الدعاء للطبراني، 1036).

وعندما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من مكة فتحا، ومن هوزان هزيمة في حنين وذلك في أواخر العام الثامن من الهجرة يمّم الشطر إلى مدينة الطائف ونصب عليها الحصار، ولكنها استعصت لمنعتها وقوة تحصينها، مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم ينتدب جماعة من أصحابه للذهاب إلى جرش باليمن لتعلم صناعة المنجنيق والعرادات، والدبابات، (طبقات ابن سعد، 1/270).

 والمهم أنه عندما أطبق أغلب أهل الحجاز على الدخول في الإسلام رغبة، أو دخولا في عقد الدولة الإسلامية الوليدة كما هو شأن قبائل عامر وسليم وكنانة وأشجع وباهلة، بقيت قبيلة ثقيف وحيدة مترددة متمردة تجاه الدولة الإسلامية القوية التي طوقتهم بنفوذها وامتداد عهودها لكل القبائل القريبة منهم، خاصة بعد غزوة تبوك التي أرهبت عرب الشمال، فخاف سادة ثقيف عاقبة أمرهم، فأرسلوا وفدهم مفاوضا على السلم والإسلام، وقد أورد المحدثون وكتاب السير والمغازي خبرهم في عديد المواضع.

 ومن ذلك ما رواه ابن إسحاق: “ولما افتتح رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مكة وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كل وجه”، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كل فج عميق، وينقادون له طواعية، وصدق وعد الله تعالى في تمام هذا الدين وظهوره. وبإسلام ثقيف آخر قبائل الحجاز تقاطر عرب نجد والبحرين وقبائل ربيعة وطيىء وأسد معلنين إسلامهم فيما يعرف بعام الوفود.

 وقد وردت أحاديث عديدة في إسلام هذه القبيلة، ثم في ثباتها على الدين أيام حروب الردة، وهي أحاديث ذات مكنز عظيم هاد للدعاة إلى الله في فتح القلوب قبل غيرها، وما يستفاد منها:

1- الاستقبال الحسن:

فقد أنزلهم  عليه الصلاة والسلام منزلا حسنا على بيتين كبيرين، واحد لضيافة الأحلاف منهم، والثاني للقيبل الآخر بنو مالك، حيث كان ثقيف منقسمة على هذين الحلفين، كما أنزلهم وسمح لهم بدخول مسجده على الرغم من شركهم، وذلك ليروا أخلاق المسلمين ويأنسوا بهم، قال ابن القيم:” وأنزل رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وفد ثقيفٍ في المسجد وبنى لهم خيامًا لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلَّوا، واستنبط من ذلك رحمه الله: “جواز إنزال المشرك في المسجد، ولا سيما إذا كان يرجو إسلامه، وتمكينه من سماع القرآن، ومشاهدة أهل الإسلام وعبادتهم” (زاد المعاد، 3/751)

2- الوعظ الدائم والصبر على الإقناع:

 فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختلف إليهم مذكرا وواعظا، حتى كان يراوح بين قدميه في السهر معهم ملاطفا ومؤنسا، فمن حديث أوس بن حذيفة -، قال: قدمنا على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في وفد ثقيف، … فكان كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش، ..فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة، قال: “إنه طرأ علي جزئي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه” (أبو داود، 1393).

3- الثبات على المبادئ والقيم:

فقد حاول وفد ثقيف في مفاوضاته مع النبي صلى الله عليه وسلم أن يتنازل لهم عن بعض المحرمات، وأن يتغاضى عن بعض القيم الضامنة للحياة الصالحة، ففاضوه على إباحة الخمر والزنا والربا، حيث كانت هذه المناشط من أعمدة اقتصاد الطائف (السياحة الجنسية والقروض الربوية)، فأبى عليه الصلاة والسلام. وذلك بعدما أخذ عليهم الإقرار بالإسلام كشرط أولي لإمضاء الصلح. كما فاوضوه على ترك الوضوء لكون بلادهم باردة، فأبى عليهم، وعلى عدم الصلاة فقال لهم:” لا خير في دين ليس فيه ركوع” (أحمد، 17913)، إذ الصلاة هي العماد الذي لا يقوم الدين إلا بمعراجه.

‌‌4-الإسلام على الشرط الفاسد:

وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد إمضائه الصلح معهم وعدم تفريطه في القيم الكبرى، تنزّل معهم في بعض القضايا، كعدم إيجاب الزكاة عليهم عامهم ذلك، وعدم استنفارهم للجهاد، تأليفا لقلوبهم، وانتظارا لتمكن الإيمان منه بالتربية والمخالطة والمثافنة للمسلمين، وهو ما تم، فلم ترتد ثقيف عندما ارتدت العرب، فعن وهب قال: سألت جابرا عن شرط ‌ثقيف إذ بايعت، قال: اشترطت على النبي -صلى الله عليه وسلم-: أن لا صدقة عليها ولا جهاد، وأنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك يقول: “سيتصدقون ويجاهدون إذا أسلموا”. (أبو داود، 3025).

وعن عثمان بن أبي العاص: أن وفد ‌ثقيف لما قدموا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنزلهم المسجد، ليكون أرق لقلوبهم، فاشترطوا عليه أن لا يحشروا ولا يعشروا ولا يجبوا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لكم أن لا تحشروا ولا تعشروا، ولا خير في دين ليس فيه ركوع” (أبو داود، 3026).

5- مراعاة الواقع الاجتماعي.

فقد علم النبي صلى الله عليهم وسلم تمكن الشرك منهم، وحبهم المفرط لربتهم “اللات” التي كانت لها كعبة تضاهي كعبة مكة، حيث كانت تستر ويهدى إليها، فلما فاوضوه على عدم هدمها خوفا على أنفسهم من ردة فعل قومهم إن باشروا هم ذلك، فرفض المصطفى ترك مظهر من مظاهر الشرك، ففاوضوه على تركها سنتين ثم سنة، فاقترح عليهم عليه الصلاة والسلام أن يرسل من ينوب عنه لهدم الطاغية،  قائلا: «أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه»،  وتولى ذلك خالد بن الوليد وأبو سفيان بن حرب  والمغيرة بن شعبة الثقفي: ” فلما قدموا عمدوا إلى اللات ليهدموها، واستكفت ثقيف كلها الرجال والنساء والصبيان، حتى خرج العواتق من الحجال، لا ترى عامة ثقيف أنها مهدومة يظنون أنها ممتنعة”، فتم الهدم، وأقيم مكانها مسجد كما في حديث عثمان بن أبي العاص: “أن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمره أن يجعل مسجد الطائف حيث كانت طاغيتهم»  (ابن ماجة، 743). وذلك لمحو الذاكرة الشعبية المترعة بدنس الشرك وأوحال الجاهلية.

6- مراعاة الواقع القبلي.

 وذلك في قراءة الحال لقوم ذوي عصبية كبيرة، حيث كانت المنافسة بينهم وبين قريش شديدة من الجاهلية، فخشوا أن يحكمهم قرشي، فاشترطوا ألا يتولى أمرهم إلا واحدا منهم، وهو ما كان، حيث تولى أمرهم سادتهم ورؤوسهم السابقين في الجاهلية الذين أسلموا وحسن إسلامهم من أمثال عبد ياليل بن عمرو، وعثمان بن أبي العاص الذي تعلم القرآن فنصبه عليه الصلاة والسلام إماما للصلاة، وقد تمكن أفراد الوفد المفاوض بدهائهم من تخويف ثقيف من مغبة رفض الصلح واللجج في الخصومة، كما قال ابن القيم: “ومنها: حسن سياسة الوفد، وتلطفهم حتى تمكنوا من إبلاغ ثقيف ما قدموا به، فتصوروا لهم بصورة المنكر لما يكرهونه، الموافق لهم فيما يهوونه، حتى ركنوا إليهم واطمأنوا، فلما علموا أنه ليس لهم بدّ من الدخول في دعوة الإسلام أذعنوا، فأعلمهم الوفد أنهم بذلك قد جاءوهم، ولو فاجئوهم به من أول وهلة لما أقروا به، ولا أذعنوا، وهذا من أحسن الدعوة وتمام التبليغ، ولا يتأتى مع ألباء الناس وعقلائهم” (زاد المعاد، 3/ 526)

والفوائد من قص الوفود وإسلامها زمن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة جدا، وهذه دعوة لإعادة قراءتها والاستفادة منها في هذا الزمن الذي تقاربت فيه الأمم، وحق فيه التبليغ الأمثل والأجمل لهدايات الإسلام.