في بداية نهضات الأمم، تكون الحاجة ماسّة إلى بذل الجهد والتضحية، ومضاعفة العمل، وتحسين الأداء، وانتشار قيمة الإيثار والتعاون، كما تكون الحاجة ماسّة إلى الصدق في القول والعمل؛ خاصة فيما يتعلق بتدبير الشأن العام، وقيادة المجتمع، وإدارته.
ولو أننا نظرنا في تاريخ الأمم التي بنت حضارات سامقة وخلدت ذكرها في التاريخ لوجدنا ذلك واضحًا، ولنا في الجيل الأول لأمتنا خير مثال؛ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يبذلون النفس والنفيس، ولا ينتظرون جزاء ولا شكورًا، كما كان من يتولون أمورهم من العامة، يبادرون إلى تحري أفضل ما يصلح لهم وللجماعة المسلمة آنئذ.
الواجب والحق.. بين تحقيق المثال واختلال الميزان
فإذا ما اختل هذا الشرط في البذل والصدق، فإن المجتمع أو الأمة التي تنشد طريق النهضة الحضارية سيكون طويلا، وسيتعرّج دونما استواء إلى ما لا نهاية، ولعلّنا نلخص ذلك فيما أسماه مالك بن نبي “معادلة الحق والواجب”، فإذا غلب الواجبُ الحقَّ، فإنّ ذلك علامة صحة واستقامة، وبخاصة في الإدارة العامة وسياسة المجتمع والدولة، وخدمة الشأن العام. أما إذا غلب الحقُّ الواجبَ فإن ذلك يتحول إلى عائق أمام استقامة البناء الاجتماعي، وبناء الدولة، وتحقيق النهضة الحضارية.
ولعل من العوائق أو المعيقات التي تواجهنا اليوم، هو اختلال ميزان الواجب والحق، لحساب المطالبة بالحقوق.
ولعل القارئ الكريم يتعجّب من هذا الأمر! فكيف يكون الحق أو المطالبة بالحق عائقًا أمام النهضة الحضارية لمجتمع ما؟
والحقيقة أن المطالبة بالحقوق، إذا لم يسبقها أداء للواجب، تتحوّل إلى موقف احتجاجي، ونفسية انتظارية تنتظر المخلص، ومن يقدم لها العون. هذا من جهة الأفراد والمجموعات. أما من جهة من يتولى الشأن العام، وإدارة وتدبير شؤون المجتمع، فإن ذلك يتحول إلى نوع من الدجل والمغالطة والخداع والمكر، نحو من يتولى شأنهم. وهو ما بات يسمى بالخطاب الشعبوي، الذي يمارسه الساسة والحكام الذين لا يقيمون سياساتهم وإداراتهم على مبدأ التوازن بين الواجب والحق، ولا يبنون برامجهم وأحكامهم على منطق سنني يراعي ما ينبغي أن يتوفر في أي عمل من شروط النجاح.
اختلال السياسة.. بين الحق وتغليب منطق المنفعة
عند إجالة النظر في الميادين التي وقع الاختلال فيها بين الحق والواجب يبرز لنا ميدان السياسة مثالاً صارخًا على هذا الداء، فالسياسة في أصلها إدارةٌ للشأن العام نيابة عن أفراد المجتمع، باختيارهم، حيث نرى في أمتنا منذ أجيال -خاصة منذ خروج المحتل الغربي من ديارنا- أن النزعة السياسوية تسود الواقع، وأن الفعل السياسي انحرف من كونه فعلًا يدير المجتمع وفق إرادة المجتمع وقيمه ومرجعيته وتطلعاته، إلى كونه فعلًا مخلاً بالمرجعية والقيم، ومناقضًا لتطلّعات الأمة، منفصلًا عن القواعد والأسس العلمية التي تقوم عليها السياسة وتدبير الشأن العام، وكلما حضر موعد انتخابات في أي مستوى من مستويات إدارة المجتمع إلا تحولت إلى خداع ومكر وتضليل يمارسه بعض الدجالين لمغالطة أصحاب النوايا الطيبة والسذج من الجماهير، واستخدام جماجم الضعفاء جسرًا للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.
وبدل أن تقوم سياساتنا على مبدأ الواجب، الذي يخدم به السياسي مجتمعه، ويبني خطابه على مبدأ الحق، فإننا نرى هذا الواقع يقوم بتخدير الجماهير بخطاب حالم، إلى جانب أنه يقوم بممارسات ظالمة، لا تؤدي واجبًا، ولا تأتي بحق، وإنما تسعى بشتى الوسائل والطرق لأن تقنع الشعوب والجماهير بأن مشكلاتها تحل من خلال المطالبة بحقوقها التي أخذها الآخرون، في حين أن الحقيقة التي ينبغي أن نعيها، هي أن أداءنا للواجب مقدمة لمطالبتنا بالحقوق.
أداء الواجب سلّمًا للنهوض!
يبعث أداء الواجب على الفعالية واليقظة ويشحذ الوعي، ويقوي من الأداء المنهجي، بينما المطالبة بالحقوق قد تصيبنا بنرجسية، وبعقدة نقص والدونية التي يشعر بها المغلوب المستَلَب، وننتظر الحلول السحرية التي طالما بشّر بها السياسيون المخادعون.
ولعل هذا ما جعل مالك بن نبي يستعمل مصطلح (البوليتيك) الذي أخذه من العامية الجزائرية، التي تجسد عبقرية المجتمع في إبداع مصطلحات تنتقد بها مثل هذه العوائق التي تقف في طريق نهضتها. فهذا المصطلح العامي الجزائري، مأخوذ من الكلمة الفرنسية (Politique) وأعيدت صياغته ثقافيًّا بفرنسية معربة، للتعبير عن العمل والفعل السياسي المتميز بالمخادعة وعدم المصداقية والدجل السياسي والفراغ من المضمون الأخلاقي.
يرى مالك بن نبي وجود فرق شاسعٍ بين “السياسة” و”البوليتيك”، فإذا كانت السياسة “محاولـة تأمل في الصورة المثلى لخدمة الشعب”، فإن “البوليتيك” “مجرد صرخـات وحركـات لمغالطة الشعب واستخدامه[1]. وهذه الأخيرة هي النمط السائد في عالمنا الإسلامي عمومًا وفي عالمنا العربي بوجه خاص، ولذلك فهي نزعة خطيرة تعيق سعي بلداننا لتحقيق نهضة حضارية.
تكمن خطورة هذه النزعة في أنها تشوّه مقاصد السياسة كنشاط يساهم في تطور المجتمع وازدهاره وتنظيم العلاقة المثلى بين الفرد والمجتمع، فيقدم بذلك المجتمع الضمانات الكافية لتطوير قدرات الفرد، ويقدم هذا الأخير للمجتمع خدماته على شكل واجبات.
انظر من حولك، وتأمل في برامج غالب الأحزاب، وأكثر السياسيين، وغالب سياسات دولنا، تجد أغلبها مليئًا بضروب من الهرج والفوضى والشعارات الحالمة والوعود الكاذبة، إذ إنها في أغلبها برامج منتهاها الأسنى الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، وتولي المسؤولية باعتبارها مغنمًا.
هذا الحال يقدّم لنا واقع الأمر، فغالب خطابات هذه الأحزاب ليست إلا تخديرًا لنا بالمطالبة بالحقوق، والتغنّي بالحرية، وترديد الشعارات الحالمة، وليس فيها إعدادٌ لشعوبنا لتحمّل واجباتها وتوفير ضمانات تحضّرها وتعليمها مناهج فعّالة وطرقًا واضحة ومهارات متنوعة لتحقيق تلك الشعارات في شكل واجبات تثمر حقوقًا لجيلنا وأجيال المجتمع في المستقبل، مثل بقية الشعوب التي لم يخدّرْها سياسيّوها، ولم يمارسوا عليها “البوليتيك”.
ينبغي في بداية العمل من أجل تحقيق نهضة حضارية لأمتنا، “ألا يغيب عن نظرنا أن (الواجب) يجب أن يتفوق على (الحق) في كل تطوّر صاعد، إذ يتحتّم أن يكون لدينا دائمًا محصول وافر، أو بلغة الاقتصاد السياسي (فائض قيمة). هذا (الواجب الفائض) هو أمارة التقدّم الخلقي والمادي في كل مجتمع يشق طريقه إلى المجد”[2].
