لم تكد عواصف حروب الردة تهدأ في شبه الجزيرة العربية بفضل حزم الخليفة الأول أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ حتى اتجهت أنظار الصديق نحو آفاق أرحب لتأمين حدود الدولة الفتية ونشر رسالة الإسلام، وكانت الوجهة الأولى نحو العراق، المعقل الاستراتيجي للإمبراطورية الفارسية التي طالما مثلت ثقلاً سياسياً وعسكرياً في المنطقة، ولم يكن التحرك نحو العراق مجرد توسع عسكري، بل كان قراراً استراتيجياً مدروساً انطلق من إدراك عميق لطبيعة التحديات التي تحيط بالدولة الإسلامية الفتية.
التخطيط وازدواجية الهجوم
اعتمد أبو بكر الصديق في خطته لفتح العراق على استراتيجية التطويق والهجوم المزدوج، حيث جرد جيشين متزامنين لضمان تشتيت قوة الفرس؛ فوجّه الجيش الأول بقيادة خالد بن الوليد وأمره أن يطرق أبواب العراق من جهته الجنوبية، في حين وجه الجيش الثاني بقيادة عياض بن غنم ليبدأ زحفه من شمال العراق وشرقه على أن يلتقي القائدان لاحقاً.
وقد كان المثنى بن حارثة الشيباني قد أشار على الخليفة بقتال الفرس، وطلب من الصديق أن يجعله أميرًا على قومه للبدء بذلك؛ فاستجاب له الصديق، وكان في قتال المثنى للفرس رفع لمعنويات المسلمين لقتالهم لاحقًا؛ ولأنه الأخبر بالفرس قال فيهم: “إن الله أذهب بأسهم وأوهن كيدهم، فلا يروعنَّكم رهاء ترونه…، ولا نبال طوال، فإنهم إن أعجلوا عنها أو فقدوها؛ كانوا كالبهائم أينما وجهتموها اتجهت”، ثم إن الصديق قد أمر المثنى باستقبال خالد بن الوليد، والانضواء تحت لواء قيادته طيلة مقامه في العراق، وهو ما امتثل له المثنى؛ ليكون خير سند وعون لجيوش المسلمين.
معارك الاستنزاف
انطلقت شرارة الفتوحات الإسلامية محققة سلسلة من الانتصارات المذهلة التي أسقطت هيبة الفرس وأرعبت قلوبهم، بدأت هذه الملحمة بمعركة “ذات السلاسل”، حيث برز خالد بن الوليد للقائد الفارسي “هرمز” فقتله، وتصدى القعقاع بن عمرو للحامية الفارسية التي خرجت لقتل خالد ففتك بها وأبادها؛ لتنتهي المعركة بنصر كبير للمسلمين، غنموا معه غنائم ضخمة.
ثم تلت معركة ذات السلاسل معركةُ “المذار”، ثم معركة “الولجة” التي تجلت فيها أروع صور الحرب النفسية؛ إذ أقدم خالد بن الوليد على قتل رجل من الفرس كان أعداؤه يعدونه بألف رجل! ثم اتكأ على جثته ودعا بغدائه ليأكل، في مشهد مقصود لإذلال الفرس، وكسر جبروتهم واستخفافاً بقوتهم.
ثم استمرت العجلة العسكرية تدهس معاقل الفرس في ” أُلَّيْس” و”أمغيشيا”([1])، ولما تواترت بشائر هذا الفتح العظيم إلى المدينة المنورة، أطلق أبو بكر الصديق مقولته الشهيرة التي خلدها التاريخ في خالد بن الوليد، قائلاً لقريش: “عدا أسدكم على الأسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينسلن مثل خالد”.
معركة الفراض وتأمين المكتسبات
لم تقتصر عبقرية خالد بن الوليد على حسم المعارك، بل امتدت لتأسيس واقع سياسي وعسكري جديد؛ فقد اتجه رضي الله عنه إلى “الحيرة” وفتحها وصالح أهلها على الجزية “وترامت أخباره إلى الدهاقين والرؤساء فأقبلوا إليه يصالحونه، حتى لم يبق ما بين قرى سواد العراق إلى أطرافه من ليس مولى للمسلمين، أو على عهد منهم”، واتخذ خالدٌ من الحيرة قاعدة انطلاق لعملياته العسكرية اللاحقة، وعين عليها القعقاع بن عمرو أميراً، ثم توغل رضي الله عنه بجيشه بعد ذلك لفتح الأنبار (ذات العيون)، وعين التمر، ودومة الجندل التي التقى فيها بعياض بن غنم، مروراً بوقعتي الحصيد والمصيخ.
وقد قتل المسلمون في وقعة المصيخ رجلين كانا قد أسلما ومعهما كتاب أمان من الصديق، ولكن المسلمين لم يعلموا بإسلامهما، قتلهما جرير بن عبد الله البجلي ولبيد بن جرير؛ فلما بلغ الخبر الصديقَ دفع دياتهما وبعث بالوصاة بأولادهما وقال: “كذلك يلقى من يساكن أهل الحرب في ديارهم”، أي الذنب لهما في مجاورتهما المشركين.
ثم توّجت انتصارات خالد الباهرة بالوقعة العظيمة وقعة الفِراض، التي كانت على تخوم العراق والشام والجزيرة الفراتية شمالًا، اجتمع فيها الفرس والروم، وقبائل تغلب وإياد وغيرهم؛ فهزمهم المسلمون هزيمة نكراء، وكانت هذه المعركة من المعارك التاريخية الفاصلة في تاريخ فتوحات العراق، وإن لم تنل من الشهرة ما نالته المعارك الكبرى، فقد حطمت معركة الفِراض معنويات الكفار من الفرس والروم والعرب، وبمعركة الفِراض انكسرت شوكة الفرس في القتال، ولم تعد لهم قوة حربية يخشاها المسلمون.
كانت معركة الفِراض خاتمةَ معارك خالد بن الوليد في العراق، لينتقل بعدها إلى الشام، ويخوض معركة اليرموك بتوجيه من أبي الصديق رضي الله عنهما.
يقول القعقاع بن عمرو التميمي في معركة الفِراض:
لقـــــــينا بالفِراض جموعَ رومٍ
وفرسٍ غمَّها طولُ السَّلام
أبدْنا جمعَهم لـمَّا التقينا
وبيَّتنـا بجمـعِ بني رزام
فما فتئت جنودُ السلم حتى
رأينا القـوم كالغنم السَّوام
خاتمة
مثلت فتوحات العراق في عهد أبي بكر الصديق زلزالاً مبكراً، قوض أركان الإمبراطورية الفارسية، وأثبتت أن الأمة الإسلامية تمتلك من العبقرية العسكرية والإيمان ما يؤهلها لمقارعة أعظم قوى الأرض!