قد نكتب آلاف الكلمات هنا وهناك في رثاء فقيد الوطن، لكنها لا تكفي؛ لأن الفقيد كان رجل المواقف الحاسمة والمشهودة في التاريخ الحديث لهذه الأمة، التي صارت شعوبها -من مغربها إلى عدنها في المائة سنة الفائتة- في بحث دائم عن زعماء وقادة قدوات ثقات، فلا تجد إلا القليل القليل، وأحسب أن من تلك القلة فقيدنا الشيخ حمد، رحمه الله وأكرم نزله.

أن يتنازل حاكم عربي طواعية وهو في أوج عطائه وتألقه عن الحكم، كان خبرا صحفيا مثيرا للاهتمام في صيف 2013، لا سيما في العالم العربي، الذي ألف الناس فيه منذ عقود طويلة أن الحاكم بأمره لا فترة صلاحية له؛ فهو صالح للبقاء منذ أن يجلس على كرسيه إلى أن يقضي الله فيه أمرا كان مفعولا. لكن أن يتنازل حاكم في قمة عطائه طواعية، فهذا أمر غريب لم يصنعه على المستوى العربي إلا قائد صالح واحد هو الرئيس السوداني سوار الذهب، رحمه الله، وكان ذهبا فعلا. ثم يأتي من بعده قائد عربي ثان هو الشيخ حمد، ليثبت أنه لا يقل عن ذاك الرئيس الصالح الذي لا يزال الناس يذكرونه بخير، وهو ما سيكون بإذن الله مع فقيدنا حمد، طيب الله ثراه.

تحدث كثيرون عن جوانب متنوعة من حياة الفقيد، مما يغني عن تكرارها، فتحدثوا عن حبه لوطنه وأمته العربية والإسلامية، وتحدثوا عن حبه لشعبه وللشعوب العربية والمسلمة، وحبه لنشر الخير في كل مكان، بدليل كثرة آثاره الطيبة حول العالم، من مساجد ومراكز إسلامية وثقافية وكيانات تعليمية وتربوية وأوقاف هنا وهناك، وغيرها الكثير الكثير.

اهتمامه بكل إبداع وإنتاج وطني جعله ينزل للميدان الشعبي بنفسه، يتابع ويتفقد ويسأل ويتابع. ومثال واحد فقط على ما أقول -وهو حدث عايشته بنفسي- كان في أغسطس من عام 1994 حين كنت أحد أعضاء مجلس إدارة مركز شباب الدوحة، وكان مركزا شبابيا ثقافيا، أو شعلة نشاط في تلك الفترة، قبل أن تداهمنا كل التقنيات الحالية من شبكة إنترنت ووسائل تواصل وملهيات عديدة.

لفت انتباه الشيخ حمد -رحمه الله- تنوع وكثرة نشاط هذا المركز منذ أن بدأ أوائل عام 1992، وتنوع مجالات نشاطه من ثقافة وفكر وخدمات مجتمعية، إلى جانب أنشطة تربوية وعلمية وإعلامية، فحرص على أن يزوره بنفسه ويلتقي بشبابه وبعض كهوله في القيادة الإدارية، فكانت زيارة مباركة منه للمركز. وكان يرأس مجلس الإدارة الدكتور درويش العمادي، وكان من ضمن المجلس الدكتور محمد قطبة -طيب الله ثراه- والدكتور علي الإبراهيم وآخرون.

لاحظ الفقيد -رحمه الله- من ضمن أنشطة وبرامج المركز وجود مجلة شبابية ثقافية تبدو من محتواها أنها خرجت عن نطاق الموضوعات المعتادة في المراكز والأندية الشبابية، بل خرجت عن النطاق المحلي في محتواها وكذلك في انتشارها، وكانت تنافس المجلات القطرية في تلك الفترة، وكانت تحت اسم «المرايا»، وكنت أتشرف برئاسة تحريرها مع عدد من الأسماء اللامعة اليوم، مثل الزميل جابر الحرمي، والزميل عبد العزيز المحمود، وغيرهم ممن لا يتسع المجال لذكرهم.

محتوى المجلة وخطها دفعا بالفقيد -رحمه الله- للثناء على المجهود المبذول في تحريرها، ثم للسؤال عن أي احتياج يراه فريق العمل، فكان بطبيعة الحال الدعم المالي هو نقطة ضعف أي وسيلة إعلامية ناشئة، فأمر من فوره مسؤولي هيئة الشباب والرياضة -الذين كانوا ضمن الحضور يومها- بتقديم دعم مالي فوري للمجلة، ووصل الدعم في أيام معدودات بمبلغ لم يكن لفريق العمل أن يحلم به.

ثم دار حديث جميل بينه وبين فريق الإدارة بالمركز، الذي وجه كل الشكر والتقدير لزيارته التاريخية -رحمه الله- والتي ما زال يتذكرها كل من كان بالمركز يومها من شباب وكهول هم اليوم فوق الخمسين والستين.

مهما نكتب عن الشيخ حمد -رحمه الله- فلن نوفيه حقه؛ فقد كان رجلا قائدا قل نظيره في عالمنا العربي خلال قرن من الزمان. فمهما تحدثنا عن رؤاه الإستراتيجية ومشروعاته المستقبلية لخير وصالح بلده وأمته، ومهما تحدثنا عن أخلاقه وكرمه وسعة صدره، فلن نوفي هذا الرجل حقه.

ولأن الموت حق، وهو نهاية كل حي، وبه ينقطع عمله -كما في الحديث- إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، فسنكون له بإذن الله أولادا صالحين، ندعو له كما ندعو لآبائنا وأمهاتنا بالرحمة والمغفرة والعتق من النار، إنه سميع عليم مجيب الدعوات.