هي رسالة لطيفة للشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله- المتوفى (ت ١٣٧٦هـ)، وتقع في (35) صفحة، طبعت بالجامعة الإسلامية، بالمدينة المنورة – المملكة العربية السعودية، أول مرة عام: 1407، وقدم لها الشيخ عبد الرزاق العباد.
جاءت الرسالة في مقدمة وسبعة فصول..
ففي مقدمة الرسالة بين الشيخ السعدي – رحمه الله- أن راحة القلب وزوال الهموم لها أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، لا تجتمع كاملة إلا للمؤمنين، وغيرهم يتحصلها بنقص.
وفي الفصل الأول: بين أن أعظم أسباب السعادة هو الإيمان والعمل الصالح، حيث وعد الله من جمع بين الإيمان والعمل الصالح بالحياة الطيبة، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: 97]، وبيان ذلك أن النعم تقابل بالشكر والحرص على بقائها، ما يوجب السعادة، وأن المكار والمضار تقابل بالمقاومة والصبر والاحتساب، مما يخفف وطأتها، ولذلك جعل النبي ﷺ أمر المسلمين كله خيرا.
” ومن الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق الإحسان إلى الخلق بالقول الفعل وأنواع المعروف”، و” إن المؤمن المحتسب يؤتيه أجرا عظيما، ومنه: زوال الهم والغم والأكدار ونحوها”.
وفي الفصل الثاني: يبين أن من ” أسباب دفع القلق الناشئ عن توتر الأعصاب واشتغال القلب ببعض المكدرات: الاشتغال بعمل من الأعمال، أو علم من العلوم النافعة، فإنها تلهي القلب عن اشتغاله بذلك الأمر الذي أقلقه”.
وكذلك:” مما يدفع به الهم والقلق: اجتماع الفكر كله على الاهتمام بعمل اليوم الحاضر، وقطعه عن الاهتمام في الوقت المستقبل، وعن الحزن على الوقت الماضي، ولهذا استعاذ النبي ﷺ من الهم والحزن”. وقد جاء في نصيحة النبي ﷺ:” احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز، وإذا أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان”. ( مسلم)
وفي الفصل الثالث بين الشيخ السعدي أن ” من أكبر الأسباب لانشراح الصدر وطمأنينته الإكثار من ذكر الله”، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28] .
ومن أسباب انشراح الصدر: التحدث بنعم الله، فذلك يدفع الهم والغم، ومنه أيضا ما ورد في الحديث:” انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم. فإذا فرح العبد بعطايا ربه له، وتأمل فضله عليه، فإن هذا ” يدفع الهموم والغموم، ويوجب الفرح والسرور”.
وفي الفصل الرابع بين الشيخ السعدي- رحمه الله- أن ” من الأسباب الموجبة للسرور وزوال الهم والغم: السعي في إزالة الأسباب الجالبة للهموم، وفي تحصيل الأسباب الجالبة للسرور”، وذلك من خلال: نسيان ما مضى من المكاره، وأن الانشغال بها من باب العبث والمحال.
وأن يوقن أن المستقبل وإن كان مجهولا؛ فهو بيد الله؛ فيطمئن قلبه لذلك، وأن يدعو بما كان يدعو به النبي ﷺ في هذا:” اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، والموت راحة لي من كل شر”.
وفي الفصل الخامس: بين الشيخ أن من أنفع الأسباب لزوال القلق والهموم ” أن يسعى في تخفيفها بأن يقدر أسوأ الاحتمالات التي ينتهي إليها أمر، ويوطن على ذلك نفسه”، ” فإن توطين النفس على احتمال المكاره، يهونها ويزيل شدتها، وخصوصا إذا أشغل نفسه بمدافعتها بحسب مقدوره”.
وفي الفصل السادس: أبان أن من أعظم العلاجات لأمراض القلب والبدن:” قوة القلب وعدم انزعاجه وانفعاله للأوهام والخيالات التي تجلبها الأفكار السيئة”، فإذا اعتمد العبد على ربه، ولم يستسلم للأوهام، اندفعت عنه الهموم والغموم وزالت عنه كثير من أسقام البدن والقلب، وحصل له الانشراح والسرور، ” فكم ملئت المستشفيات من مرضى الأوهام والخيالات الفاسدة”. وكم أثرت الخيالات على الأقوياء قبل الضعفاء.
وفي الفصل السابع: يشير الشيخ السعدي إلى فوائد حديث:” لا يفرك مؤمن مؤمنة، إن كره منها خلقا رضي منها خلقا آخر” (مسلم)، فمن فوائده: أن من وجد ما يكره في زوجته أو قريبه، فليقارن ذلك بما فيهم من المحاسن؛ فتدوم الصحبة والاتصال، وتتم الراحة، والفائدة الثانية: زوال الهم والقلق وحصول الراحة بين الطرفين بالقيام بالواجبات بينهم.
وفي الفصل الثامن: يلفت الانتباه إلى قصر الحياة، فلا يزيد قصورها بالهم والاسترسال مع الأكدار، بل عليه أن يعيش الحياة الصحيحة السعيدة، وأن يوقن أن أذية الناس لا تضره إن ترك الانشغال بها، فإن:” حياتك تبع لأفكارك، فإن كانت أفكارا فيما يعود عليك نفعه في دين أو دنيا، فحياتك طيبة سعيدة، وإلا فالأمر بالعكس”. ومما يعين على ذلك ” أن لا تطلب الشكر إلا من الله”، ولا تبال بشكر من أنعمت عليه.
ومن دواعي الراحة تحويل السلبيات إلى إيجابيات، وحسم الأعمال في الحال والتفرغ في المستقبل، فإذا حسمت كل شيء بوقته؛ أتيت الأمور المستقبلية بقوة تفكير وقوة عمل.
ومن الأمور المعينة على الراحة والسعادة تخير الأهم فالأهم من الأعمال النافعة، مما تميل إليه النفس؛ فإن ذلك يبعد السآمة والملل، والاستعانة على ذلك بالفكر الصحيح والمشاورة والدراسة الدقيقة، ثم التوكل على الله.
الخلاصة:
تعد هذه الرسالة من أروع الرسائل التي تجمع بين الرؤية الإيمانية والاجتماعية، كما أنها تعد لونا من ألوان علم النفس الإسلامي، وتكشف في الوقت ذاته الفكر العميق والخبرة الواسعة للشيخ – رحمه الله- وأن فكره وعلمه لم يكن يقتصر على دارسة العلوم الشرعية، بل يتعدى إلى فهم الواقع الاجتماعي، والغوص في خبايا النفس البشرية، والعناية بقضايا الإنسان، وعلى رأسها البحث عن السعادة في الحياة.
