ذكرت صحيفة (فاينتشال تايمز) أن هناك تزايدا في إقبال الأسر الخليجية الغنية نحو كتابة الوصية بتوزيع الميراث في بريطانيا حسب القانون الإنجليزي، وذلك بهدف المساواة بين الذكور والإناث في توزيع الميراث، وهروبا من القوانين في بلاد المسلمين التي تبنى على أحكام لا يجوز تجاهلها في توزيع الميراث. وجاء التقرير بعنوان ( Wealthy Gulf families look to London to make gender-balanced wills ) ونشر بتاريخ 30 يوليو 2026 م. (1)
مبدأ الوصية في القانون الإنجليزي
ويتبع القانون الإنجليزي في الميراث مبدأ الحرية المطلقة في التوزيع، التي تجعل سلطة الموصي بالتصرف في الوصية سلطة مطلقة مائة بالمائة، فمن حقه أن يوصي لمن يشاء بما يشاء من ماله، وأن يمنع من يشاء أيا كانت درجة قرابته من ميراث ماله، حتى لو كان أحد أبنائه، أو أحد الزوجين، أو أقاربه من الدرجة الأولى.
ويمكن القانون لصاحب المال المساواة بين الذكر والأنثى، كما يسمح للأولاد غير الشرعيين الذين ولدوا عن طريق الزنى بالميراث إذا ثبت نسبهم بالبصمة الوراثية، وكذلك يجوز للطفل المتبنى أن يرث مثل الولد بالنسب. ويضعون بعض الشروط الشكلية، مثل:
- أن تكون الوصية مكتوبة وليست شفهية.
- أن يوقع عليها بنفسه.
- أن يَشهد عليها شاهدان من غير أصحاب الوصية بالميراث.
وفي الوقت ذاته يسمح قانون توفير أفراد الأسرة والمعالين لعام 1975م في بريطانيا للزوج المهمل أو الأبناء المحرومين من الوصية بطلب إلى المحكمة بإعالتهم من التركة، فإن حكم لهم بذلك؛ حددت لهم المحكمة نفقة شهرية وليس نصيبا من الميراث.
أسباب اللجوء إلى القانون الإنجليزي
وتُرجع التقارير توجه بعض العائلات الخليجية الغنية إلى تسجيل الوصية بالميراث في إنجلترا بسبب مبدأ حرية الوصية في القانون الإنجليزي، فهم من يحددون من يرث وكم يرث. كما أن من أهم الدوافع وراء ذلك تحقيق المساواة بين الأبناء والبنات في الميراث، وبخاصة في العائلات التي لديها بنات فقط، أو عدد من البنات يفوق عدد الأبناء، ويسعون لحماية مستقبلهن ماليا وفق رؤيتهم.
كما يرجع التقرير أن هذا التوجه مرده – أيضا- إلى اندماج أبناء العائلات الخليجية في المجتمع الغربي، وتأثره بالثقافة الغربية وبخاصة الأجيال التي درست وتعلمت وعاشت في البلاد الغربية، بالإضافة إلى الرغبة في التحكم في توزيع الثروة في ظروف خاصة، والتي تسمح لصاحب المال بمنع أحد المستحقين للورثة بعد موته من الإرث، وحصرها في بعض الورثة حسب رغبته.
التأصيل الشرعي للوصية خارج قواعد الشرع
والتأصيل الشرعي لقيام بعض المسلمين بتسجيل الوصية بعيدا عن قواعد الشرع، ووفقا لبعض القوانين غير الإسلامية، كالقانون الإنجليزي وغيره، ما يلي:
أولا- كتابة وصية الميراث
الواجب شرعا كتابة وصية الميراث وفق أحكام الشريعة التي أنزلها الله تعالى في كتابه، وعلى لسان رسوله – ﷺ-، وأن مخالفتها باطلة في الشريعة، وهي كذلك باطلة في قوانين الأحوال الشخصية في بلاد المسلمين، ويعد مثل هذا العمل لا اعتبار له شرعا وقانونا، مع الإثم الذين يلحق صاحبه يوم القيامة، ولا تنفذ وصية على أمواله التي في بلاد المسلمين.
ودليل تحريم تقسيم الميراث على غير قواعد الشرع، قوله تعالى بعد الحديث عن أنصبة الميراث في الآيتين الحادية عشرة والثانية عشرة من سورة النساء، حيث عقب الله تعالى بقوله: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) (النساء: 13-14).
فيجب على المسلم الالتزام بأحكام الله تعالى في الميراث، فلا يزيد وارثا عن حقه، ولا ينقصه عن حقه الذي فرضه الله تعالى له، فالمخالفة ليست مجرد خطأ مالي أو قانوني، بل هي تعد على حكم الله يستوجب عقاب الله في الآخرة، وإلغاء وصيته في الدنيا؛ لأن قواعد الميراث التزام إلهي وليست حرية فردية مطلقة.
والأولى من كل ذلك ترك كتابة الوصية بتقسيم الميراث؛ لتقسم وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية في بلاد المسلمين.
ثانيا- المساواة بين الذكر والأنثى
اتبع النظام الإسلامي في الميراث مبدأ (العدل) وليس مبدأ المساواة؛ فليس كل مساوة عدلا، بل قد تكون المساواة في كثير من الأحيان ظلما، وهذا الظلم كما يقع على الرجل؛ فإنه يقع على المرأة، والإسلام في تقسيمه للميراث لم ينظر إلى نوع الجنس ذكرا أو أنثى، بل حددت الأنصبة وفق نظام عادل، يراعي درجة الوارث من الميت. ففرق بين الوارث القريب والوارث البعيد، فكلما اقتربت درجة الوارث – ذكرا أو أنثى- من الميت؛ كان نصيبه أوفر، فالأولاد نصيبهم أكبر من الإخوة والأخوات؛ لأنهم أقرب إلى الميت.
وكذلك: جهة القرابة، ومنها: المسؤولية المالية على الوارث، فالأولاد الذكور مسؤوليتهم أكبر من الأولاد الإناث؛ لأن النفقة واجبة على الذكر – في الغالب- بخلاف الأنثى، فهي منفق عليها، فليس من العدل أن تأخذ مثل أخيها الذي ينفق على زوجته وأولاده وغيرهم، وهي ينفق عليها زوجها. كما أن من أهم عوامل تحديد الأنصبة درجة الحاجة إلى المال، وذلك مثل نصيب الفروع، كالأبناء، ونصيب الأصول كالأب والأم، فحاجة الأبناء إلى المال أكبر من حاجة الأب والأم إلى المال؛ لأن الأبناء مقبلون على الدنيا، بخلاف والدي المتوفى؛ فحياتهم – في الغالب- أقصر من حياة أبناء المتوفى.
كما أن الشرع الحكيم لم يجعل نصيب كل ذكر ضعف نصيب كل أنثى، فهناك حالات يكون نصيب الذكر ضعف الأنثى، كالابن مع البنت، والأخ الشقيق مع الأخت الشقيقة. وهناك حالات يتساوى فيها الذكر والأنثى، وهي تعد بعشرات الحالات، ومن أمثلتها: ميراث الإخوة لأم، فللذكر مثل حظ الأنثى. وهناك حالات كثيرة تأخذ الأنثى أكبر من نصيب الذكر، كنصيب البنت في حال عدم وجود ابن وارث، ونصيب الأخت الشقيقة في حال عدم وجود فرع وارث، وغيرها من عشرات الحالات التي يكون نصيب الأنثى أكبر من نصيب الذكر الوارث. بل هناك حالات كثيرة، تحجب الأنثى الوارثة ذكورا من الوارثين، فإن طبقت الوصية بالميراث في مثل هذه الحالات، فقد أوقعت الظلم على بعض الفئات بما في ذلك الإناث اللاتي جعل الشرع نصيبهن أكبر من نصيب الرجال.
ثالثا- ميراث أولاد الزنى والأولاد بالتبني
كما أن من مظاهر الظلم في الوصية بالميراث وفق القانون الإنجليزي وغيره من القوانين الوضعية أنه يساوي بين الأبناء وأدعياء الأبناء، كولد الزنى والولد بالتبني، وقد نفى الله تعالى صحة نسبهم إلى الوارث.
ففي ولد التبني قال الله تعالى: “وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ” الأحزاب: 4، وقال: “ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ” الأحزاب:5. وفي حديث ابن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي ﷺ قال: “من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. رواه البخاري.
كما اتفقت كلمة الفقهاء على أن ولد الزنى لا يرث، إن نفى الزوج النسب؛ لأنه ليس ولده، وليس له أن يشارك أبناء الموروث؛ لأنه أجنبي عنهم.
رابعا- الوصية لغير الوارث
رغم أن الشرع حدد الوارثين وميزهم عن غيرهم، إلا أنه أفسح المجال لصاحب المال أن يوصي لغير الورثة في حدود ثلث التركة، لحديث: “الثلث، والثلث كثير”، ممن يرى أنهم بحاجة إلى المال، أو أراد أن يكرمهم بشيء من ماله، فأقر الإسلام مبدأ حرية التصرف في مال الإنسان في حدود الثلث، فتتحقق الموازنة بين حفظ حق الورثة بعد موت الموروث، وحقه في أن يتصرف في حدود ثلث ماله، فيهبها بعد موته من يشاء حسب شروطه.
والأصل في الوصية قوله تعالى: “كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين”، ونسخت الآية في الورثة، بحديث: “لا وصية لوارث”، ومن ذلك قوله تعالى تأكيدا على الوصية: “من بعد وصية يوصي بها أو دين”، ولهذا جعل النبي ﷺ الوصية في غير الورثة، وجمع بينها وبين حق الورثة في ميراثهم، فقال: “إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث”.
ومع ذلك، فيجوز أن يوصي صاحب المال لبعض الورثة بأزيد من حقه، لكنها وصية موقوفة على موافقة الورثة، فيكون الأمر بالاختيار لا بالإجبار، فتحفظ العلاقات الاجتماعية بين الأقارب، لا أن تملأ ساحات القضاء بالمنازعات والاختلافات، ويتحقق قول الله تعالى فيهم: “فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَاطِعُوا أَرْحَامَكُمْ” محمد: 22.
الحلول الشرعية لإشكالات الميراث
قد يتساءل بعض المسلمين عن الحلول الشرعية لبعض الإشكالات الاجتماعية التي يعيشها الناس، ويبحثون لها عن حل لا يخالف الشريعة، وكيف يجمعون بين التزام أحكام الله تعالى وتحقيق بعض أغراضهم في الوقت ذاته بما لا يخالف تلك الأحكام؟ وبيان ذلك ما يلي:
- أولا- الهبة والتبرع: يجوز للإنسان حال حياته التصرف في ماله في غير ما حرم الله تعالى، ومن ذلك التصرف في ماله على سبيل التبرع، أو الهبة، حتى لو كان لبعض الورثة كالبنات ونحوها، فيمكن للإنسان – رجلا أو امرأة- أن يهب بناته بعض ماله، فيشتري لهم مثلا سيارة، أو شقة أو عقارا، او أسهما ونحوها على سبيل الهبة، ويستحب أن يكون ذلك سدا لبعض حاجاتهم الدنيوية، وليس المقصود منه التهرب من قسمة الميراث.
- ثانيا- الوصية في الثلث: التصرف في بعض ماله على سبيل الوصية التي لا تتجاوز الثلث كما سبق بيانه، بشرط أن يكون لغير الورثة، أو لبعض الورثة، بشرط موافقة بقية الورثة على ذلك، ولو أن يوصي الورثة بذلك، وأن يقنعهم بالموافقة على وصيته بعد موته، ويبين لهم الأسباب التي دفعته إلى ذلك.
- ثالثا- الوقف: أجاز الشرع للإنسان أن يتصرف في بعض ماله أو كله على سبيل الوقف، سواء أكان وقفا للخيرات، ينفق ريعه في أعمال البر والخير، أو وقفا على الذرية، فيوقف على بعض أبنائه وبناته او أقاربه بعض ما يملك من العقار أو غيره من المال غير المنقول.
كيف يقسم المسلم المقيم في الغرب ميراثه؟
وفي هذا المقام يأتي تساؤل من نوع آخر، بخلاف هذه الفئة، وهو: كيف للمسلم الذي يقيم في بريطانيا أو وغيرها من بلاد غير المسلمين أن يقسم ميراثه وفق أحكام الشريعة دون أن يخالف قانون البلد؟
والحق أن مثل هذا المسلك يتطلب ثقافة قانونية تحيط بقوانين البلد الذي يعيش فيه المسلم، فهناك قوانين حاكمة لتوزيع مال الميت، وهي في غالبها تخالف أحكام الشريعة، لكن القوانين تسمح – غالبا- بتغيير ذلك عبر الوصية ذاتها التي يلجأ إليها بعض المسلمين لمخالفة أحكام الشريعة، فالوصية ذاتها هي التي تسمح للمسلم في بريطانيا وغيرها من بلاد غير المسلمين أن يقسم ماله وفق أحكام الشريعة، لأنها تتبنى مبدأ الحرية المطلقة في التصرف في المال بعد الوفاة.
فعلى المسلم أن يسجل وصيته بتقسيم ماله وفق أحكام الشريعة، ولكن لا ينص في الوصية أن توزع وفق أحكام الشريعة، وإنما يعطي كل وارث حقه المقدر شرعا وفق قواعد الميراث، ويجعلها قسمة بالمال، بأن يحدد نصيب كل شخص بمبلغ يساوي قيمة حصته من الميراث الشرعي. كما له أن يدخل – مع ذلك- الوصية غير الواجبة في حدود الثلث، لغير الورثة من الأقارب أو الأجانب أو أعمال البر والخير، وأن يستوفي الشروط القانونية في ذلك، بأن تكون مسجلة كتابيا في المحكمة أو الجهة المختصة، وأن يوقع عليها، وأن يشهد اثنين على وصيته؛ حتى تكون نافذة قانونا، مع موافقتها لأحكام الشريعة في تقسيم الميراث.
خلاصة
إننا اليوم بحاجة إلى البحث عن حلول لمشكلات الناس الاجتماعية، وفق رؤية تجمع بين أحكام الشريعة الثابتة، واحتياجات الناس المتغيرة والمتنوعة، وبما لا يخالف قوانين البلد الذي يعيشون فيه.
ولا يقتصر دور الفقهاء على بيان التحريم والمخالفة فحسب، بل لابد من أن يرشدوا الناس إلى البدائل المباحة، وذلك هو عين الاجتهاد المحمود، الذي يجمع بين ثبات الأحكام وتنوع الوسائل، والذي يراعي تغير الثقافات بما يضبط حركة المسلم، ولا يجعله ينحاز إلى الثقافات الراكدة أو الوافدة، بل تكون ثقافته مطلقة من الشرع، مع مراعاة حاجات الواقع الاجتماعي.
