هل يمكن لشعوبٍ أن تتحرر وهي لا تزال تحلم بأدوات مستعمريها؟ وهل يمكن لأمة أن تستعيد سيادتها فوق الأرض، وهي لم تستعدها بعدُ في فضاء المخيلة؟ في لحظة تاريخية فارقة، يعيش فيها الإنسان في المجال العربي الإسلامي حالة من “الاستلاب الحضاري” التي تجاوزت السيطرة على الجغرافيا والموارد، لتمتد إلى احتلال العقول وتنميط الوجدان، يأتي كتاب الدكتور سمير ساسي: “الدين والخيال والمقاومة؛ من أجل إعادة بناء الإنسان” الصادرة طبعته الأولى في نوفمبر 2025 عن دار ميسلون للثقافة والترجمة والنشر، ليكون بمثابة بيان فكري واستنهاض معرفي.
لا ينظر ساسي إلى الخيال كونه كمالاً فنياً أو هروباً من الواقع، بل يقدم فرضية جسورة تقلب موازين الفهم التقليدي للصراع الحضاري؛ فالصراع في جوهره هو “معركة خيال”. الحضارة التي تملك القدرة على تخيل مستقبلها وصناعة نماذجها هي التي تسود، بينما الحضارات التي ينحسر خيالها وتجف منابع إبداعها تخرج قسراً من دائرة الفعل التاريخي لتتحول إلى “كائنات تابعة” تستهلك أحلام الآخرين وتعيش في أطرهم الجاهزة.
من خلال هذه القراءة، سنبحر في مشروع ساسي التفكيكي، لنكتشف كيف تحول “أسر المخيلة” إلى أداة للهيمنة، وكيف يمكن للثالوث (الدين، والخيال، والمقاومة) أن يمثل مثلث النجاة لاستعادة “السيادة الذاتية” وإعادة بناء الإنسان الذي أثقله الاغتراب، تمهيداً لـ “نهضة حضارية” لا تبدأ من المصانع أو الثكنات، بل من تحرير الفضاء الأول للإنسان: خياله.
وللإشارة، فإن سمير ساسي كاتب وباحث وإعلامي تونسي له مشاركات عديدة في ملتقيات علمية مختلفة ومقالات في مجلات محكَّمة. من مواليد 1967، من مواليد لالة بمدينة قفصة بالجنوب التونسي، حاصل على الدكتوراه في اللغة والآداب والحضارة العربية من جامعة تونس الأولى، ماجستير في الحضارة العربية من جامعة منوبة تونس، عضو مخبر البحث “الظاهرة الدينية في تونس” بجامعة منوبة، من مؤلفاته: مشروعية السلطة في الفكر السياسي الإسلامي، المواطنة بين الديني والسياسي عند برهان غليون، برج الرومي أبواب الموت (رواية)، خيوط الظلام (رواية)، بيت العناكش (رواية)، المغتصبون (رواية)، سفر في ذاكرة المدينة (مجموعة شعرية)، وكتاب (الدعاء والسياسة؛ تحرير الفضاء العام في الإسلام).
في الحاجة إلى “خيال مقاوم”
يعيش الإنسان في المجال العربي الإسلامي المعاصر حالة من الاستلاب الحضاري التي تتجاوز التبعية السياسية والاقتصادية لتصل إلى عمق البنية الذهنية والوجدانية. في هذا السياق القلق، يأتي كتاب “الدين والخيال والمقاومة؛ من أجل إعادة بناء الإنسان” للدكتور سمير ساسي، الصادر عن مؤسسة ميسلون للثقافة والترجمة والنشر (2025)، ليمثل صرخة فكرية ومحاولة منهجية لتفكيك آليات الهيمنة الغربية على “المخيلة العربية”.
ينطلق ساسي من فرضية جسورة مفادها أن الصراع بين الحضارات ليس صراعاً على الموارد أو الحدود فحسب، بل هو في جوهره “صراع خيال”؛ فالحضارة التي تملك القدرة على تخيل مستقبلها وفرض نماذجها هي التي تسود، بينما تخرج الحضارات التي ينحسر خيالها من دائرة الفعل التاريخي.
هذا العرض سيتناول الأبعاد الفكرية العميقة التي يقدمها ساسي، مستكشفاً كيف يمكن للخيال، المرتبط بالدين والمقاومة، أن يكون أداة لإعادة بناء الإنسان وتحقيق النهضة الحضارية المنشودة في مواجهة التحديات الراهنة.
الخيال كأفق للهيمنة والصراع الحضاري
يطرح الدكتور سمير ساسي رؤية فلسفية تربط بين سعة الخيال والسيادة الحضارية. فالخيال في نظره ليس مجرد كمال أدبي أو شطحات فنية، بل هو “قدرة إنسانية سيادية” تشبه الوعي بالذات. يرى ساسي أن تاريخ الصراع بين الحضارات هو تاريخ صراع الخيال، فكلما اتسع خيال حضارة ما هيمنت على غيرها، وكلما انحسر خيال حضارة خرج أهلها من التاريخ؛ فالإنسان يموت حين يفقد خياله.
فرضية صراع الخيال:
يرى المؤلف أن تاريخ الهيمنة هو تاريخ “اتساع الخيال”. الغرب لم يهيمن بالسلاح وحده، بل نجح في “أسر خيال” الآخرين، ونمذجته وفق قوالب استهلاكية ومعرفية تجعل من الإنسان العربي مجرد “تابع” يحلم بأحلام غيره. هذه الفرضية، وإن بدت مجازفة، يسعى ساسي لإثباتها بالحجة البرهانية المنطقية.
موت الخيال وموت الحضارة:
يؤكد الكتاب أن الإنسان يموت حضارياً حين يفقد قدرته على التخيل المستقل. فالانحسار في المخيلة يؤدي بالضرورة إلى وضعية “التخلف” والارتهان للنماذج الجاهزة، مما يعيق أي محاولة للنهوض الحضاري.
أسر المخيلة ونمذجة الإنسان العربي
يخصص ساسي جزءاً مهماً من تحليله لبحث كيفية نجاح المنظومة الغربية في “استعباد” المخيلة العربية الإسلامية. يرى أن إنسان المجال العربي الإسلامي لم ينتبه إلى أهمية هذه المعركة، لذلك ما يزال تابعًا مرتهنًا للغرب الذي نجح في أسر خياله ونمذجته واستعباده.
النمذجة والاستلاب:
يتم تحويل الإنسان في المجال العربي إلى كائن “منمذج” (Modeled)، حيث يتم التحكم في تطلعاته وقيمه من خلال “صناعة الخيال” الإعلامية والمعرفية التي تفرضها الحضارة المهيمنة. هذا الاستلاب الثقافي يتماشى مع أفكار إدوارد سعيد حول الهيمنة الثقافية وتأثيرها على الشعوب المستعمَرة.
المعركة غير المنتبه إليها:
يشير المؤلف إلى أن النخب العربية لم تنتبه لخطورة “معركة الخيال”، وانصرفت إلى معارك فرعية، مما أبقى الإنسان العربي مرتهناً لمركزية غربية تصيغ له مفهومه عن “التقدم” و”الحداثة” وحتى “الدين. هذا الإهمال لقوة الخيال كأداة للتحرر يعمق من أزمة التبعية.
الدين والمقاومة.. نحو فاعلية جديدة
لا يقف الكتاب عند حدود التشخيص، بل ينتقل إلى بناء أطروحة “المقاومة”. وهنا يلعب الدين دوراً مركزياً ليس كمنظومة طقوسية، بل كقوة دافعة للتحرر وإعادة بناء الذات.
الدين كمحرك للمخيلة:
يرى ساسي أن الدين، في جوهره التوحيدي، يمنح الإنسان أفقاً يتجاوز المادي والمفروض، مما يفتح الباب لـ “خيال مقاوم” يرفض الاستكانة للواقع المشوه. هذا التصور للدين كقوة محفزة للخيال يتجاوز النظرة التقليدية للدين كعائق أمام التقدم، ويجعله مصدراً للإلهام والتجديد.
فعل المقاومة:
المقاومة هنا تبدأ من “استعادة الخيال”؛ أي القدرة على تصور عالم بديل خارج الأطر التي وضعها المستعمر (بالمفهوم الثقافي والفكري). إنها عملية “تحرير الفضاء العام” والخاص من النماذج المفروضة، وهي دعوة للتفكير النقدي والتحرر من التبعية الفكرية.
إعادة بناء الإنسان.. المنهج والهدف
الهدف النهائي للمشروع هو “إعادة بناء الإنسان”. هذه العبارة التي تذكرنا بمشاريع النهضة الكبرى (مثل مالك بن نبي ومحمد إقبال)، تتخذ عند ساسي بعداً جديداً يركز على:
1.التحرر المعرفي: كسر القيود التي تكبل العقل العربي وتمنعه من التفكير خارج الصندوق الغربي، وهو ما يتطلب جهداً فكرياً متواصلاً لتفكيك البنى المعرفية المهيمنة.
2.استعادة السيادة على الذات: من خلال ربط الخيال بحقيقة الصراع التاريخي، واستخدامه كأداة للنهوض الحضاري. هذا يعني أن الخيال يجب أن يكون خيالاً منتجاً وموجهاً نحو التغيير لا مجرد خيال مستهلك.
3.البرهنة المنطقية: يسعى المؤلف لإثبات فرضياته عبر “الحجة البرهانية”، مما يخرج الكتاب من حيز التنظير العاطفي إلى حيز الدراسات الثقافية الرصينة التي تعتمد على التحليل العميق والمنهجية العلمية.
الخيال كبوابة للنهضة
إن كتاب “الدين والخيال والمقاومة؛ من أجل إعادة بناء الإنسان” هو دعوة لاستعادة “الحق في الحلم المستقل”. يضعنا سمير ساسي أمام حقيقة مرة: أننا لن ننهض ما دمنا نحلم بأدوات غيرنا. إن إعادة بناء الإنسان تبدأ من تحرير خياله، وربط هذا الخيال بقيم الدين الحية وروح المقاومة الواعية. إنه عمل تأسيسي يسعى لوضع لبنة في بناء “الاستقلال الحضاري” المنشود، ويقدم رؤية متكاملة للنهوض تعتمد على أبعاد فكرية وروحية عميقة. الكتاب بذلك لا يقدم مجرد تشخيص للمشكلة، بل يطرح خارطة طريق للتحرر والنهضة، مؤكداً أن الخيال هو الشرارة الأولى لكل تغيير حقيقي.
