اقرأ أيضا:
خلال مباراة كرة القدم يتقمص كل فرد من الجمهور شخصية فريقه ويتّحد وجدانيا معه، فتصبح نفسية الفرد ومشاعره خاضعة لأوضاع فريقه فوق الميدان. فإذا أحسن فريق كرة القدم اللعب وانتصر في المباراة انتقل أثر ذلك إلى أنصاره فتراهم فرحين يعبرون عن مشاعر النصر والاعتزاز. وإذا أساء الفريق اللعب وخسر المباراة رأيت أثر ذلك في أنصاره بما يبدو عليهم من انفعالات الحزن والغضب والشعور بالإحباط.
ويَعتبر أنصار الفريق انتصار فريقهم انتصارا لهم وفشله فشلا لهم. ويحقق لهم انتصاره إشباعا نفسيا لحاجاتهم في تحقيق الذات ونيل احترام الآخرين. وتحقيق هذه الحاجات النفسية يُعطي للمرء كتحقيق كل حاجة نفسية شعورا بالراحة والرضا والإشباع. وكل ذلك ما كان ليتم لولا عملية التماثل التي يتعامل بها المرء نفسيّا مع فريقه المفضل. فمن خلال عملية التماثل مع الفريق يتحقق لجمهور المتفرجين بعض حاجاته النفسيّة.
كرة القدم بصفتها لعبة لها نفس الوظائف المرتبطة بممارسة اللعب. فهي نشاط يقصد لذاته لا من أجل شيء آخر، وهي تساهم في تفريغ الطاقة النفسية المكبوتة وتلعب دورا تربويا ودورا تعويضيا: فما لا يتمكن الفرد من تحقيقه في الواقع يحققه في صورة اللعب خياليا. فاللعب هو من أوجه التصعيد التي تلجأ إليها النفس البشرية، و كل هذا يساهم في تحقيق التوازن النفسي للفرد.
ومباراة كرة القدم التي تقع بين فريقين من أجل فوز أحدهما على الآخر بتسجيل أكبر عدد من الأهداف هي صورة مصغرة للمباراة الحقيقية التي يعيشها كل فرد في حياته الواقعية وتقع بينه وبين طرف أو أطراف أخرى، ويكون محورها تحقيق الأهداف الذاتية من خلال تجاوز العوائق التي يضعها الطرف المقابل أو الواقع المعاكس.
وعبر عملية التماثل النفسي مع فريقهم المفضل يعيش أنصار فريق كرة القدم المباراة على المستوى الرمزي وكأنها إحدى مبارياتهم أو صراعاتهم في واقع الحياة. وتكتسي المباراة بالنسبة لنفسيتهم دلالات معينة، فالفريق المفضل هو مرادف للذات والفريق المنافس هو مرادف للقوى الخارجية المعاكسة التي عليهم الانتصار عليها، والمباراة هي مباراة الذات مع عدوها.
والمهاجم من الفريق المنافس الذي ينطلق بسرعة البرق ويخترق الصفوف للوصول إلى المرمى يصبح مرادفا لمعنى الخطر الذي قد تواجهه الذات، ومجرد وقوع الكرة بين قدميه يشعر جمهور الفريق المقابل بالقلق والخوف فتتوقف أنفاسهم حتى ترجع الكرة بين صفوف لاعبي فريقهم ويزول الخطر. والاعتداء على أحد لاعبي الفريق المفضل أو ارتكاب مخالفة خطيرة تجاهه يكون مرادفا للاعتداء على الذات، يقع التعبير عنه بالاحتجاج والمطالبة بالجزاء، وتسجيل هدف في شباك الخصم يكتسي دلالة نفسية مرادفة لتحقيق الذات هدفا لها في معركة الحياة، ويحقق النشوة القصوى التي يستشعرها الفرد عند تحقيق هدفه أو بلوغ حاجته والتغلب على عائق يقف أمامه. أما النتيجة النهائية للمباراة مهما كانت فيعيشها جمهور الفريق الرياضي وكأنها نتيجة لهم في مباراة من مبارياتهم في واقع الحياة.
بالنسبة لعلم النفس التحليلي فإن كرة القدم تؤدي دورا في تلبية وتعويض الحاجات النفسية لجمهور المتفرجين التي لم يتمكن من تحقيقها في واقع الحياة كالحاجة للانتماء والحاجة لتحقيق الذات ونيل احترام الآخرين، وذلك بتصعيدها وتحقيقها خياليا في مباراة كرة القدم عبر التماثل مع فريقه المفضل. ومن أجل ذلك وأشياء أخرى يبذل الجمهور المال والوقت والجهد.
إذا نظرنا إلى كرة القدم من هذه الزاوية يمكننا اعتبار أن درجة الاهتمام الذي يمكن أن تلقاه هذه اللعبة على مستوى الفرد والمجتمع من خلال درجة التماثل مع الفريق المفضل والتحمّس له، ومن خلال كميّة الوقت والمال والجهد المبذول لحضور المباريات ونقلها عبر وسائل الإعلام والتعليق عليها والتفاعل معها، هي جميعها يمكن أن تكون مؤشرا للحاجات والصراعات النفسية المكبوتة لدى فرد من الأفراد أو مجتمع من المجتمعات.
المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين