تأمل قوله تعالى : {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} (فصلت : 29).
تكاد تشعر بالغلِّ الذي يغلي في قلوب الذين خدعهم الشيطان في حياتهم الدنيا، فاتبعوه واتبعوا أولياءه من الإنس.. مشاعرُ غلٍّ وغضبٍ لا يمكن وصفها، بعد أن وجدوا أنفسهم في حالة بائسة في الآخرة، دفعتهم لأن يسألوا الله في ذلكم الموقف العصيب أن يجمعهم بمن كانوا سبباً في وضعهم الحالي؛ يريدون أن يجعلوهم تحت أقدامهم، يفرغون ما في نفوسهم بالضرب والدوس بالأقدام! ولكن هيهات هيهات.
هكذا حال الذين كانوا يُعرضون عن الهداية في دنياهم، واتبعوا أهواءهم وأمزجة من يريدون الدوس عليهم الآن يوم القيامة؛ أولئك الذين مارسوا عليهم الإضلال، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان. وكما جاء في “تفسير الوسيط” للطنطاوي: يريدون الانتقام منهم بأن “ندوسهم بأقدامنا احتقاراً لهم وغضباً عليهم، ليكونوا بذلك في أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثره سعيراً. لتتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب”. هكذا حالهم في النار وهم يتلاومون.
لكن المشهد الذي يستحق الكثير من التأمل، حين يتفاجأ أتباع إبليس من الإنس الذين اتبعوا خطواته لحظة بلحظة، ظناً واعتقاداً منهم في صلاحها وفائدتها، أنه صار أول من يتبرأ منهم ومن أعمالهم: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي} (إبراهيم: 22).
الشيطان الذي هو أصل كل الشرور في الدنيا، يبحث بنفسه عن ذرة رحمة تنقذه مما هو فيه يومئذ، فيما أتباعه من الإنس -على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم- يلومونه على ما هم فيه بسببه، لكنه يكون صريحاً واضحاً معهم يومئذ؛ فيُقرّ بأن الخير الحقيقي هو الذي حمله الأنبياء والمرسلون ومن سار على دربهم، وأنه استطاع إغواءهم والانحراف بهم لمّا وجد قبولاً منهم، فيما الشر الحقيقي هو الذي زيَّنه لهم حتى اتبعوه طوعاً دون أي ضغط أو سلطان.
يلومهم ويذكّرهم بأنَّ العلّة كانت فيهم وفي عقولهم؛ إذ بدلاً من قبول دعوة أولئك الخيّرين، جاؤوا برغبةٍ منهم إليه، وهم يعلمون تحذير خالقهم لهم من اتباع خطواته، ومع ذلك ساروا على الدرب الشيطاني، حتى آلت أمورهم إلى ما هم عليه الآن.. {فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم مَّاۤ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَاۤ أَنتُم بِمُصۡرِخِیَّ إِنِّی كَفَرۡتُ بِمَاۤ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیم } (إبراهيم :22).
