ندم موسى عليه السلام أشد الندم على ما بدر منه تجاه قبطي كان يشاجر رجلا من بني إسرائيل؛ حيث وكزه موسى بقبضة يده فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان يتمتع بها ولم يدرك مداها إلا بعد تلك الواقعة، فشعر حينها أنه ارتكب ذنباً كبيراً.

لم يكد يمر يوم واحد حتى تكرر المشهد؛ المستضعف نفسه يستصرخه مجدداً، فأراد التدخل لمنع الظلم، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما صدر عنه بالأمس، وعلم الجميع أنه هو من قتل القبطي، مما أدى إلى ملاحقته، فاختفى موسى عليه السلام عن الأنظار وصار يتحرك بحذر شديد.

رب بما أنعمت علي

مع تحركاته الحذرة، لم يغادر الذنب خيال موسى عليه السلام؛ فقد شعر بثقل الخطيئة، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه قائلاً: { رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } (القصص :16). وحين استشعر استجابة الله لدعائه، أراد أن يقدم شكر النعمة في صورة عهد عملي، فعاهد الله ألا يقف يوماً في صف المجرمين، فقال: {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} (القصص :17).

هذا العهد -كما يصفه صاحب الظلال- هو التزام مطلق ألا يكون سنداً أو معيناً لأهل الباطل، وهو براءة تامة من الجريمة وأهلها في كل صورها، حتى وإن كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ أو مرارة الظلم. لقد كان هذا الموقف هو رد الجميل لله على توبته، وعلى نعم القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله إياها.

الظهير والمجرم .. دلالات ومواقف

إن أردنا بعض التأمل في القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله.

ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين..

صور المظاهرة المذمومة

إن الوقوف مع الظلم والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا.

عدم الوقوف في صف الباطل والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟ أليس ذلك من العقوق ونكران جميل الخالق عليك؟!

خاتمة

إن دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح “انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره” (رواه البخاري) وعلى هذا ندير حياتنا، ونبني لآخرتنا.

إن الآية الكريمة {رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين} هي رسالة لكل مؤمن ألا يُرى يوماً في معسكر الباطل، بأي صورة من صور الإعانة أو الدفاع أو التمجيد، ولو كان الظالم من أولي القربى.. فالحق أحق أن يُتبع.