مدينة “سالفادور” هي عاصمة ولاية باهيا، تعتبر ثالث أكبر مدينة من حيث عدد السكان في البرازيل بعد مدينتي ” ساوباولو” و “ريو دي جانيرو” حيث يبلغ عدد سكانها 2.714.119 مليون نسمة، وهي أكبر وأغنى مدينة في شمال شرق البرازيل، وتعرف بمدينة السعادة لوجود عدد لاينتهي من مهرجانات الشوارع، كانت العاصمة السابقة لدولة البرازيل وإحدى أولى المناطق التي استوطنها الأوروبيون في الأمريكيتين، وتتميز المدينة بثقافتها وأطباقها المحلية، والتأثير الثقافي للبرازيليين من أصل إفريقي واضح جدا في المدينة، وتعد عاصمة البرازيليين الأفارقة، وجمالها خلاب ومناظرها تسحر العيون، هذه الولاية التي تمتد على مساحة 200كم على ساحل الأطلسي، تقول بعض الروايات أن أصل كلمة ” باهيا ” عربي ومأخوذة من البهاء والروعة، وكان المسلمون يشكلون نصف عدد سكانها في يوم من الأيام.

تعرفت المدينة على الإسلام منذ عهد بعيد حين استقدم البرتغاليون العبيد الأفارقة لاستصلاح تلك المساحات الشاسعة من أرض البرازيل، وشهدت كبرى المعارك بين جنود المملكة البرازيلية والعبيد المسلمين الذين قاموا بثورة شاملة من أجل الحصول على حريتهم وإقامة دولة إسلامية سميت ” بثورة العبيد ” ولكنها فشلت وقدم المسلمون الكثير من التضحيات وفقدوا الكثير من ثوابت الدين، لقد كان المسلمون يعقدون آمالا كبيرة على ثورتهم عام 1835م، بأن تكون نهاية للعبودية وإيذانا بقيام مملكة إسلامية، ولكن أحلامهم تبددت مع قسوة سيوف البرتغاليون وبنادق جنود المملكة التي لم ترحمهم والذين تم استدعاؤهم من باقي الولايات البرازيلية لإخماد هذا الصوت.

قام الشيخ عبد الرحمن البغدادي [1]عام 1867م بزيارة تلك المدينة والتقى بمن بقى من المسلمين على قيد الحياة وحاول إصلاح الفساد الذي استشرى وسطهم فقال رحمه الله “بعض أحوال المسلمين في أبائية، في هذه البلدة من المسلمين أكثر من الأولى غير أن رغبتهم أقل من جهة التعليم وأحوالهم من حيث الجهالة كمثل أصحاب الأولى طبقاً فقط عندهم زيادة من أن الرجل إذا أراد فيما بينهم الزواج اختار ما ترضاه نفسه من بنات أمثاله ووضعها عنده ويمضي على ذلك من الدهر مدة إلى أن تأتي منه الأولاد فإن ظهر بعد ذلك منها أنها كاتمةٌ لسره مدبرة لأمره وذات مودة له عقد عليها وتسمى زوجته، وإن رآها لم تسر كذلك بحسن المسالك يعني ما أعجبته يرسلها مع أولاده منها إلى أبيها ولايرون ذلك فظيعاً ولا كريها، فأول ما بدأت به في هذه البلدة إزالة هذه الخمدة وصرت أستحضرهم شيئاً فشيئاً ويتوب الرجل مع المجربة التي هي عنده وأعقد لهما عقداً بمهر وأعلمتهم أنه يجوز في دين الإسلام الطلاق وعلمتهم كيفية الفراق إن احتيج إليه على قدر الإمكان، وصمت بهذه البلاد رمضان وحصل من المسلمين رغبة في صلاة التراويح وصليتها بهم عشرة ركعات قصد التسهيل عليهم ونساؤهم كنساء الإفرنج غير مستترات وكانت المرأة منهن إذا مات من يعز عليها مثل زوجها أو أبيها أو أخيها تذهب على الكنيسة وتتصدق على الرهبان قصد أن يقرؤوا الإنجيل ويهبوا لميتها الثواب وقد أزيلت بكم جمعية جمعتُ بها النساء وتلاطفت بينهن عقلاً وأغلب أولاد المسلمين في هذه البلدة يخرجون نصارى لأنهم لما يعوا على الدنيا وينظرون احتفال النصارى في الكنائس وكثرة البطارك والقساقس ودق الموسيقات وجمال الحركات ويرى الولد لأبيه فقط مخالف لذلك النمط فيعتقد كذب أبيه ويلحق الجمهور ويسلك الفساد والفجور وأشرت على بعض المسلمين أهل الغناء بحبس أطفالهم إلى تمام رشدهم وتعليمهم ففعل البعض ذلك وأقمت بهذه البلدة نحو سنة لا شغل لي غير تعليم المسلمين وتهذيب أخلاقهم على حسب الوسعة والإمكان ” [2].

ومع مرور الزمن انقطع أثر هؤلاء الأفارقة، ولم يبق إلا الذكريات التي تتحدث عن علمهم وثقافتهم وفضلهم وتأثيرهم في بناء حضارة البرازيل في شتى المجالات.

ومازال الشعب البرازيلي في تلك المدينة متأثرا بالكثير من العادات والتقاليد الإسلامية، فقد أخبرني بعض المسلمين أن الملابس البيضاء كانت عادة يحرص أهل السلفادرو على ارتدائها يوم الجمعة، وكذلك الملابس البيضاء الفضفاضة التي مازالت تردتديها النسوة أو العمامة التي يرتديها الرجال في بعض المناسبات، ليرسموا صورة من الماضي غير البعيد يوم كانت هذه الملابس هي الشائعة بما تمثله من عمق إسلامي جاء مع العبيد المسلمين من إفريقيا، وكذلك سترى الكثير من الكلمات العربية مكتوبة على الأماكن، أو يلفظها الناس في تلك المدينة، فقد اختلطت اللغة البرتغالية بكثير من المصطلحات العربية نتيجة تأثر البرتغاليون بمعاشرة المسلمين في شبه جزيرة إيبيريا، ثم بقدوم الأفارقة منتصف القرن السادس عشر والذين كانوا يجيدون القراءة والكتابة باللغة العربية في حين كان من استعبدهم من البرتغاليين يوصفون بالأمية، ومن المعلوم أن قاموس اللغة البرتغالية يحتوي على أكثر من 3000 ثلاثة آلاف كلمة من أصل عربي، هذا بخلاف الأكلات المشهورة والتوابل التي تعود لأصول إفريقية إسلامية.

من المشاهد الجديرة بالتأمل في تلك المدينة حديقة تسمى ” جنة الله ” تنتصب على ساحل الأطلسي، يقال أن العبيد المسلمين كانوا يجتمعون في تلك الحديقة، وكذلك من المشاهد التي تلفت النظر هذه المدينة كنيسة ” لابيلا ” والتي طلب من العبيد المسلمين بناءها، فكانت تحفة فنية من الداخل تزدان بالنقوش الإسلامية، حتى المنبر يمثل جزءا أساسيا من مكوناتها، ناهيك عن الجدران المزينة بالكلمات العربية، كلها تحكي أن من قام بالبناء أصحاب علم وحضارة.

المسلمون الجدد الآن في المدينة أكثرهم ممن اعتنق الإسلام حديثا، ويجمع شملهم “المركز الثقافي الإسلامي” بمدينة سلفادور، وهو عبارة عن بيت قامت الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بشرائه عام 1992م، وقامت رابطة العالم الإسلامي بإيفاد مبعوث له هو فضيلة الشيخ عبد الحميد أحمد من أصل نيجيري ليكون إماما له، حيث يقوم بجهد مشكور للدعوة إلى الله في تلك المدينة التي كان يبلغ عدد المسلمين فيها في يوم من الأيام نصف عدد السكان، وقد بلغ عدد من أسلموا على يد الشيخ عبد الحميد مائتي مسلم، وعدد المسلمين اليوم في ولاية باهية يبلغ 500 خمسمائة مسلما، أغلبهم ممن اعتنق الإسلام حديثا.

وتعد مدينة ” سلفادور ” من أهم المدن السياحية وبها الكثير من الجامعات، وتحتوي على كثير من الذكريات الإسلامية الممتدة عبر التاريخ، وستكون من المدن التي ستستضيف مباريات كأس العالم 2014م، لذلك فهي بحاجة لمركز كبير يحتوي على مسجد ومصلى ومتحف ليكون منارا وسببا لعودة الكثير من ذوي الأصول الإسلامية، أو ترميم ماهو موجود ليكون مهيئا لاستقبال المسلمين الوافدين من البلدان الإسلامية أو أبناء الشعب البرازيلي المتعطشين للتعرف على الإسلام.

يقول الدكتور حسن بن أحمد النعمي [3] في مقال له عن المسلمين بولاية باهيا، تحت عنوان “فلا مسجد أناجيك فيه” لا يوجد في هذه الولاية الكبيرة – ذات التاريخ الإسلامي العريق – أي مسجد يؤدي فيه المسلمون عباداتهم، وقد أشار إلى ذلك الشاعر الكبير محمد عبد الغني حسن الذي كان يزور أبناءه النازحين إلى البرازيل كل سنة، فقد أغفى إغفاءة طويلة على ربوة تشرف على المحيط الأطلسي في ثغر سلفادور، وقال معبراً عن حزنه وحسرته:

هُناكَ عَلى الرَّبْوَةِ العالِيَهْ = فَقَدْتُ المواسِيَ والآسِيَهْ

فَيا رَبِّ عفواً فَلا مَسْجِدٌ = أُناجِيكَ فِيهِ، وَلا زاوِيَهْ

وهذا نداء لجميع المهتمين بمستقبل الإسلام في بلاد البرازيل لبذل الجهد والفكر والمساعدة المادية والمعنوية للرقي بشؤون الدعوة الإسلامية في تلك البلاد البعيدة عن مهبط الوحي.


[1] عبد الرحمن بن عبد الله البغدادي الدمشقي، ولد في مدينة بغداد ثم انتقل إلى مدينة دمشق، ومنها إلى عاصمة الخلافة العثمانية حيث عين إماما للبحرية العثمانية من قبل أمير البحر في ذلك العهد محمد صالح آتيش باشا.

[2] مخطوطة للشيخ عبد الرحمن البغدادي سماها “مسلية الغريب بكل أمر عجيب” كتبها عام 1867م يروي فيها رحلته من استنبول وصولا إلى البرازيل، ومدة الثلاث سنوات التي قضاها هناك بين المسلمين، وعودته إلى مكة ثم الشام ونهاية باستنبول مرة أخرين والمخطوطة موجودة في مكتبة برلين وتعد من أدب الرحلات.

[3] مدير مركز دراسات اللغة العربية وآدابها والأستاذ المشارك بكلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ومسؤول لجنة أمريكا اللاتينية بالندوة العالمية للشباب المسلم بالرياض.