هل الابتلاء عذاب إلهي ؟

هل الابتلاء عذاب إلهي ؟

حين نرى شخصاً مبتلى في نفسه، أو ماله، أو عياله، أو ما شابه ذلك في القيمة، فقد يتبادر إلى الذهن أحياناً، أن هذا الابتلاء عذاب إلهي لأجل تصفيته أو تنقيته من الذنوب والآثام. وهذا التصور صحيح لكنه باعتبار ما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه “ما يُصيب المسلم من نَصب، ولا وصَب، ولا هَم، ولا حَزن، ولا أَذى، ولا غَم، حتى الشوكة يُشاكها إلا كفّر الله بها من خطاياه”. لكنه رغم ذلك، فهو ليس بالتصور الوحيد لمسألة الابتلاءات والفتن.

وفي هذا السياق، ربما تساؤل هاهنا يفرض نفسه قائلاً: هل الله سبحانه بحاجة لأن يعذب عباده أو يفتنهم ليغفر لهم؟ حاشا لله أن يكون الأمر كذلك. فكيف نفهم الأمر إذن، أو كيف نفهم مسألة الابتلاء والفتن؟ ولكي نفهم المسألة بشكل أكثر وضوحاً وعمقاً، سنتطرق إلى بعض أمثلة ووقائع، ربما تساعدنا على فهم سر الابتلاءات أو المغزى منها في عالم البشر.

من المسائل المهمة المتعلقة بالابتلاء، بالإضافة إلى كونه تصفية وتنقية للإنسان من الذنوب والخطايا، فهو تربية وتهيئة وإعداد لمسؤوليات أكبر، أو إن صح التعبير وكان أكثر دقة، ليتحمل المبتلى الأمانة، التي تتنوع في عالم البشر. تلك الأمانة التي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها، وحملها الإنسان.

فتنة الملك طالوت

معاناة بني إسرائيل كانت كبيرة مع ملك ظالم جبار هو جالوت. حتى إذا بلغوا حداً لا يطاق من المعاناة والعذاب، ذهبوا إلى نبيهم وسألوه أن يدعو الله ليخلصهم من هذا الظالم. فكانت القصة المعروفة، واختيار طالوت، صاحب العلم والجسم، ملكاً عليهم، فكان أول اختبار لهم على صدقهم وقدرتهم على تحمل المسؤولية والأمانة.

فشل كثيرون منهم في الاختبار الأول باعتراضهم على اختيار طالوت ملكاً عليهم بحجة أنه لم يؤت سعة من المال! لاحظ معي معيارهم في اختيار القائد. المال قبل العلم، والحكمة، والكفاءة، والقوة أو القدرة. كانت أول صدمة لطالوت بعد اختياره ملكاً ونزول أمر القتال. فكيف يقاتل عدواً شرساً مثل جالوت بأمثال هؤلاء الجند، وهم بعد لم يجمعوا صفوفهم؟ تساؤل منطقي وواقعي. لكن بعد عدة نقاشات جرت بينهم وبين نبيهم، استقر الأمر، وبدأ طالوت يجمع جنوده ويجهز جيشه للمعركة المرتقبة، وهو لم ينس ما جرى منهم واعتراضهم عليه.

الأمر في ذهن طالوت أنه بحاجة لضبط وربط وتمحيص، فالمهمة التي هم بصدد القيام بها ليست سهلة. ولأنها كذلك، فهي إذن تحتاج إلى أصحاب عزائم، وبأس، وولاء، وطاعة. فلا مجال للخلاف والمشاكسة والمعارضة لأجل المعارضة. كان لابد من اختبارهم، فكانت قصة النهر الذي سيمر الجيش عبره بعد قليل. (فلما فصل طالوت بالجنود قال: إن الله مبتليكم بنهر. فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني، إلا من اغترف غرفة بيده. فشربوا منه إلا قليلاً منهم ).

ذكر بعض المفسرين أن عدد من شرب من الجيش بلغ قرابة ستة وسبعين ألفاً من مجموع ثمانين ألفاً هم كل جيش طالوت ! ما يعني أنه لم تبق معه سوى فئة قليلة لكنها وفق معايير طالوت، فئة مخلصة صادقة، التزمت بتعليمات القائد، فتيقن حينها بعد مشهد الاختبار والابتلاء والتصفية، أنه بهذه الفئة القليلة المخلصة سيتمكن بإذن الله من تحقيق الإنجاز المطلوب، لأنهم من بقي وأظهر التزاماً وتحملاً للمسؤولية والأمانة. فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله. هكذا هو قانون النصر الإلهي منذ قديم الزمن. ولقد كان من بين الفئة القليلة تلك، نبي الله فيما بعد، داود عليه السلام، الذي قاتل تحت راية طالوت، فكان له شرف قتل عدوهما جالوت. هذا مشهد أول في موضوعنا.

قصة الإسراء والمعراج

مشهد ثان مثير يهز الوجدان هزاً.. إنه مشهد الإسراء والمعراج. الرحلة الكونية في اللازمن التي قام بها النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم – والتي أصر بعدها أن يُحدّث الناس بها في اليوم التالي للرحلة، حتى كانت زوجته أم هانئ ترجوه ألا يفعل، لأنها كانت تدرك صعوبة استيعاب مثل هذا الأمر في مكة. إذ كيف يسافر شخص من مكة إلى بيت المقدس، ثم يحدثهم بالعروج إلى السماوات، والرجوع بعد ذلك على نفس الخط إلى مكة، وكل ذلك في ليلة واحدة، وقوافلهم تسير عبر الصحاري قرابة الشهرين من الزمن (إنّ هذا لشيءٌ عُجاب).

لكن حدث فعلاً وخرج عليه الصلاة والسلام صبيحة الرحلة الكونية، وأخبر أهل مكة بذلك. وكان من الطبيعي أن يقع التكذيب، لكن ليس هذا بالمهم عند رسول الله، لأن المهم عنده – صلى الله عليه وسلم – وقتئذ هم الذين أسلموا ولم يكن الإيمان قد استقر بعدُ في قلوبهم، فكانت القصة نوعاً من الفتنة والابتلاء لهم. فحدث على إثر سماعهم لها، أن ارتد كثيرون منهم عن الإسلام.. فأن يحدث مثل هذا الارتداد عن الدين الآن، خيرٌ من أن يحدث في قادم الأيام، حين الدولة قائمة، وتكون بحاجة لكل طاقاتها في مواجهة التحديات والصعاب.

لم يكن النبي الكريم – عليه الصلاة والسلام – ليرضى دخول أصحاب القلوب غير العامرة ولا المستقرة بالإيمان في صفوف الفرقة الأولى من المسلمين، التي كان عليه الصلاة والسلام يقوم على إعدادها وفق مواصفات معينة، ستكون في قادم الأيام على قدر من المسؤولية كبير، وتتحمل الأمانة العظيمة المنتظرة.

اصطفاء أهل بدر

أما المشهد الثالث فكان في معركة بدر، التي لا ريب في أنها كانت معركة بإدارة وترتيب إلهي دقيق، بدءاً من اختيار الثلاثمائة وثلاثة عشر صحابياً للقيام بمهمة اعتراض قافلة قريش وضرب اقتصادها، مروراً بتحفيز المشركين للخروج، ومن ثم رؤية كل طرف للآخر على أنهم قلة قليلة، وتهيئة ميدان المعركة وخروج صناديد وقادة قريش لمصيرهم المنتظر وغير ذلك من مشاهد قبل وأثناء المعركة.

المشهد الذي أريد الوقوف عنده، هو عدد جيش المسلمين. إنهم من كانوا أهلاً ليكون لهم هذا الاصطفاء الإلهي من دون المسلمين الآخرين في المدينة. ولم لا؟، وقد مكثوا بالمدرسة المحمدية طوال الفترة المكية، مروا باختبارات وابتلاءات عديدة لم تذكرها كتب السير، لكنهم دون شك، وصلوا إلى درجة يريد الله أن يكافأهم عليها، فكان قدرهم المشاركة في المعركة، دون أي إعداد منهم لها، لا مادياً ولا معنويا. فنجحوا رغم ذلك في الاختبار أو الابتلاء الأخير، وصبروا في المعركة، وحدث ما حدث.

عرفهم الناس منذ ذلك الوقت إلى يوم الناس هذا بالبدريين. وكانوا صفوة الناس يومذاك، مثلما كانت الملائكة التي نزلت في المعركة، من خيار أهل السماء في تلك الفترة. وما كان اختيار الرسول – صلى الله عليه وسلم – لأولئك النفر ليكونوا في مهمة اعتراض قافلة قريش، إلا لحكمة إلهية سيعلمها الناس بعد حين من الدهر قصير. ذلك أن المهمة التي بدت يسيرة بادئ الأمر، تطورت – كما أسلفنا – لتكون مواجهة عسكرية مع قريش، دون أي استعداد نفسي أو بدني لازم لقتال عنيف، سيكون فيه دماء وآلام ومصاعب، لن تتحملها سوى نفوس مصطفاة معينة، فكانوا هم، وبالتالي عرفهم الناس بالبدريين.

اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم

البدريون الذين اصطفاهم الله لمهمة التفريق بين الحق والباطل وكسر شوكة الشرك والكفر في أولى المواجهات، كافأهم الله بعد ذلك بشيء يتمناه كل مسلم، كما جاء في الصحيح حين عاتب الفاروق عمر، حاطب بن أبي بلتعة، لأنه أخبر قريشاً بخبر تجهيز الرسول – صلى الله عليه وسلم – لفتح مكة، فسأل أن يضرب عنقه لأنه نافق، فقال له الرسول – صلى الله عليه وسلم: “إِنّهُ قد شهد بدراً، وما يدرِيك، لعل اللّه أَن يكون قد اطَّلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”.

إن النظرة الإيجابية للابتلاءات والفتن هي المغزى من حدوثها، لأنها اصطفاء وتربية وإعداد لأمور عظيمة قادمة، حتى وإن اشتدت الابتلاءات وضاقت على الإنسان، فالنتيجة المرجوة بعد الصبر عليها والتعامل الحكيم معها، ستكون مذهلة إلى الدرجة التي يسعى المبتلى بعد رؤية النتيجة في الآخرة، أن يرجع إلى الدنيا تارة أخرى ليعيش تلك المحن والفتن والابتلاءات، لعظيم نتيجة الصبر عليها. (قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين). فليس كل أحد يبتليه الله، أو إن أردنا دقة في التعبير، ليس كل أحد يصطفيه الله في هذه الدنيا. وإن كان هذا لا يعني تمني الفتن والابتلاءات والمحن، بل الأصل أن نسأل الله العافية من الفتن، ما ظهر منها وما بطن.

لكن إن جاءت محنة أو فتنة وأصابت أحداً منا، فليسأل الله الصبر والثبات أمامها. والأمر بالطبع ليس سهلاً كسهولة الكلام والكتابة والتنظير، ولكن تذكير النفس والآخرين بذلك ربما يفيد في زمن، كثرت الفتن والابتلاءات والمحن من حولنا بصور وأشكال متنوعة، والتي نسأل الله العظيم أن يخرجنا منها سالمين، وأن يجنبنا شرورها، ويثبت قلوبنا على دينه وطاعته.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات