منذ قرون، والفلاسفة منقسمون حول حقيقة النفس البشرية. فريق، يقوده الفيلسوف توماس هوبز، يرى أن “الإنسان ذئب لأخيه الإنسان”، وأننا أنانيون بطبعنا، والعمل الخيري ما هو إلا قشرة رقيقة صنعها المجتمع لترويض وحشيتنا. وفريق آخر، يقوده جان جاك روسو، يرى أن الإنسان “خيّر بطبعه”، وأن الحضارة هي التي أفسدته.

وفي خضم هذا الجدل، وكثيراً ما نقع نحن أيضاً في فخ الاعتقاد بأن “العطاء” هو منتج ثقافي أو ديني بحت؛ فنظن أن المسلم يتصدق لأنه تعلم ذلك في المسجد، والغربي يتبرع لأنه تعلم ذلك في جمعيات المجتمع المدني.

لكن، الحقيقة أعمق من ذلك بكثير؟  “العطاء” ليس درساً نتعلمه، بل هو جزء أصيل من الفطرة الإنسانية، ونظام تشغيل (Operating System) نولد به…….

شيفرة “الفطرة الإنسانية”: العودة لإعدادات المصنع

تطرح مقالتنا أطروحة جريئة: الدافع للعطاء هو “ثابت إنساني عالمي”. وفي تراثنا الإسلامي، نمتلك مصطلحاً عبقرياً يفكك هذا اللغز: الفطرة الإنسانية.

لغوياً، الفطرة من “فطر” أي “شق” أو “بدأ”، وتعني الحالة الأصلية الأولى. إنها “إعدادات المصنع” الإلهية التي يولد بها كل طفل. وكما أخبرنا النبي الكريم- -: “كل مولود يولد على الفطرة”. هذه الفطرة الانسانية ليست مجرد “انتماء ديني” ضيق، بل هي استعداد روحي ونفسي عميق يميل تلقائياً نحو الحق والخير والجمال. إنها البوصلة التي تشير دائماً نحو “الشمال الأخلاقي” قبل أن تعبث بها مغناطيسية المجتمع.

ليست “غريزة” عمياء

ولكي نفهم عبقرية الإنسان، يجب أن نميز بوضوح بين “الفطرة” و”الغريزة. الحيوان يحمي صغاره بـ “غريزة” قهرية؛ لا يملك خياراً آخر. لكن الإنسان يعطي بـ “فطرة” واعية. الفطرة الإنسانية هي “ميل” وليست “جبراً”. إنها تمنحنا القابلية للخير، لكنها تترك لنا حرية الاختيار الأخلاقي. لذلك، حين يمد الإنسان يده لمساعدة غريب، هو لا يستجيب لنداء بيولوجي أعمى كالنحلة، بل يمارس أرقى درجات “الإرادة الأخلاقية” التي تتناغم مع أصل خلقته.

آدم سميث.. الفيلسوف الذي ظلمناه

المدهش أن هذا المفهوم الإسلامي العميق (الفطرة الإنسانية)، يجد أصداءً قوية عند فلاسفة الغرب الذين بحثوا عن أصل الأخلاق بعيداً عن الدين. خذ مثلاً آدم سميث، أبو الرأسمالية. الكثيرون يعرفونه بعبارة “دعه يعمل”، لكنهم يجهلون كتابه الأعمق “نظرية المشاعر الأخلاقية”.

يد تظهر وهي تضع بذورًا في التربة، مع نمو براعم صغيرة بجوارها. تمثل الصورة عملية الزراعة والنمو، مما يعكس أهمية الزراعة المستدامة.

في هذا الكتاب، يتحدث سميث عن “التعاطف” (Sympathy) كقدرة طبيعية مركبة في الإنسان. يقول إننا، كبشر، نشعر بألم الآخرين تلقائياً وكأننا نعيشه، وهذا “الرنين العاطفي” هو المحرك الأول للخير، وليس انتظار المكافأة. ومثله جان جاك روسو، الذي تحدث عن “الشفقة الطبيعية” ؛ ذلك الانقباض الفطري الذي يشعر به أي إنسان (حتى لو كان همجياً) حين يرى كائناً حياً يتألم.

البذرة والتربة

إذن، العطاء ليس “اختراعاً” دينياً، ولا “موضة” ثقافية. إنه ميراث مشترك. الدين والمجتمع لا “يزرعان” الخير في أرض بور، بل هما يقومان بـ “سقاية” بذرة موجودة أصلاً. الفيلسوف المسلم ابن مسكويه جمع بين الرأيين ببراعة: الخير “طبع” (فطرة)، ولكنه يحتاج إلى “تطبع” (عادة وممارسة) ليتحول إلى خلق راسخ. الفطرة هي “الإمكانية”، والتربية هي “تحقيق الإمكانية”.

الخلاصة

نحن لا نعلّم أطفالنا كيف يتعاطفون، بل نعلمهم كيف لا يتجاهلون صوت ضمائرهم. نحن لا نزرع فيهم الرحمة، بل نزيل الغبار الذي تراكم على فطرتهم الإنسانية النقية. هذا الفهم يغير نظرتنا للعمل الخيري تماماً. نحن لا نتصدق لأننا “مسلمون” فقط، أو لأننا “متحضرون”؛ نحن نتصدق لأننا “بشر”. العطاء هو اللغة الوحيدة التي لا تحتاج لمترجم، لأنه محفور في “الجينوم الروحي” لكل إنسان على وجه الأرض.

ولكن، هل هذا الكلام مجرد تنظير فلسفي؟ أم أن هناك “أدلة” ملموسة في أديان العالم الأخرى تؤكد هذه الحقيقة؟ وهل يوافق “الكاهن البوذي” على ما يقوله “الشيخ المسلم” و”القس المسيحي” حول العطاء؟ هذا ما سنكتشفه في رحلة مدهشة عبر الأديان في المقال القادم: من ‘الفطرة’ الإسلامية إلى ‘الكارما‘ البوذية: لماذا يتفق الجميع على أن ‘العطاء’ هو قانون الكون؟.