يحيى وزيري لـ”إسلام أون لاين”: العمارة الإسلامية صديقة للبيئة

العمارة الإسلامية

الحديث عن العمارة الإسلامية حديث شائق وماتع وبديع؛ لأنه يمزج بين القيم والجمال، ويبين أن البشر والحجر يمكن أن تجمعهم علاقة صداقة وتفاعل وتراحم!

في حوارنا مع المهندس المعماري المصري د. يحيى وزيري نتعرف على بعض جوانب تميز العمارة الإسلامية، وما تعكسه من قيم وجماليات وانتماء للحضارة التي نشأت في رحابها، بجانب التطرق للعمارة الحديثة وإمكانية التصالح معها وتطوير عمارة عربية معاصرة..

والدكتور يحيى وزيري معماري مصري، صاحب أكبر موسوعة في الزخارف الإسلامية، رئيس دار الفن الإسلامي، وأستاذ العمارة المشارك ومحاضر بكلية الآثار- جامعة القاهرة. حصد الكثير من الجوائز؛ منها: جائزة السلطان قابوس المعمارية عام 2002م “ديوان البلاط السلطاني”. والجائزة الأولى في مجال التأليف المعمارى لعام 2007م “منظمة العواصم والمدن الإسلامية”.

ولضيفنا العديد من الكتب والدراسات والمقالات في مجالات العمارة الإسلامية؛ منها: المدخل إلى تصميم مباني المعوقين، 1996م. موسوعة عناصر العمارة الإسلامية، أربعة مجلدات، 1999م. تطبيقات على عمارة البيئة: التصميم الشمسي للفناء الداخلي، 2002م. المجتمع وثقافة العمران، 2002م. التصميم المعماري الصديق للبيئة، 2003م. العمارة الإسلامية والبيئة، سلسلة “عالم المعرفة”، يونيو 2004. التطور العمراني والتراث المعماري لمدينة القدس الشريف، 2005م). أم القرى.. خصوصية المكان والعمران (كتاب “المجلة العربية” 2005م)

  • المشربيات والحديقة والنافورة جمعت بين الجوانب الوظيفية والجمالية
  • الجمال قيمة إسلامية لم يغفل عنها المعماري المسلم
  • أتفق مع جارودي في أن المسجد ملتقى ومنبع جميع فنون الإسلام
  • المدارس الحديثة للعمارة نفتقد فيها الجانب الأخلاقي والقيمي
  • يمكن بلورة عمارة عربية معاصرة تستوعب منجزات العصر الحديث

.. فإلى الحوار:

في البداية نريد أن نقف مع مصطلح “العمارة الإسلامية”.. ما المقصود به؟

“العمارة الإسلامية” أو “عمارة المجتمعات الإسلامية” هي مصطلحات تطلق على المنتج المعماري والعمراني الحضاري، الذى تم إنتاجه في ظل القيم والتعاليم الإسلامية المستقاة من الدين الإسلامي الحنيف، في المجتمعات الإسلامية التي نشأت بداية في المدينة المنورة ثم في الأمصار والبلاد المفتوحة فيما بعد، وشارك فيها أيضًا أهل الحضارات الأخرى سواء دخلوا الإسلام أم لا.

ومفهوم “العمارة الإسلامية” لا ينحصر فقط في النواحي التشكيلية أو الزخرفية فقط، والتي ميزت العمائر الإسلامية على مختلف أنواعها ووظائفها.. ولكنه يمتد أيضًا، وبشكل أساسي، إلى التصميم بأسلوب علمي يتكيف مع البيئة بشقيها الطبيعي والثقافي، مع مراعاة الجوانب النفسية والإنسانية للمستعملين. ومباني ومدن الحضارة الإسلامية خير شاهد ودليل على هذا المفهوم.

إلى أي مدى تعكس “العمارة الإسلامية” القيمَ الإسلامية أو النموذج المعرفي الإسلامي؟

تعتبر تعاليم وقيم القرآن الكريم وكذلك توجيهات السنة النبوية المشرفة، الرافدَيْن الأساسيين للعمارة الإسلامية؛ حيث أسهمت المفاهيم الإسلامية في وضع ضوابط عامة وأخرى تفصيلية لعمارة الأرض بمفهومها الواسع، وتلك الضوابط تعتبر بمثابة إرشادات وتوجيهات قرآنية أو نبوية يجب مراعاتها عند عمارة الأرض، بغض النظر عن اختلاف الزمان والمكان، مع عدم إغفال الجوانب البيئية والثقافية لكل مجتمع إنساني.

ومن أهم القيم والمبادئ التي انفردت بها قضية إعمار الأرض في الإسلام، هو مبدأ الجمع بين عمارة المكان وعمارة الزمان أيضًا، حيث إن كل الحضارات المعمارية تهتم بعمارة البنيان والمكان فقط، ولكن تأتي القيم الإسلامية كي تضيف أيضًا مفهوم عمارة الزمان؛ أي يجب أن تكون الأعمال والأنشطة المتواجدة داخل هذه المباني لا تتعارض مع القيم الإسلامية الرشيدة، وذلك زمن وجود الإنسان المسلم داخل البنيان أو المدينة، حيث تكون أنشطته وأعماله مفعمة بكل ما هو صالح ونافع، دون إفساد أو إضرار في الأرض، عملاً بالمبدأ الإسلامي المعروف: “لا ضرر ولا ضرار”.

ما أهم القيم الإسلامية التي تجسِّدها “العمارة الإسلامية”؟

كما سبق أن أشرنا، توجد قيم وضوابط عامة وأخرى ضوابط تفصيلية، تم استنباطها من العديد من الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية المطهرة؛ وقد أشرت إليها في العديد من مؤلفاتي مثل: (التعمير في القرآن والسنة)، وأيضًا (العمران والبنيان في منظور الإسلام) وغيرها.

وأوجز تلك القيم والضوابط فيما يلى:

أ- الضوابط العامة: ويمكن إيجازها في ضابطين أساسيين؛ الأول: أن التقوى هي أساس الممارسات الإعمارية الصالحة، والثاني: النهى والتحذير من الممارسات الإعمارية الفاسدة.

فالتقوى أساس عمارة الأرض؛ حيث يقول الله تعالى: {أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ تَقْوَىٰ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىٰ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (التوبة: 109).

كما حذر القرآن الكريم من الممارسات الإعمارية الفاسدة، في حديثه عن قوم “عاد”؛ حيث يقول سبحانه وتعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} (الشعراء: 128- 131).

ب- الضوابط التفصيلية: ويمكن إيجازها فيما يلي:

• البعد الوظيفي: ويقصد به أن يؤدي كل مبنى الغرض الذى أُنشئ من أجله، وتوفير المبادئ الأساسية حسب نشاط كل مبنى، مثل قيمة الخصوصية على سبيل المثال في المباني السكنية؛ حيث يمكن استنباط ذلك من قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} (النور: 27)، فالآية الكريمة تشير إلى أهمية الاستئذان قبل دخول البيوت من أجل ألا تنكشف العورات، وفيها دليل على أهمية توفير الخصوصية بالمساكن والبيوت.

• البعد البيئي: حيث احترمت العمارة العربية الإسلامية البيئة بشقيها الطبيعي والثقافي، وقد انعكس ذلك بوضوح في ظهور طُرُز مختلفة للعمارة كالطراز المملوكي في مصر وسوريا، والطراز الأندلسي المغربي في إسبانيا وشمال أفريقيا، والطراز الفارسي في ايران والعراق، والطراز الهندي المغولي في شبه القارة الهندية وغيرها.

لقد نبه القرآن الكريم إلى أهمية الظل والظلال، والماء المسكوب لتلطيف الأجواء الحارة، ويتضح ذلك من الآيتين التاليتين؛ حيث يقول تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا} (النحل: 81). كما يقول تعالى: { وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ (30) وَمَاءٍ مَّسْكُوبٍ (31)} (الواقعة: 30، 31 ).

فهاتان الآيتان، وغيرها من الآيات، توضح اهتمام القرآن الكريم بـ البعد البيئي في مجال عمارة الأرض، وهو ما تنبهت إليه البشرية في العصور الحديثة حيث ظهر علم “التصميم البيئي” و”العمارة الخضراء”، والتي تهتم بتلك التوجهات.

• البعد الجمالي: فالجمال قيمة إسلامية لم يغفل الفنان والمعماري المسلم عنها، فظهر هذا جليًّا في عمائر العالم العربي والإسلامي شرقًا وغربًا.

فمن التوجيهات القرآنية في هذا الصدد ما أشار اليه قوله تعالى: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُوا شَجَرَهَا ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۚ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ} (النمل: 60)، فالآية الكريمة تشير إلى جماليات الحدائق التي تدخل البهجة على النفوس، وهى إحدى القيم الراقية التي تفرّد بها القرآن الكريم.

من تصاميم د. يحيى “برج أرابيسك”

كيف تقرأ المقولة الشهيرة للمفكر الفرنسي رجاء جارودي: “المسجد نوع من صلاة الحجارة، وملتقى جميع فنون الإسلام”؟

أتفق مع المفكر الفرنسي جارودي في أن المسجد هو ملتقى ومنبع كل الفنون الإسلامية، ولكن قبل أن أوضح المقصود بذلك، فلابد أن أشير إلى أن المسجد في الإسلام له أسلوب تصميمي متميز عن غيره من مباني العبادة الأخرى؛ فتوجيه المسجد للقبلة حيث مكة المكرمة هو المبدأ الأساسي في تصميم كل مساجد الأرض، في حين أن مباني العبادة الأخرى تتجه جهة جغرافية محددة، كجهة الغرب (عند اليهود) أو جهة الشرق (عند النصارى)، لذلك فيمكن أن نتخيل أن كل مساجد الأرض وكأنها تلتف حول مكة المكرمة في دوائر متعددة تتسع كلما ابتعدنا عن مكة المكرمة.

أما بالنسبة لمقولة أن المسجد هو ملتقى جميع الفنون الإسلامية، فهذا صحيح ويتضح لنا ذلك من دراسة عناصر المسجد المعمارية؛ بدءًا بحائط القبلة والمحراب، ومرورًا بالأعمدة وغيرها، وانتهاءً بقبابه ومآذنه ذات التصميمات المتميزة والمتفردة، إلى جانب عناصره الجمالية والزخرفية الهندسية أو النباتية، أو المُقَرنَصات والدلَّايات التي استخدمت في مداخل المسجد وقبابه من الداخل وغيرها.

هل العمارة الإسلامية محصورة في المساجد التاريخية أم لها تجليات أخرى كثيرة؟

العمارة الإسلامية، مثلها مثل باقي الحضارات الأخرى، تنوعت فيها المباني بحسب الأنشطة المراد إقامة المبنى من أجلها؛ فكان من الطبيعي بجانب المساجد والزوايا والمباني ذات الطابع الديني أنْ توجد المباني السكنية، والمباني التجارية كالوكالات والتي جمعت بين المحال والمخازن بالأدوار الأرضية وأماكن لإقامة التجار بالأدوار العلوية، بالإضافة إلى الأسواق التجارية المغطاة والمكشوفة، كما وُجدت الحمامات العامة، والحدائق والساحات وغيرها.

ما أبرز جماليات العمارة الإسلامية في المساكن والبيوت؟

من أبرز العناصر المعمارية، والتي جمعت بين الجوانب الوظيفية والجمالية في آنٍ واحد، المشربيات؛ والتي أصفها بأنها “رمز عمارة المساكن الإسلامية”، وما تؤديه من دور مهم في توفير الخصوصية والستر لما بداخل المسكن، إلى جانب أنها كانت مصدرًا للتهوية والإضاءة الطبيعية، وأخيرًا ما تضفيه من قيمة جمالية ميَّزت المساكن الإسلامية عن غيرها من مساكن الحضارات الأخرى.

نضيف إلى ذلك أيضًا الحديقة والنافورة التي ازدانت بها أفنية المساكن، والتي وفرت أيضًا الخصوصية لساكني الدار، إلى جانب مراعاة العوامل البيئة.

ما السبيل لنشر “الثقافة المعمارية الإسلامية”؟

توجد أساليب متعددة لنشر “الثقافة المعمارية الإسلامية” من أهمها: الكتب والمؤلفات التي تبرز جوانب الابتكار والجمال في العمارة الإسلامية، وأنها ليست “عمارة متحفية”، بل إن عناصرها مازالت قادرة على العطاء والوفاء بمتطلبات واحتياجات الإنسان المسلم في العصر الحديث، مع العمل على تطوير عناصرها والاقتباس من أفكارها الحية، إلى جانب إنتاج المزيد من الأفلام المصورة لنشر الوعى الثقافي والتعريف بأسرار العمارة الإسلامية.

وأنا أطرح هنا فكرة لعلها تتحقق في مصر وباقي الدول الإسلامية، تتمثل في تدريس بعض النصوص القرائية التي تعرِّف بالعمارة الإسلامية في مختلف مراحل التعليم، وقد شرفت بأن وزارة التعليم بالمملكة المغربية قد أدرجت نصين قرائيين لي في كتاب النصوص القرائية للصف الثالث الإعدادي، والذى يدرس بالمغرب منذ عدة سنوات، الأول بعنوان: (مواقع المدن الإسلامية)، والثاني بعنوان: (المجال الأخضر).

كيف ترون العمارة الحديثة في ضوء النموذج الإسلامي للقيم والعمارة؟

العمارة الحديثة، والتي نشأت جذورها في منصف القرن الثامن عشر، لها مدارس فكرية متعددة، تركز على الجوانب الوظيفية بالأساس وهذا شيء جيد، ومنها ما يركز على الجوانب التشكيلية بصفة أساسية حتى دون النظر للوظيفة كما في المدرسة التفكيكية، ومنها في العقود الأخيرة مدارس ظهرت للدعوة للحفاظ على البيئة وتحقيق فكر الاستدامة كما في “العمارة الخضراء” على سبيل المثال، ويمكن أن نتفق أو نختلف مع تلك المدارس بحسب ما تقدمه من إيجابيات أو سلبيات.

ولكن يظل الجانب الأخلاقي والقيمي هو العامل المفقود في أغلب تلك المدارس الحديثة للعمارة؛ وهو ما يميز بلا شك العمارة والعمران الإسلامي.. وكما أشرت، فقد جمعت قيم العمارة الإسلامية بين عمارة المكان وعمارة الزمان أيضًا.

هل هناك محاولات حديثة للاقتراب من، أو التصالح مع العمارة الإسلامية؟

في العقود الأخيرة كثر الحديث عن قضية الهوية والطابع، سواء أكان ذلك على المستوى القومي أم الإقليمي، وعن كيفية إيجاد طابع عربي إسلامي معاصر في مواجهة تيارات العمارة العالمية الوافدة، وبخاصة من الغرب بصورها ومدارسها المختلفة، والتي تخلت تقريبًا عن فكرة الهوية أو الخصوصية الثقافية وانحازت لفكرة العولمة؛ مما أدى إلى وجود تيارين معماريين متعارضين! أحدهما يدافع عن الخصوصية الثقافية لمجتمعاتنا العربية رافضًا لكل ما هو حديث، والآخر لا يرى عيبًا في التخلي عن الأنماط أو الأشكال التقليدية للعمارة العربية الإسلامية ويرى أن البديل المنطقي هو الدوران في فلك تيارات الحداثة وما بعد الحداثة وأخواتها.

وبين التيارين المتعارضين السابقين أرى أنه يمكن أن يوجد فكر وسطي لا يتخلى عن الهوية والخصوصية الثقافية العربية الإسلامية، ولكن في نفس الوقت يعي أن فكرة التطور ومسايرة منجزات العصر الحديث لا تتنافى مع ذلك، وأنه يمكن بلورة عمارة عربية معاصرة لا يُشترط أن تتقيد بالأشكال أو العناصر المعمارية التي ابتدعها الأجداد، ولكن تحمل في طياتها نفس المضامين الاجتماعية أو البيئية التي تتناسب مع المجتمعات العربية.

خلصتم من خلال جهودكم البحثية والميدانية إلى أن “العمارة الإسلامية صديقة للبيئة”.. كيف ذلك؟

لقد أشرت وأكدت هذا المفهوم من خلال العديد من دراساتي ومؤلفاتي؛ ومن أهمها كتاب (العمارة الإسلامية والبيئة) والذى نُشر ضمن سلسلة كتاب (عالم المعرفة) بالكويت عام 2004م، والذى أوضحت فيه مدى العلاقة الوطيدة بين العمارة الإسلامية والبيئة بشقيها الطبيعي والثقافي أيضًا، وكيف أن المباني الإسلامية كانت انعكاسًا للظروف البيئة التي نشأت فيها، شرقًا وغربًا، حرًّا وبردًا.

وكذلك من خلال كتابي (التصميم المعماري الصديق للبيئة.. نحو عمارة خضراء)، فقد أكدت ذلك بما أوردته من أمثلة ونماذج من العمارة الإسلامية والتي كانت سبَّاقة في احترامها للبيئة، بحيث يمكن أن نطلق عليها بأنها “عمارة صديقة للبيئة”، أو “عمارة خضراء” بالمصطلح الحديث المعاصر.

شاركتم في العديد من الجهود الرامية للحافظ على التراث المعماري الإسلامي.. ما أهم هذه المشروعات؟

الحمد لله، فقد كنت دائمًا حريصًا في مشاريعي المعمارية التي قمت بتصميمها على مدى أكثر من خمسة وثلاثين سنة، أن أكون ملتزمًا في تصميمها بقيم العمارة الإسلامية، وكذلك أيضًا من خلال الدراسات البحثية والمؤلفات والكتب التي قمت بتأليفها.

لقد انتشر مفهومنا للعمارة الإسلامية، والذى لا يقتصر على التطوير الشكلي للعناصر المعمارية فقط، إلى الجمع بين الشكل والمضمون؛ بمعنى تعبير المبنى أو التصميم المعماري عن جماليات العمارة الإسلامية، مع وجود الجانب العلمي الذى يأخذ في الاعتبار التكيف مع الظروف البيئية ومراعات الخصوصية الثقافية لكل مجتمع عربي إسلامي.

ومن أهم مشاريعي المنفذة برج “أرابيسك” السكني والإداري، والذى حاولت أن أجمع فيه بين قيم الخصوصية والجمال في إطار المعاصرة، وإعطاء نموذج لمبنى يجمع بين القيم الإسلامية والارتفاع، حيث بلغ عدد طوابقه خمسة عشر طابقًا.

 ومن أهم أعمالي تحت التنفيذ مركز “نور الله” الثقافي الإسلامي، وهو يعكس أيضًا قيم العمارة الإسلامية بأسلوب عصري.

ومن أهم وآخر أعمالي البحثية، مشاركتي كاستشاري للدراسات البيئة في مشروع تطوير وإحياء القاهرة الإسلامية، حيث قمت بعمل دراسات ميدانية وتحليلية من أجل تقديم حلول واقعية لمشكلات القاهرة التاريخية، وتحويلها لمدينة صديقة للإنسان والبيئة على حد سواء؛ وهذا المشروع العالمي الضخم كان من خلال وزارة الآثار المصرية، وتحت إشراف منظمة اليونسكو.

وبفضل الله فقد حزت على العديد من الجوائز الإقليمية، وكان آخرها جائزة أفضل مهندس معماري عربي لعام 2017م، عن جملة أعمالي في مجال التصميم والتأليف، من منظمة المدن العربية، كما تُرجمت بعض كتبي إلى اللغات الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والفارسية.

من تصاميم د. يحيى تصميم مركز نورالله الثقافي

ما الرسالة التي توجهونها عن العمارة الإسلامية وغايتها؟

إن منهج الإسلام في عمارة الأرض، يبدأ أولاً ببناء الإنسان الطائع لربه ومولاه جل في علاه، ثم يقوم هذا الإنسان المسلم باتباع الضوابط العامة والتفصيلية التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، من أجل عمارة الأرض العمارة الفاضلة الصالحة، مستعينًا أيضًا بكل العلوم والمعارف الإنسانية؛ أي الجمع بين عمارة الزمان وعمارة المكان أيضًا.

فالغاية العليا من عمارة الأرض هي التيسير على المسلمين، كي يعبدوا ربهم فيسعدوا في الآخرة، وتهيئة البيئة العمرانية الصالحة التي تسهم في إقامة الحضارة بالمفهوم الإسلامي، والتي ترتكز على الإيمان بالله واستكشاف السنن الكونية اللازمة لاستمرارية تلك الحضارة والارتقاء بها.

إن المنهج القرآني، الذي يتضح من خلال العديد من آياته، يقرر ضوابط عامة وتفصيلية لعمارة الأرض، وهو منهج تفرد به القرآن الكريم مقارنة بما سبقه من كتب أهل الشرائع الأخرى.

وإعجاز المنهج القرآني في إعمار الأرض يتجلى في شموليته التي جمعت بين القيم الأخلاقية، والمعايير الوظيفية والبيئية، مع عدم إغفال المعايير الجمالية أيضًا.. إنه منهج قابل للتطبيق في الواقع العملي، وهو ما يتأكد عند دراسة عمارة المدن الإسلامية في شرق وغرب العالم الإسلامي.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين

أحدث المقالات