يوم تبيض وجوه وتسود وجوه !

تبيض وجوه القرآن

قال تعالى: { يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون } ( آل عمران : 106)

مشهد من مشاهد يوم القيامة. مشهد النور والظلام، الكرامة والإهانة، الاستبشار والانكسار.. إنه المشهد الأخروي المعروف سلفاً قبل أن نصل إليه ويبدأ. إنه اليوم الذي تبيضّ فيه وجوه، وبالمثل تسودّ وجوه. وجوه منيرة وأخرى مظلمة في ذلك اليوم، وما ذلك النور أو الظلمة إلا نتيجة لما كسبت أيدي أصحاب تلك الوجوه في سالف الأيام بالحياة الدنيا.

قال أهل المعاني – كما جاء في تفسير البغوي – ابيضاض الوجوه: إشراقها واستبشارها وسرورها بعملها وبثواب الله، واسودادها: حزنها وكآبتها وكسوفها بعملها وبعذاب الله، يدل عليه قوله تعالى : { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة } (يونس: 26)، وقال تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة } (القيامة: 22-25 )، وقال تعالى : {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة } (عبس : 38- 40). 

  عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: إذا كان يوم القيامة رُفع لكل قوم ما كانوا يعبدونه، فيسعى كل قوم إلى ما كانوا يعبدون، وهو قوله تعالى : {نوله ما تولى } فإذا انتهوا إليه حزنوا، فتسودُّ وجوههم من الحزن، وبقي أهل القبلة واليهود والنصارى، لم يعرفوا شيئاً مما رُفع لهم.

فيأتيهم الله فيسجد له من كان يسجد في الدنيا مطيعاً مؤمناً. ويبقى أهل الكتاب والمنافقون لا يستطيعون السجود. ثم يؤذن لهم فيرفعون رؤوسهم ووجوه المؤمنين مثل الثلج بياضاً، والمنافقون وأهل الكتاب إذا نظروا إلى وجوه المؤمنين حزنوا حزناً شديداً، فاسودت وجوههم فيقولون: ربنا ما لنا مسودة وجوهنا، فوالله ما كنا مشركين؟  فيقول الله للملائكة : { انظر كيف كذبوا على أنفسهم}.

الأمر ليس ألواناً  

بياض الوجه أو سواده يوم القيامة، ليس القصد منه تفضيل لون على لون أو أنه عنصرية، كما يحلو لبعض من يتربصون بالإسلام والمسلمين ومقدساتهم.. ليس هذا هو المقصود. فالألوان قام البشر بربط كل لون إلى أمر ما، حتى صار متفقاً عليه أو عُرفا. لكن المقصد من الآية أو البياض والسواد فيها، فإنما هو أمر مرتبط بقضايا الانتصارات والنجاحات، والحسرات والندامات.

هكذا يرى البشر الأمور، وبالتالي يفهم البشر أنفسهم أن من يطلقون عليه بأنه شخص أبيض الوجه، فإنه دلالة على أنه صاحب سيرة ذاتية طيبة، لا يعاني منه أحد ولا يُعرف عنه ما يمكن أن يلطخ سمعته وسيرته. فيما العكس مع آخر، يكون صاحب سيرة ذاتية سيئة فوضوية لا تُشرف صاحبها، ويكره الناس بالتالي معاشرته والتعامل معه، إلى أن يُعرف بأسود الوجه.

البشر كما يعملون جهدهم في حياتهم الدنيا لأن تكون وجوههم بيضاء يتشرف بهم القريب والبعيد، ويعيشون بين الناس حياة فيها اعتزاز وافتخار بالذات، وبناء سيرة ذاتية نقية صافية، فكذلك هو الشيء نفسه مطلوب منهم لحياتهم الثانية، حياة الآخرة. إنها الأهم دون أدنى ريب. فلا يجب أن يكون السعي لبياض الوجه في الآخرة بأقل مما يقوم ويسعى له البشر في الحياة الدنيا المؤقتة الفانية.

المشكلة التي يعيشها البشر أن اختلطت الأمور عليهم وبينهم، وساهم الشيطان وحزبه في الفوضى الحاصلة بين بني البشر منذ قديم الزمن. وهذا سبب من أسباب ظهور الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام. وحين ختم الله رسالاته بخير المرسلين، صارت الأمور واضحة نقية. لا طريق مؤدي للفلاح والنجاح وبياض الوجه سوى صراط الله المستقيم، وما عدا ذلك، فإنها طرق ومسالك لا تؤدي بسالكيها إلا للهلاك والخسران وسواد الوجه بالآخرة.

معسكران لا ثالث لهما  

هناك كفر وإيمان. معسكران معروفان في عالم البشر، من لدن آدم عليه السلام وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. معسكر أبيض وآخر أسود، ولا مجال لمعسكر رمادي. إما أن تسلم وجهك للذي فطر السموات والأرض حنيفاً مسلماً، تؤمن بالله رباً والإسلام دينا، وبمحمد – صلى الله عليه وسلم – نبياً ورسولاً، أو أن تسلم وجهك للشيطان وأعوانه.

الإسلام هو دين كل الأنبياء. وما جاء به النبي الكريم، هو ختام لكل ما جاء به المرسلون من لدن آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى. ومن يكفر بما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم – فقد كفر بما جاء به الأنبياء والمرسلون. وبذلك يدخل إلى معسكر الكفر، حيث سواد الوجه. أما الذين دخلوا معسكر الإيمان، فقد اختاروا بياض الوجه لمستقبلهم الحقيقي، ودعواتهم المستمرة أن يثبتهم الله على اختيارهم. أما الفئة الرمادية، أو المنافقين كما سماهم القرآن، فهؤلاء مرض في حد ذاتهم، وهم عادة إلى معسكر الكفر أقرب، وبالمودة والتآلف معه يتعايشون. وهكذا البشر إلى يوم القيامة.

خلاصة القول  

حين تتأمل قوله تعالى { ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا } (الأحزاب : 48)، فكأنما تنبيه من الله عز وجل إلى أن تلك المعسكرات مؤذية، وإن بدت أنها جميلة مريحة راقية. إنها معسكرات يتم تأهيل البشر حيناً من الدهر لنيل صفة الوجوه السوداء يوم القيامة، ليس من منطلق الألوان، بل من باب الخسران.. والآيات من هذا القبيل كثيرة في القرآن، { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } (ق: 37).

فاللهم اجعلنا ممن تبيض وجوههم يوم القيامة، وتحشرنا مع المؤمنين والصديقين والشهداء والصالحين، وحَسُن أولئك رفيقا.

المواد المنشورة في الموقع لا تعبّر بالضرورة عن رأي إسلام أون لاين