الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات؛ حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة شديدة من الالتباس. قد يرى أحدنا في لحظة ما الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثير البيئة التي يكون فيها أحدنا، وتنوع المؤثرات من حوله.

إنّ ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر -مثلاً- يجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب؛ ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة -كما هي الآن- صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيران.

الهدي النبوي في طلب الثبات

ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم : «اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».

وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنّ رسول الله كان يُكثر من قول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك»، فقالت له عائشة: “إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك”، فقال عليه الصلاة والسلام: «وما يُؤمّنُني؟» (بمعنى: أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان؟) «وإنما قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا أراد أن يقلب قلب عبدٍ قلبه». (أخرجه الإمام أحمد في المسند برقم (26133))

حقيقة الاختبار

الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين؛ فالتنظير فيه والحديث حوله -كتابةً أو مشافهةً- يختلف كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟

مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها -ما ظهر منها وما بطن- ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق؛ ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابته ها هنا.

دروس من تحولات النفوس

إنّ مَن تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم -سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم- كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية القوم، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما حلوا وارتحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طرأت لهم أو حولهم، تجد قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على عقبيه خاسراً، والعياذ بالله!

الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر؛ بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده -أو العكس من ذلك- حدث كثيراً عبر التاريخ، بل وما زال يحدث حتى يومنا هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون.

خاتمة

ختاماً لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو بعلم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات -خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، مع كثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها- قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج: { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ ۚ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا ۗ وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } ( النور : 40).

هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات؛ ليرى الإنسان بنور الله وهو يفسر ويُفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى للمرء مثل هذا النور إلا إذا ارتبط بالله ولجأ إليه؛ لأن هذا الارتباط هو حبل النجاة والثبات على الحق، لا غيره من الحبال التي غالباً ما تكون حبالاً شيطانية.

فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.