من المهم التأكيد على أن العلاقات المتماسكة بين الأطراف المتعاملين في حقل واحد أو في مؤسسة واحدة عامل حاسم في إنجاح أي مشروع نهضوي، وليست صحة الأفكار وجَوْدتها وحدها ما يصنع النهضة والتطور والتغيير ما لم تكن العلاقات العامة مرضية متراصّة متوازنة، إذ هي البيئة التي تحتضن تلك الأفكار وتحررها وتجعلها فاعلة.
لكن إذا كانت شبكة العلاقات بين أفراد المجتمع والمؤسسة على غير وفاق فلن ينفع عالم الأفكار والثراء المعرفي، بل ذلك يعود بالخراب على عالم الأشياء، فالاختلال في عالم الأشخاص كفيل بسلب الفاعلية من الأفكار، وهو ما أشار إليه المفكر الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله، في قوله:
(فالعلاقة الفاسدة في عالم الأشخاص لها نتائجها السريعة في “عالم الأفكار” وفي عالم الأشياء” والسقوط الاجتماعي الذي يصيب “عالم الأشخاص” يمتد إلى الأفكار وإلى “الأشياء” في صورة افتقار وفاقة، فهناك أفكار رأت النور في المجتمع الإسلامي في القرن الرابع عشر الميلادي كفكرة الدورة الدموية، ومع ذلك ظلت غائبة عن عالم “الأفكار” لأن شبكة علاقاته قد تمزقت)([1]).
من هنا نعلم أن الأفكار – وإن كانت صحيحة سليمة- إذا ولدت في بيئة ميتة فلا يمكن أن يكون لها حظ من التغيير والفاعلية، لأن فاعلية الأفكار مرتبطة بمدى التوافق في عالم الأشخاص ومتانة شبكة العلاقات مع سلامة البيئة السياسية بلا شك.
فلا قيمة لصواب الفكرة وجودتها في مجتمع ممزق تطغى فيه “الأنا”، غارق في الفردانية، يسود فيه تقديس الذات، وتنتشر فيه العقد النفسية. قال الأستاذ مالك بن نبي:
(فالعلاقات الاجتماعية تكون فاسدة عندما تصاب الذوات بالتضخم، فيصبح العمل الجماعي المشترك صعبا أو مستحيلا)([2]).
ولذا لكي يسلم الواقع من العيب والأداء من الرداءة وتتحقق النتائج صحيحة ينبغي العمل بروح الفريق، وهذا سر نجاح أي مشروع. ومبدأ روح الفريق مهم جدا، وهو مبدأ إسلامي قرآني حث الله عز وجل عليه في كتابه، قال تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾ وحث عليه النبي ﷺ في أكثر من حديث، ومنه قوله: “يد الله مع الجماعة” (الترمذي).
النموذج النبوي في بناء التماسك الاجتماعي
وإذا رجعنا إلى السيرة النبوية، نقف على أهمية البناء الاجتماعي الذي أقامه النبي ﷺ في مكة جنبا إلى جنب مع ترسيخ عقيدة التوحيد وبناء التصورات، فبنى شبكة العلاقات الاجتماعية بناءً متماسكاً ووحّد الجماعة المؤمنة بعد أن حملت التوحيد وأخذت الكتاب بقوة، فصمدت في وجه الكفر ولم تتزعزع بالرغم من الاضطهاد والإرهاب، وكانت اللبنة الأولى في بعث الأمة وبناء حضارة وتغيير التاريخ، غير أن هذا كله لم يستمر، بل توقف في مراحل لاحقة من تاريخ الأمة بعد ضعف الفعل الحضاري وتعطيل شروطه، ومنها تماسك شبكة العلاقات الإنسانية الاجتماعية.
وحدة الصف كشرط للفاعلية والنجاح
وقد أظرف الإمام البخاري في تبويبه للآية: ﴿إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيل الله صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾، فقال: “باب عمل صالح قبل القتال”، وعلق الكرماني عليه – وما أحسن ما قال-:
(المقصود من الآية في هذه الترجمة قوله في آخرها ﴿صفا كأنهم بنيان مرصوص﴾ لأن الصف في القتال من العمل الصالح قبل القتال)([3]).
فينبغي أن يكون القتال بعد العمل الصالح، ومن أفضل الأعمال الصالحة وحدة الصف وتآلف القلوب، ومن أجل هذا حرص النبي ﷺ في مسيرته التغييرية الدعوية الهادية على وحدة صف الأمة بعد تثبيت توحيد الله في القلوب، وهو أول عمل قام به في المدينة بعد الهجرة حيث آخى بين المهاجرين والأنصار وبنى المسجد الذي جعله مركزا جامعا لعموم المسلمين لتوحيد صفهم وجمع كلمتهم.
فالنبي ﷺ يعلم أن استمرار “رسالة الإسلام” محفوظة بحفظ الله، لكن استمرار فعاليتها وقيامها في الأمة مرهونان بسلامة العلاقات بين المسلمين، وأن الجماعة المؤمنة هي الوعاء الذي يحفظ فيه الدين.
