يمثل شهر رمضان الكريم للصائم مدرسة متكاملة؛ ومن أهم دروس هذه “المدرسة الرمضانية” أن رمضان درسٌ مهم في استكشاف القدرات المخبوءة، سواء على الجانب الروحي أو الاجتماعي أو غيرهما.

نحن نمضي في الحياة وقد نجهل ما بأنفسنا من قدرات وإمكانات، ومن أراد أن يختصر الطريق في التعرف على ذاته، فليراجع القرآنَ الكريم وما أوضحه من تشريح النفس الإنسانية، وبيان صورها وحالاتها وصفاتها؛ فسيجد في ذلك بيانًا شافيًا يُسعفه ويُغنيه.

وتجيء العبادات التي شرعها الله تعالى، لتسلط لنا الضوء على طبيعة أنفسنا، ولتهذبها، وتعيننا على ضبطها والارتقاء بها. والدين بمجمله جاء لتحقيق ذلك، وجَعَل “التزكية” أحد المحاور الكبرى التي يدور عليها بتشريعاته وتوجيهاته؛ قال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} (الجمعة: 2).

وشهر رمضان، بما فيه من صيام وقيام وصدقة وأنواع متعددة للطاعات، شهرٌ ذو أهمية بالغة في مساعدتنا على التعرف على أنفسنا، وعلى ما تنطوي عليه من قدرات قد نجهلها أو لا نحسن الإفادة منها.

وكمثال، طوال العام قد لا يصوم الواحد منا إلا بشق الأنفس.. وقد لا يصوم أكثر من ثلاثة أيام في الشهر الواحد. وإن فعل ذلك، يظن أنه أتى قدرًا من العبادة يمثل له غاية الجهد!! لكننا في شهر رمضان نفاجأ من أنفسنا أنها قد احتملت الصيام المتتابع لثلاثين يومًا!!

نعم.. تيسيرُ الأمر والمعونة عليه هو من الله تعالى.. لكنا هنا نلفت النظر، بجانب ذلك، إلى ما في النفس من طاقة تحتاج التفعيل؛ وهذا لا يكون إلا بالمتابعة والإصرار والجدية، مع التلطف في بدء الأمر.

كذلك الحال بالنسبة للقيام والتهجد.. ليتذكرْ أحدنا كم ليلة يقومها في غير رمضان! وبكم يقرأ فيها من القرآن!

لكن الأمر في رمضان على خلاف ذلك، والحمد لله.. والمطلوب هو المداومة بعد رمضان على هذا العطاء، ولو بدرجة أقل، لكن على ألا تصل إلى العدم!!

وقلْ مثل ذلك في فعل الخير الذي نحرص عليه في رمضان؛ من قراءة القرآن.. ومن الذكر.. ومن الصدقة.. ومن بذل الخير بصوره المتعددة..

ولهذا كان النبي يكثر من أعمال الخير في رمضان بدرجة أكبر مما سواه؛ فهو شهر الاستفادة القصوى من طاقات المرء، ومن أعمال البر. فكان يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. و«كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ. إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَلْقَاهُ، فِي كُلِّ سَنَةٍ، فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، فَيَعْرِضُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (متفق عليه من حديث ابن عباس).

نعم.. نحن لدينا طاقات كثيرة مخبوءة.. ولئن ساعدنا رمضانُ على اكتشافها وتفعليها، فمطلوب منا بعد رمضان ألا نعود إلى تعطيلها كالتي نقضت غزلها..!!

بل علينا أن ننقل هذا المعنى إلى جوانب حياتنا الأخرى.. من الإتقان في العمل.. إلى تنمية المجتمع.. إلى عمران الأرض.. إلى حسن الفقه في الدين.. إلى تجديد العلاقات الاجتماعية.. إلى غير ذلك من مجالات تنتظر أن نعيد اكتشافها على ضوء ما لدينا من طاقات مخبوءة معطَّلة، أو غير مفعَّلة على النحو المرجو..

وعسى أن نستصحب في سائر العام هذا الدرس الرمضاني المهم في استكشاف القدرات المخبوءة..