أصدرت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في قطر طبعة رابعة جديدة من كتاب “المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز” للإمام القاضي أبي محمد عبد الحق بن عطية الأندلسي (ت 541هـ)، في خطوة هامة لخدمة التراث الإسلامي وتيسير وصول الباحثين وطلاب العلم إلى كنوزه.
وتميّزت الطبعة الجديدة من “المحرر الوجيز” بنشرها في عشرة مجلدات متكاملة، بتحقيق علمي دقيق قائم على مقابلة المخطوطات النادرة وتخريج الأحاديث النبوية وتوثيقها من مصادر السنة المعتمدة، وإعداد فهارس علمية محكمة تُسهّل الوصول إلى الموضوعات والألفاظ بكل يُسر، إلى جانب عناية فائقة بالمواصفات الطباعية والإخراج الفني، مما يجعل من هذه الطبعة إضافة نوعية للمكتبات الجامعية والمراكز البحثية، ومرجعا موثوقا يلبّي احتياجات طلاب الدراسات العليا والباحثين المتخصصين في علوم التفسير.
ويأتي هذا الإصدار في سياق عناية الإدارة العامة للأوقاف في قطر بإحياء أمهات الكتب الإسلامية ونشرها محققة، وهو ما يعكس الدور الحضاري للمصرف الوقفي للتنمية العلمية والثقافية الذي تأسّس تلبيةً لرغبات الواقفين في دعم نشر العلم الشرعي الموثّق. وقد تكفلت إدارة الشؤون الإسلامية – الجهة المنفذة للمشروع – باختيار هذا التفسير الكبير ضمن أولوياتها، لما يحمله من قيمة علمية وتاريخية فائقة. ويُعدّ اختيار “المحرر الوجيز” نموذجا دقيقا لرؤية علمية تستند إلى معايير تحقق النفع العام والثراء الفكري.
نبذة عن الكتاب ومؤلفه
يعد “المحرر الوجيز” علامة فارقة في تاريخ علم التفسير، ونقطة تحول منهجية أفرزتها البيئة العلمية الزاخرة في الأندلس خلال القرن السادس الهجري. فمؤلفه هو القاضي أبو محمد عبد الحق بن عطية الغرناطي، أحد أعلام عصره الذي جمع بين الفقه المالكي والحديث واللغة والأدب، وسخّر هذه المعارف لخدمة القرآن الكريم. وقد نشأ في بيت علم، وأكمل تكوينه برحلته في طلب العلم إلى حواضر الأندلس الكبرى كقرطبة وإشبيلية، مما اكسبه شخصية علمية موسوعية ومستقلة.
منهجية ابن عطية الفريدة في التفسير
يكمن جوهر “المحرر الوجيز” في كونه عملاً يوازن بدقة متناهية بين التفسير بالمأثور — أي التفسير بالقرآن والسنة وأقوال السلف — والتفسير بالرأي — أي الاجتهاد القائم على أصول اللغة والشريعة. وقد أسّس ابن عطية لمنهج نقدي يقوم على التحرير والتهذيب، وهو ما يشير إليه عنوان كتابه بوضوح. فكلمة “محرر” تعني التدقيق والانتقاء، وكلمة “وجيز” تشير إلى القصد نحو الإيجاز غير المخل، في مقابل التفاسير الموسوعية التي سبقته.
منهج الإمام ابن عطية في التفسير
اعتمد الإمام ابن عطية في تفسيره منهجًا علميًا صارمًا جمع فيه بين أدوات الفقه واللغة والحديث، وتتلخص أبرز سمات منهجه في النقاط التالية:
- تحرير الأقوال وتمحيصها: لم يكتفِ بنقل الروايات، بل مارس دور المحقق في تحليلها وترجيح الأصح.
- العناية باللغة والنحو: أولى اهتمامًا فائقًا بجوانب الإعراب والبلاغة، مستعينًا بالشعر العربي والاستعمالات الفصيحة.
- منهج نقدي في التعامل مع الروايات: ميّز بين الصحيح والضعيف، ورفض الكثير من الإسرائيليات التي كانت منتشرة في كتب التفسير.
- مرونة فقهية: رغم انتمائه للمذهب المالكي، لم يتردد في ترجيح أقوال مخالفة إن كانت مدعومة بالدليل.
- البنية الوجيزة دون الإخلال بالمضمون: التزم بالاختصار من غير إخلال، ما جعل تفسيره ميسّرًا للباحثين وطلبة العلم.
حظي كتاب “المحرر الوجيز” بتقدير كبير من العلماء لما له من دور أساسي في التفسير، حيث وصفه أبو حيان الأندلسي بأنه أفضل ما صُنّف، واعتبره ابن خلدون نقطة عودة إلى التحقيق الدقيق.
وكان لتفسير “المحرر الوجيز” أثر بالغ في العديد من التفاسير اللاحقة، حيث اعتمد الإمام القرطبي في تفسيره “الجامع لأحكام القرآن” كثيرًا على منهج ابن عطية الذي جمع بين الرواية والتحليل، كما نقل عنه أبو حيان الأندلسي في تفسيره “البحر المحيط” باستفاضة، مع قيامه بمقارنات نقدية دقيقة. بالإضافة إلى أن ابن جزي في تفسيره “التسهيل لعلوم التنزيل” تبنّى نهج ابن عطية في الاختصار والتهذيب، وأشاد به كثيرًا.
تنزيل PDF