أعلنت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة قطر عن إصدار كتاب «التَماسك الأسرِي ودوره في رعاية الأبناء (دراسة وصفية تحليلية مقارنة)»، ويعد هذا المصنف العلمي أول اصدار يرى النور تحت مظلة جائزة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني المحلية المحكّمة في دورتها الأولى.
وأشارت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية إلى أن هذا الإصدار العلمي الذي يفتتح سلسلة البحوث المحكّمة للجائزة في مسارها المحلي، قد جاء حاملاً عنوان: «التَّماسك الأُسَرِيّ ودوره في رعاية الأبناء (دراسة وصفية تحليلية مقارنة)»، من إعداد وتأليف الدكتور عمر بن عثمان الخطيب. وأعربت الإدارة، في سياق تقديمها لهذا المنجز البحثي، عن أملها وتطلعها في أن يرتقي هذا المستوى المرصود من التماسك الأسري نحو آفاق أكثر عمقاً وثباتاً، مستنداً في ذلك إلى الدعم المطلق والجهود الحثيثة والكبيرة التي تبذلها مختلف مؤسسات الدولة، بشقّيها الحكومي والمجتمعي، في سبيل معالجة قضايا التماسك الأسري، والمحافظة على أركانه، وتوفير الرعاية الشاملة للأبناء، فضلاً عن العناية المركزة بفئات الأحداث والأطفال والنساء اللواتي تبوأن مكانة مرموقة ورفيعة في المجتمع القطري.
بنية مؤسسية متكاملة وجهود تعليمية وتاريخية رائدة
وتوقفت القراءة التحليلية للإصدار عند مظاهر حرص دولة قطر على توفير ركائز مؤسسية وبنى تحتية متطورة تدعم الكيان الأسري وتصونه؛ حيث تجسد هذا الاهتمام في إنشاء منظومة متكاملة من المراكز والجهات المتخصصة، والتي شملت توفير وإقامة مراكز متطورة للاستشارات والتدريب والإصلاح الأسري، إلى جانب إنشاء وزارة خاصة ومستقلة تعنى بشؤون الأسرة لتكون المظلة السيادية للخطط الاجتماعية، فضلا عن تأسيس محاكم متخصصة للأسرة لضمان العدالة الناجزة والخصوصية في النزاعات، وإنشاء معاهد بحوث مسحية متقدمة تضطلع بمهمة الدراسة العلمية المستمرة لقضايا الأسرة ورصد ظواهرها وتطوراتها.
وفي السياق ذاته، نوهت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية بالدور المحوري والطليعي الذي تضطلع به مؤسسات التعليم في الدولة بشكل خاص، مشيدة بسعيها المتواصل والدؤوب نحو تعزيز قيم الأخلاق والمبادئ المجتمعية الأصيلة، وتوعية الأجيال الناشئة بأهمية استقرار الأسرة لبناء المجتمع، ويتحقق ذلك من خلال مسارات مدروسة تشمل ضبط المناهج الدراسية وتطويرها، وإيجاد وترسيخ القدوات الإيجابية في المحيط التربوي، فضلا عن امتلاك المرونة الكافية لمواكبة ومعالجة التأثيرات العميقة والمتسارعة الناتجة عن تدفق التقنيات الحديثة في حياة الأبناء.
المقاصد الشرعية والبناء المنهجي للدراسة الأسرية
وفي إطار تسليط الضوء على المنطلقات الفكرية للكتاب، قال الشيخ الدكتور أحمد بن محمد بن غانم آل ثاني، مدير إدارة البحوث والدراسات الإسلامية: إن الكتاب يأتي في إطار اهتمام وزارة الأوقاف وحرصها على مواصلة جهودها الدعوية، والثقافية، وإيصال رسالتِها العلمية والفكرية الرامية إلى إبراز القيم الإسلامية، وتعزيز الوعيِ المجتمعي، ودعمِ الدراسات الجادّة التي تُعالج قضايا الإنسان والأسرة والمجتمع، في ضوءِ الهديِ الشرعيِّ ومقاصده الكلية.
وأضاف إن كتاب التماسك الأُسري ودوره في رعاية الأبناء (دراسة وصفية تحليلية مقارنة)، هو في أصله بحث فائز «بجائزة الشيخ علي بن عبد الله آل ثاني الوقفية المحلية المحكّمة» في دورتها الأولى، حيث تناول موضوعًا بالغَ الأهمية، يمسُّ صميمَ البناء المجتمعي، وهو تماسك الأسرة بوصفها الحاضنة الأولى للإنسان، والأساس المتين في بناء الشخصية، وترسيخ القيم، وحماية المجتمع من مظاهر التفكك والاضطراب، معرباً عن أمله في أن يكون الكتاب مرجعًا نافعًا للقارئ المسلم.
واشتمل اصدار «التَماسك الأسرِي ودوره في رعاية الأبناء (دراسة وصفية تحليلية مقارنة)» على مقدمة منهجية، وتمهيد تأصيلي، وخاتمة تلخص أبرز النتائج، وفهارس فنية مفصلة، وتوزعت مادته العلمية على ثلاثة فصول رئيسية:
الفصل الأول: خصص لمناقشة وتحديد مفاهيم ومصطلحات التماسك الأسري وتأطيرها علمياً.
الفصل الثاني: ركز على دراسة التَماسك الأسري في ظل أحكام وتشريعات الشريعة الإسلاميَة ومقاصدها.
الفصل الثالث: رصد وبحث واقع التماسك الأسري في المجتمع القطري والجهود المؤسسية المبذولة فيه.
تشريح عوامل استقرار الأسرة
أفردت الدراسة مساحة تحليلية هامة ومستفيضة لتشريح البنية النفسية والاجتماعية للأسرة، ملقية الضوء على القوى والظواهر التي تؤثر سلبا أو إيجابا على استدامتها ومتانتها. وتوصل الباحث من خلال استقرائه العلمي إلى تحديد وتصنيف هذه العوامل بدقة لبيان انعكاساتها المباشرة على الأبناء وتنشئتهم.
وبناء على التقييم التشريحي المتضمن في الدراسة، تنقسم العوامل المؤثرة في استقرار البناء الأسري إلى شقين متقابلين؛ يمثل الشق الأول عوامل التأثير السلبي التي تعد مهددات حقيقية للتماسك ومؤشرات منذرة بالتفكك وضياع الأبناء. وفي هذا السياق، يتصدر سوء وتردي العلاقة البينية بين الزوجين وغياب لغة التفاهم قائمة المخاطر، يرافقه ضعف وعجز عن تحمل المسؤولية المناطة بأحد الطرفين، مما يخلق خللا واضحا في إدارة شؤون الأسرة اليومية. ويمتد الأثر السلبي ليشمل وهن وضعف قنوات التواصل الأسري، سواء في مستواها الأفقي بين الشريكين أو في علاقتها الرأسية بالأبناء، وتكتمل دائرة هذه المهددات مع كثرة المتطلبات والاحتياجات الحياتية المتزايدة حين تقترن بسوء التدبير المالي وعدم القدرة على تلبية تلك الاحتياجات بحكمة.
وفي المقابل، تفصل الدراسة في شقها الثاني ركائز الاستقرار وعوامل التمكين النفسي والصحي التي تضمن تمتين الكيان الأسري وحمايته.ويأتي الإحساس التام بالأمن والأمان داخل المحيط الأسري كحجر أساس صلب في هذه المنظومة الحمائية، يعززه حرص أفراد البيت على إشاعة وإبداء مشاعر الحب والمودة لكافة أفراد الأسرة دون استثناء لبناء متانة عاطفية مشتركة. ولضمان ديمومة هذا الاستقرار، تبرز القدرة العالية على مواجهة وتجاوز وحل المشكلات بحكمة وهدوء، أداة وقائية أساسية ضد الأزمات العارضة، مما يفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق التوازن النفسي والصحي الشامل، وهو الثمرة الحتمية والمباشرة الناتجة عن الشعور المستدام بالاستقرار والدعم الأسري المتبادل.
ويخلص البحث إلى نتيجة حتمية ومؤداها أن التفكك الأسري ينتج في أصله من عدم الشعور بالأمان، وضعف القدرة على مواجهة وتجاوز وحل المشكلات المجتمعية بطرق تربوية حكيمة.
أبعاد الوقف العلمي نشأة الجائزة وتطور مساراتها البحثية
وفي سياق متصل يعكس الرؤية الحكيمة في توطين البحث العلمي وتشجيع الكفاءات الوطنية، يبرز البعد التاريخي والمؤسسي لهذه الجائزة الوقفية حيث كانت إدارة البحوث والدراسات الإسلامية قد أعلنت في عام 2023م عن خطوة استراتيجية تمثلت في إنشاء وتدشين فرع جديد ومستقل يتبع لـ «جائزة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني الوقفية العالمية المحكمة»، ويكون هذا الفرع حكراً وخاصاً بالباحثين القطريين. وجاءت هذه المبادرة الوقفية والمجتمعية تشجيعاً وتحفيزاً لهم لخوض غمار البحث والتأليف العلمي الجاد، بما يخدم المجتمع وقضاياه الحيوية، وحثهم على الاجتهاد في محاولة تقديم إجابات منطقية، وحلول علمية وعملية وافية لتساؤلات مطروحة حول موضوعات تهم المجتمع القطري، على كافة المستويات والمصاعد: الثقافية، والفكرية، والعلمية، والاجتماعية.
وتجدر الإشارة، في هذا المقام المعرفي، إلى أن «جائزة الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني الوقفية العالمية المحكّمة» تمثل صرحاً فكرياً وثقافياً عريقاً في المنطقة؛ إذ أنشأتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في عام 1998م، لتصبح منذ ذلك التاريخ أول وأكبر جائزة وقفية محكّمة متخصصة في مجال الثقافة والدعوة والفكر الإسلامي في دولة قطر، وهي جائزة يتم طرحها في كل عام لتشجيع البحث العلمي، وسعياً إلى تكوين جيل من العلماء في ميادين العلوم الشرعية المتعددة.
وتحمل الجائزة اسم حاكم قطر الأسبق الشيخ علي بن عبدالله آل ثاني، رحمه الله، رفعا لذكره، وتخليدا لذكراه، وعرفانا بفضله في مجال نشر العلم وإحياء التراث الإسلامي، ورعاية العلماء والباحثين، لتستمر الجائزة اليوم في أداء رسالتها الحضارية وتأصيل الحلول الناجعة لقضايا الأمة ومجتمعاتها الحاضرة.
