مع الرقمية، الماضي لا يموت، ولا ينتهي، ومع افتتان الجميع بالرقمية، أصبحت الحياة الشخصية للفرد بكافة تفاصيلها وتحولاتها، متاحة أمام الجميع، منذ اللحظة التي يقرر فيها بث هذا المحتوى على الانترنت، فبمجرد أن تتصل لحظتك وذاكرتك بالشبكة العنكبوتية،  فأنت تفقد السيطرة على ما تبثه، وقد لا تستطيع إلغاءه أو شطبه، حتى وإن رغبت؛ بل إن الماضي قد يرسم معالم مستقبلك القادم، ولعل هذا ما جعل “الابتزاز الإلكتروني” Electronic blackmail ظاهرة متصاعدة، ففي سنوات قليلة زادت عشرة أضعاف، وأصبح الكثير، خاصة الفتيات الصغيرات عرضة للاستغلال بكافة أشكاله، وبعضهن أقدمن على التخلص من حياتهن خوفا من التشهير والفضائح.

غياب الحواجز

وسائل التواصل الاجتماعي كسرت جميع الحواجز الاجتماعية والجغرافية، وتسللت إلى غرف النوم، وإلى دقائق الحياة الشخصية، ومع الانبهار بتلك التكنولوجيا، والرغبة في تحصيل أكبر قدر من الإعجاب، انهدمت جدران الخصوصية، وحلت مكانها الرغبة في الشهرة، ومع ذلك الجموح ظهرت القدرة على التصيد والتشهير والابتزاز، وهي جريمة متنامية في كل مجتمعات العالم، إذ ترصد أجهزة التحقيق الكثير من الشكاوى والبلاغات عن تنامي الظاهرة، وبدلا من أن تعزز الرقمية قيم التواصل، فإنها كانت مدخلا للحصول على المعلومات؛ بل وإختراق أجهزة “الموبايل والكمبيوتر” والقرصنة على محتوياتها، واستغلالها للضغط على الضحايا للانصياع للرغبات الآثمة.

وإذ كانت تجربة الحياة تؤكد أنه لن يتمكن من ابتزازك إلا القريبون منك، لمعرفتهم بنقاط ضعفك، فإن الرقمية أوجدت انكشافا معلوماتيا،  وتآكلا للخصوصية (Privacy Erosion) ، بعدما صارت الرقمية جزءا من تكوين الحياة ونشاطها، بدءا من موقع التواصل الاجتماعي، إلى صفحات البحث على الويب، إلى خاصية تحديد الموقع، فالرقمية ألغت المسافات، ومن ثم أصبحت أيدي المبتزين قريبة جدا من ضحاياهم، ومكنتهم منهم بدرجة كبيرة.

و الابتزاز الإلكتروني هو تهديد بالتشهير بمشاركة معلومات تخص شخص ما، بما في ذلك الصور والفيديو، على الانترنت، مالم يستجيب لمطالب المُبَتز، والتي تكاد تنحصر في طلب المال أو الاستغلال الجنسي.

وقد يحدث الابتزاز نتيجة اختراق أو قرصنة للهاتف أو للكمبيوتر الخاص بالشخص، أو حتى استغلال صور عادية والتلاعب فيها من خلال البرامج الحديثة في المونتاج والجرافيك ليظهر ذلك الشخص في شكل مخزي وفاضح، واستغلال هذا للضغط على الضحية وابتزازها، وتشير الدراسات أن الضحية مسئولة بنسبة قد تقترب من 80% عن تعرضها للابتزاز الإلكتروني، وذلك إما من خلال مشاركتها بصور أو فيديوهات تخصها مع آخرين، أو من خلال عدم اتقان الطريقة المثلى للحفاظ على الخصوصية المعلوماتية، وعدم تمكين الآخرين من اخترق الهاتف أو البريد الالكتروني أو الكمبيوتر الخاص .

ويلاحظ أن بعض عمليات الابتزاز قد تكون وهمية، أي يتم خداع الضحية، ويقع في هذا الفخ صغار السن من المراهقين خاصة الفتيات، وأمام الخوف من الفضح والتشهير قد تلجأ الضحية إلى الانصياع للابتزاز، أو قد تتخلص من حياتها خوفا من الفضيحة، وفي حالات قليلة قد تلجأ إلى الأسرة أو جهات التحقيق الرسمية لانقاذها، خاصة إذا وقعت أخطاء من الضحية مثل ارتكاب فعل مشين تم توثيقه.

مقاومة الابتزاز

يتسبب الابتزاز الإلكتروني في مشكلات نفسية وسلوكية للضحايا، وقد يدفعهم إلى الانزواء أو يصيبهم  بالاكتئاب، وقد يضطرهم إلى ارتكاب الجرائم، وهذا يتطلب الاحاطة ببعض القواعد للتعامل في حال التعرض للابتزاز، كذلك على الأسرة أن تتفهم الموقف إذا تعرض أحد أفرادها للابتزاز بسبب أخطاء ارتكبها، واستطاع شخص آخر أن يساومه عليها أو يهدده بنشرها والتشهير به مالم يستجب لمطالبه.

ولعل من أهم تلك القواعد، هي أن يميز الشخص بين ما ينشره على الانترنت، وبين ما يحتفظ به لنفسه بعيدا عن الشبكة، كذلك ألا يسمح لحياته وخصوصياته أن تكون نهبا على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى لا تُستغل ضده، وهذا يفرض أن يكون حذرا في نشر صوره، كذلك أن يراعي الخلق والفضيلة عند الحديث مع الآخرين.

لكن الأخطر والأسوأ في موضوع “الابتزاز الإلكتروني” هو أن يتعرض طرف داخل الأسرة من الابتزاز على يد آخر، ويكثر هذا الابتزاز بين الأزواج عندما تسوء العلاقة بينهما، فيستغل أحد الأطراف ما في حوزته من صور أو فيديوهات ضد الآخر، وهو ما يفقد الحياة الزوجية مظلة الأمان والطمأنينة، وهو ما يفرض على الزوجين أن يُبقيا علاقتهما في إطار الستر، ولا يسعيا لتسجيل تلك اللحظات الخاصة، وأن يدركا أن التكنولوجيا الرقمية قد تستخدم كأداة للتخويف والابتزاز.

من ناحية أخرى يجب على أولياء الأمور ألا يُهملوا أولادهم بتركهم عرضة للابتزاز، إذ يجب أن يكون للوالدين حضور في حياة أبنائهم، وألا يكونا غائبين عن المواقع التي يرتادها أولادهم أو الصداقات التي يكونونها أو المحتوى الذي يبثونه على الانترنت، ويؤكد المختصون أن بوابات الألعاب هي مناطق اصطياد سهلة للأطفال والمراهقين، لأن من يقوم بالابتزاز الإلكتروني يعرف نقاط قوة وضعف ضحاياه من خلال المحتوى الذي يُبث، في ظل سيادة  ثقافة البوح وسيطرتها على جمهور الانترنت، ووفقا للاحصاءات الأمريكية عام 2020 فإن الابتزاز من بين أكبر ثلاث جرائم على الانترنت، حيث وصلت عام 2020 إلى أكثر( 76 ) ألف حالة، مقارنة بـ (43) ألف حالة عام 2019، وهو ما يؤكد أن الجريمة في تصاعد مستمر، رغم تشديد العقوبة، ومن النصائح المهمة في هذا الشأن ألا تخضع الضحية للابتزاز، لأنه لن يكون مرة واحدة، وإنما سيكون مسار متكرر، ولن يهدأ هؤلاء المُبتَزون إلا مع عصر الضحية حتى آخر قطرة، لهذا كانت الوقاية مهمة .

والحقيقة أن الموقف الإسلامي شديد الوضوح في مقاومة الابتزاز الإلكتروني، إذ يعتبره نوعا من الرغبة في إشاعة الفاحشة، قال تعالى:”إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ”[1] ، وقد تحدث أصحاب التفاسير حول هذه الآية كثيرا، إذ أن الآية نصت على عقوبة دنيوية وأخروية على من يحب إشاعة الفاحشة، حتى وإن لم يفعل شيئا ماديا، لأن التلذذ برؤية الفاحشة تستشري في المجتمع، خُبث في نفس يستحق العقاب، وما يمنع هذه النفس عن ارتكاب الفاحشة أو إذاعتها ليس التقوى والورع، ولكن عدم القدرة، يقول الإمام “الرازي” في تفسير هذه الآية:” وذلك يدل على وجوب سلامة القلب للمؤمنين كوجوب كف الجوارح”، وجاء في تفسير “الظلال” أن هؤلاء الذين يحبون أن تشيع الفاحشة:” إنما يعملون على زعزعة ثقة الجماعة المؤمنة بالخير والعفة والنظافة؛ وعلى إزالة التحرج من ارتكاب الفاحشة، وذلك عن طريق الإيحاء بأن الفاحشة شائعة فيها . . وبذلك تشيع الفاحشة في النفوس، لتشيع بعد ذلك في الواقع” أي أن هؤلاء يُشيعون الفاحشة في الواقع الافتراضي قبل أن يُشيعوها في الواقع المُعاش، لذلك شددت الآية على الجانب الوقائي، والوقاية تبدأ من تنقية القلوب قبل ضبط الجوارح .

كذلك نهى الإسلام عن تتبع عورات الناس، واعتبر أن من يفعل ذلك يكون عقابه الفضيحة، إضافة إلى عذاب الآخرة، ففي حديث الترمذي” صعد رسول الله، ، المنبر فنادى بصوت رفيع، فقال: يا معشر من قد أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيروهم، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم، تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته، يفضحه ولو في جوف رحله”.


[1] سورة النور: الآية: 19