هجرة الإنسان لوطنه ومرابع صباه حالة قديمة قدم الإنسان على وجه هذه الأرض، فارتحال الإنسان وهجرته ومفارقته لموطنه قد تكون له دوافع كثيرة، منها:

– الهجرة لأسباب اقتصادية: فقد تنشأ ببلد فقير لا يلبي احتياجاتك، وتنتشر فيه البطالة والفقر والفساد، ونقص الخدمات الصحية والتعليمية، وكل ما ينتمي إلى عوامل التنمية حتى في حدودها الدنيا، فهنا يكون الوطن طاردًا لأبنائه، فيهجر الإنسان وطنه إلى بلد آخر بحثًا عن وضع معاشي أفضل([1]).

– الهجرة لأسباب اجتماعية: قد يكون تطور الأفراد وطموحاتهم لا تسعها مجتمعاتهم، فيبحثون عن بلدان أخرى تكون مناسبة لطموحاتهم ورغباتهم ومؤهلاتهم.

– الهجرة لأسباب سياسية: قد يتحكم في بلد الإنسان من لا يرغب في حياة سياسية تنافسية، فيعمل على إقصاء الآخر، ومن لا يسير على هواه، فيزيد من قبضته الأمنية بالمصادرة والمطاردة والاعتقال والاغتيال، فيكون البلد سجنًا كبيرًا، فيرى البعض أن يتنسم عبير الحرية في بلد أخرى.

– الهجرة هروبًا من ويلات الحروب: تبتلى بعض المجتمعات بنشوب الحروب فيها، إما لعدوان خارجي عليها، أو لاقتتال داخلي فيها بين أبناء الوطن الواحد، فلا يجد البعض مفرًّا من الهروب من تلك الحروب الطاحنة التي لا يأمن الإنسان فيها على نفسه أو عرضه أو ماله.

– الهجرة لأسباب بيئية: قد تحدث الكوراث الطبيعية -مثل: حدوث زلزال أو بركان أو إعصار أو فيضان أو الجفاف- في بلد ما فيضطر أصحابها لترك أماكن عيشهم، مؤقتًا أو بصفة دائمة، بسبب التدهور البيئي الشديد الذي يهدد بقاءهم([2])

– الهجرة لأسباب دينية: حدثت على مر التاريخ الهجرات لأسباب دينية، وأشهرها على الإطلاق هجرة المسلمين إلى الحبشة وإلى المدينة المنورة، وذلك بسبب الاضطهاد الديني الذي قامت به قريش ضد المسلمين.

وقد تكون الهجرة للدعوة إلى الدين، مثلما ترك الصحابة أرضهم وانبعثوا في الأرض داعين ومبشرين بدين الإسلام.

وبالنظر في كل هذه الأسباب المذكورة وغير المذكورة المؤدية للهجرات فإننا نجد أن الهجرة على نوعين:

– هجرة اختيارية: وهي التي يفعلها الإنسان بمحض اختياره، كالذي يبحث عن حياة أفضل في بلد أخرى، فيهجر بلده إلى البلد الجديد.

والهجرة الاختيارية قد يقطعها الإنسان بالعودة إلى بلده الأم إذا شعر أنه لم يحصل على ما كان يريده ويتغياه

– هجرة جبرية قسرية: وهي التي يتم فيها تهجير أفراد أو مجموعات دون رغبة منهم، مثل ما حدث لمسلمي الأندلس، أو لأهل النوبة بعد إنشاء السد العالي بمصر، أو للمسلمين الذين هجرهم ستالين إلى سيبيريا.

أو تكون أسماء البعض على ترقب الوصول في المطارات والمنافذ في أوطانهم فلا يستطيعون الدخول إليها، فيظلون في الخارج.

وهذه الهجرة لا يستطيع أصحابها أن يقطعوها ويعودوا إلى أوطانهم وقتما شاءوا، وتكون العودة ممكنة عند تغير الظروف أو الأنظمة… إلخ.

فعن ابن عباس قال: قال رسول الله -- لمكة: “ما أطيبك من بلد وأحبك إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك([3]).

ويمكن النظر إلى الهجرة من زاوية أخرى، وهي مسألة الفترة التي يقيمها المهاجر في مهاجره، وهل هي دائمة أم مؤقتة؟

وهي نوعان -أيضًا:

– هجرة مؤقتة: وأشهر مثال عليها هي هجرة المسلمين الأوائل إلى الحبشة هجرتين، وقد امتدت عدة سنوات، إلا أن المسلمين لم يجعلوها وطنًا دائمًا، بل وطنًا مؤقتًا لحين قيام دولة للمسلمين يلجؤون إليها، ويجدون فيها الحماية.

– هجرة استيطانية أو دائمة: وأشهر مثال عليها الهجرة إلى المدينة المنورة، التي أصبحت مستقرًا دائمًا للمسلمين المهاجرين، حتى إن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما فتح مكة لم يعد إليها، وقد نادى في الأنصار: “يا معشر الأنصار“.

قالوا: لبيك يا رسول الله.

قال: “قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته“.

قالوا: قد كان ذاك.

قال: “كلا، إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، والمحيا محياكم، والممات مماتكم“.

فأقبلوا إليه يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله.

فقال رسول الله -: “إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم([4])

– الانقطاع الثلاثي: يعاني المهاجر أشد المعاناة ببعده عن وطنه؛ حيث يعاني ألم فقد الأحباب، وألم الغربة في مجتمع لم يألفه ولم يألفوه، عادات مختلفة لا يعرفها، ولغات لم يخبرها قبلاً… إلخ.

وأشد أحوال الهجرة إيلامًا تلك التي يكون الانقطاع فيها عن أمور ثلاث:

“عن الوطن الأم، وعن العائلة، وعن البلد المضيف”([5]).

فهي غربة مركبة يفقد فيها المهاجر الأنيس والجليس، لذا فإن أول درجات تخفيف حدة الأزمة أن يحاول المهاجر أن ينخرط في المجتمع الجديد إلى حين تكوين أسرة له؛ فتكون تسرية له عما فاته في بلده وموطنه الأصلي.

وقد وقع الصحابة الأولون بعد مهاجرهم إلى المدينة في تلك الأزمة؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما قدم رسول الله -- المدينة وعك أبو بكر وبلال.

فكان أبو بكر إذا أخذته الحمى يقول:

كل امرئ مصبح في أهله        والموت أدنى من شراك نعله

وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى يرفع عقيرته يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة         بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أردن يومًا مياه مجنة          وهل يبدون لي شامة وطفيل

قال: اللهم العن شيبة بن ربيعة، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.

ثم قال رسول الله -: “اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا، وفي مدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة([6]).

فهم يحنون إلى مكة، ولم تصح أجسامهم في المدينة، وقد افتقدوا أهلهم وانقطعوا عنهم، فما كان من المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم- إلا أن دعا الله -تعالى- أن يحبب إليهم المدينة أرض مهاجرهم، حتى يطيب لهم العيش، وتستقيم لهم الحياة، وتنتهي أزمتهم مع أرض هجرتهم.

 


([1]) نبيل تللو: هجرة بني البشر… أسبابها وأشكالها ونتائجها، موقع مجلة (الباحثون)، العدد (68)، شباط 2013م.

([2]) السابق.

([3]) أخرجه الترمذي في “المناقب”، باب: “في فضل مكة”، ح(3926)، وقال أبو عيسى: “هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه”، وقد صححه الألباني في “صحيح سنن الترمذي”.

([4]) جزء من حديث أخرجه مسلم في “الجهاد والسير”، باب: “فتح مكة”، ح(1780).

([5]) أوليفييه روا: عولمة الإسلام، ص(202).

([6]) أخرجه البخاري في “فضائل المدينة”، ح(1889).