نعى الأكاديميون والمثقفون في القارات الثلاث البروفيسور علي جِمْعالي أحمد (1954-2026)، الذي رحل في 31 مارس 2026 بنيويورك عن عمر ناهز 71 عاماً. مثلت مسيرته جسراً متيناً يربط التراث الشفهي الصومالي بأدوات النقد الغربي المعاصر، متجلياً في صورة مفكر يشرح الجسد الثقافي بغرض استئصال الأوهام القومية المتجذرة. عُرف في الأوساط الثقافية بلقب “طبيب الأمة”؛ نظراً لإيمانه الراسخ بأن النقد الثقافي يمثل مشرطاً جراحياً يؤلم صاحبه بقدر ما يمنحه الشفاء، محولاً الأدب أداة استراتيجية لاستعادة الوعي الوطني المنهار وتفكيك الأزمات البنيوية التي عصفت بالصومال.
النشأة والتعليم
ولد علي جِمْعالي أحمد في 17 أبريل 1954 م بالعاصمة الصومالية مقديشو، وسط إرهاصات الحراك السياسي والاجتماعي نحو الاستقلال الصومالي. نشأ في بيئة منزلية غنية بالتراث، حيث غرس والداه “حكاءان ماهران” في وجدانه حب السرد وأهمية الحكاية قبل إتقانه القراءة والكتابة. شكلت هذه “الجامعة الشفهية” حجر الزاوية في أبحاثه اللاحقة حول “الشاعرية والنوتيقا” في الأدب الشفهي، محاولاً فهم الكيفية التي يصيغ بها الإنسان هويته وذاكرته عبر الكلمة المنطوقة.
تلقى تعليمه في مدارس مقديشو، وصولاً إلى مدرسة “15 مايو” الثانوية، المعروفة بمدرسة “بنادر”، التي كانت منارة للوعي القومي آنذاك. وهناك، في منعطف تاريخي، التقى بالروائي العالمي نور الدين فارح مدرساً للغة الإنجليزية فترة وجيزة، تزامنت مع نشر رواية فارح الأولى “من ضـلع أعـوج”. ألهم هذا اللقاء علي جِمْعالي الشاب اتخاذ السرد وسيلة للمقاومة الفكرية، فبدأ كتابة المقالات والقصص القصيرة بذكاء لاذع تجاوز سني عمره، مما لفت أنظار معلميه ومحيطه الثقافي.
التحق لاحقاً بكلية التربية في “لافولي” (جامعة الصومال الوطنية)، وحصل على بكالوريوس اللغة الإنجليزية وآدابها. كانت لافولي في تلك الحقبة مختبراً لتخريج نخبة المثقفين الصوماليين، فامتزج تحصيله الأكاديمي الرصين بوعي حاد بالتناقضات الاجتماعية والسياسية، مما ساهم في تشكيل ملامح “المثقف العضوي” في شخصيته قبل رحيله إلى الشتات.
مراقبة “صناعة الأسطورة”
شغل جِمْعالي في الصومال منصباً إدارياً في مؤسسة التعاونيات التابعة للنظام العسكري، وشارك في فريق كُلف بكتابة سيرة ذاتية للرئيس الأسبق محمد سياد بري. ورغم توقف ذلك المشروع، أتاحت له التجربة فهم آليات “صناعة الأسطورة السياسية” من الداخل، وهي الآليات التي تفرغ التاريخ من حقيقته لتصنع “الزعيم الأوحد”. قام لاحقاً بتفكيك هذه التجربة نقدياً بصرامة في مؤلفاته، معتبراً إياها جزءاً من أزمة الوعي الصومالي.
برز اسم جِمْعالي في صحيفة “هيجان” (Vigilance)، الصحيفة الوحيدة الصادرة بالإنجليزية آنذاك، مسلطاً الضوء على التمييز الممارس ضد أقليات “البانتو” والحرفيين المهمشين. تحدى في كتاباته الرواية الرسمية حول “التجانس الصومالي المطلق”، ممارساً ما يمكن وصفه بـ “المعارضة الهادئة” من داخل المنظومة الإعلامية. وعبر أثير راديو مقديشو، قدم برنامجه الشهير “الكتابة والكُتّاب” (Writing and Writers)، مترجماً أعمال الكيني “نغوجي وا ثيونغو” لربط المستمع الصومالي بقضايا التحرر الأفريقية الكبرى، ومحولاً قصصه الإذاعية أداة لنقد النظام بشكل مبطن يهدف لصناعة الوعي الشعبي.
القلق التاريخي في الغربة
غادر علي جِمْعالي الصومال في 30 ديسمبر 1982 متوجهاً إلى نيويورك، ثم انتقل إلى جامعة كاليفورنيا (UCLA) عام 1983 بمنحة دراسية. في الولايات المتحدة، اشتبك مع الفكر الغربي نداً فكرياً، فترأس تحرير مجلة “أوفاهامو” (Ufahamu) المرموقة، محولاً إياها منصة لنشر الفكر الأفريقي التحرري الرصين. نال درجة الماجستير في الدراسات الأفريقية، ثم توج مساره بنيل درجة الدكتوراه في الأدب المقارن عام 1989م.
بدأ في تلك المرحلة ما وصفه بـ “قلقه التاريخي” تجاه الصومال الذي بدأ ينزلق نحو الانهيار. استخدم الغربة مرآة يرى من خلالها وطنه بوضوح أكبر، محافظاً على هويته الثقافية الصومالية دون الانصهار التام في القوالب الأكاديمية الغربية الجامدة، مما منحه رؤية “ثنائية المنظور” مكنته من تحليل الأزمة الصومالية بجرأة نادرة.
انضم البروفيسور جِمْعالي إلى هيئة التدريس في جامعة “كوينز كوليدج” ومركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك (CUNY)، متولياً رئاسة قسم الأدب المقارن. اعتمد في تدريسه المنهج السقراطي، واصفاً التعليم بأنه “حركة مرور ذهاباً وإياباً”، حيث دفع طلابه باستمرار نحو قراءة النصوص المتعارضة لاكتشاف الروابط الخفية في العالم. رفض بشدة التخصصات الأكاديمية المنفصلة، معتبراً إياها عائقاً أمام فهم الحقيقة الكلية.
استشهد مراراً بمثل “الفيل والعميان الثلاثة” لتوضيح فكرته؛ فكل جزء منفصل من المعرفة لا يكفي للوصف الكامل للواقع. تقديراً لعطائه، حصد البروفيسور جائزة الرئيس للتميز في التدريس عام 1994، ونال منحة NEH الرئاسية للمشاريع المبتكرة من الصندوق الوطني للعلوم الإنسانية. نجح جِمْعالي في جعل قاعات المحاضرات فضاءً لنبض الأمة عبر بوابة الأدب والنقد الجاد.
جراحة فكرية للهوية الصومالية
في كتابه العمدة “اختراع الصومال” (1995)، وضع جِمْعالي مفهوم الهوية الصومالية تحت المجهر النقدي. جادل بأن الهوية الصومالية الحالية تمثل “اختراعاً” استعمارياً وقومياً نخبويياً استُخدم لتبرير السيطرة السياسية. تحدى بجرأة أسطورة “التجانس الصومالي”، مكشفاً تهميش الأقليات العرقية والثقافية غير الرعوية.
ألقى الضوء في هذا السياق على “العامل العربي” في الهوية الصومالية، مبيناً التأثيرات الإسلامية العميقة وتأثير حكايات “ألف ليلة وليلة” في المخيال الشعبي، مما يجعل الهوية الصومالية نسيجاً متعدداً يتجاوز القوالب العرقية الضيقة. أما في كتابه “الفجر قريب” ، فقد ربط الأدب بالقبيلة والدولة، معتبراً الأدب أداة تشخيصية تنبأت بالانهيار قبل وقوعه بسبعة عشر عاماً، مسجلاً الصراعات المكتومة التي تجاهلتها التقارير السياسية الرسمية.
شجون الشتات في أدب جِمْعالي أحمد
اندمج في شخصية جِمْعالي الأديب المبدع بالناقد الصارم. في مجموعته “خوف هو بقرة” ، استلهم الحكمة الشعبية الصومالية ليصيغ رؤية كونية عن الخوف والشجاعة. وفي ديوانه “شجون الشتات” (Diaspora Blues)، صاغ مرثية بليغة للمثقف المغترب الذي يعيش حالة من الحنين واللاانتماء في آن واحد.
أصدر عام 2018 م روايته الهامة باللغة الصومالية (Gaso, Ganuun, and Gasiin)، ليثبت وفاء لغته الأم لقضايا الفلسفة والوجود. تعامل مع اللغة الصومالية أمانة تاريخية، فدافع عن توثيق التراث الشفهي باعتباره “أرشيفاً داخلياً” للأمة، مقارناً أهمية تدوينه برحلة الأوروبيين الذين تخلوا عن اللاتينية لصالح لغاتهم الوطنية لتأسيس نهضتهم.
مبدأ توطين المشكلة
تبنى البروفيسور جِمْعالي موقفاً فلسفياً صارماً برفض “التبرير الخارجي” للأزمات الصومالية، منادياً بضرورة “توطين المشكلة” (Indigenizing the Problem). رأى أن الشفاء الحقيقي يبدأ باعتراف الصوماليين بمسؤوليتهم عما آلت إليه أوضاعهم، بعيداً عن شماعة الاستعمار أو المؤامرات الدولية. وفي قصيدته الشهيرة “الكلمة”، حلل اللغة أداة بناء أو إبادة معنوية تحت وطأة السلطة الغاشمة.
حلل أعمال رفيقه نور الدين فارح، خاصة في روايتي “أسرار” و”روابط”، واصفاً إياها “سرداً علاجياً” للصدمة الوطنية، حيث يغدو الأدب وسيلة لمواجهة الفظائع وترميم الشروخ النفسية. ولم يغب عن الساحة الإنسانية في سنواته الأخيرة، فانتقد بشدة قرارات حظر السفر عام 2017 م واصفاً إياها بالسياسة الرخيصة التي تدمر حياة الأبرياء وتدفع نحو اليأس والتطرف.
ماذا قالوا عن علي جِمْعالي أحمد ؟
أثار رحيل البروفيسور موجة من الرثاء العلمي الذي يبرز قيمته الاستثنائية؛ إذ يصف الكاتب والباحث علي حلني هذا الأثر في مقاله عبر “بوابة أفريقيا” قائلاً:
“مثّل علي جِمْعالي أحمد جسراً فكرياً ربط ببراعة نادرة بين الصحراء الصومالية المليئة بالأساطير وأروقة الجامعات الأمريكية الصارمة. كان حارساً للذاكرة الوطنية، متشككاً في ‘الدول المخترعة’، وصوتاً جسوراً أصرّ على أن كرامة الشعوب تنهض بمواجهة التاريخ بوجوهنا الحقيقية، ضامناً بتكلمه نيابة عن الصامتين ألا تسكت القصة الصومالية أبداً.”
وفي السياق ذاته، دوّن الباحث اليمني نبيل البكيري والمهتم بقضايا الفكر الإسلامي والعلوم الاجتماعية شهادته عبر منصة (X) مؤبناً الراحل:
“رحيل المفكر والأديب الصومالي الكبير علي جِمْعالي أحمد ١٩٥٤-٢٠٢٦، الذي يٌعد بحق طبيب الأمة الصومالية، ومفكك أساطيرها المؤسسة، عاش في الغرب طويلاً استاذاً زائراً وباحثاً ومحاضراً في كثير من الجامعات الغربية والأمريكية تحديداً. كان رجلاً موسوعياً يتحدث العديد من اللغات و أثارت كتاباته النقدية حول التاريخ والهوية والدولة الوطنية في الصومال العديد من الجدل لما أمتاز به أسلوبه في النقاش العلمي الصادم في تفكيك الكثير من المقولات السائدة التي بنيت عليه كثير من القضايا من الهوية الصومالية إلى الدولة الوطنية إلى الأصل الواحد للأمة والفكرة القومية التي بحسبه طمست تنوع الأمة وثرائها وكلها مخلفات استعمارية. ترك الرجل ثورة وثروة علميتين قيمتين كان يجب أن ينظر لها المثقفون الصوماليون بعين الحقيقة لا سواها. فالرجل كان النقد لديه كمشراط الطبيب يجرح لكنه في سبيل الشفاء لا الموت. من أبرز كتبه المثيرة للجدل Daybreak Is Near (1996) وكتابه The Invention of Somalia (1995) و كتاب Diaspora Blues (2005) والعديد من الكتب والقصص والأدب والشعر وكان شديد الاهتمام في تحول الأدب الصومالي الشفهي إلى أدب مكتوب.”
الخاتمة
رحل علي جِمْعالي أحمد تاركاً وراءه مدرسة فكرية ترفض الانغلاق الدلالي وتدعو دوماً لمساءلة الذات والتواريخ الرسمية، وسيظل إرثه المتمثل في تحويل الأدب مشرحة للوعي ومنارة للباحثين، شاهداً على مسيرة مفكر لم يهب فتح “جرح الهوية” لضمان الشفاء الوطني. لقد كان طبيب الأمة الصومالية والمفكر الذي علم الجميع أن الطريق الأقل عبوراً يمثل غالبا الطريق الوحيد نحو الحقيقة والكرامة الإنسانية.
