إن رصد مظاهر الحرص النبوي على إرساء منظومة القيم الإسلامية، واعتبارها اللبنة الأساس لبناء الإنسانية، يحملنا على الجزم بأن شرف الانتماء لهذا الدين لا يتم إلا من خلال صون هذه القيم وحراستها؛ خصوصا في ظل متغيرات عالمية تدفع الى التشكيك في جدواها وفاعليتها.
وتعتبر ربانية المنبع القيمي تقييدا لحركة المسلم المعاصر وعائقا أمام الانطلاق الفكري والنهوض المجتمعي!
بُعث النبي ﷺ في بيئة تمتزج فيها بقايا قيم الملة الحنيفية الإبراهيمية، من مروءة ونبل وكرم ووفاء، مع ما تولد عن الوثنية من قيم شائهة ومنحرفة، كوأد البنات خشية الفقر والعار، والحمية الجاهلية التي تُسعر نار الحرب ثأرا لناقة أو بعير. فكان نهجه ﷺ في اصطفاء القيم النبيلة والسمو بها نهجا غير مسبوق، وكان له عظيم الأثر في نسج الشخصية الاسلامية التي ستُرسي في أقل من قرن من الزمان دعائم حضارة لم تشهد لها البشرية مثيلا.
سمات النهج النبوي
فما هي سمات هذا النهج النبوي؟ وما هي أبرز شواهده من السيرة النبوية؟
يُحدد الدكتور جابر قميحة موقف الإسلام من قيم الجاهلية في ثلاث تصرفات، تتناسب مع مقتضى الخاتمية التي تجعله أكمل الأديان وأوفاها بحاجات الإنسانية.
- أما التصرف الأول فهو رفض بعض هذه القيم والقضاء عليها قضاء مبرما.
- وأما الثاني فهو إقرار البعض الآخر والدعوة إليه.
- في حين تجلى الثالث في السمو بالقيم التي تعود بالفائدة على الناس في دينهم ودنياهم. (1)
هكذا انبنى الموقف النبوي من القيم السائدة إما على التحريم، أو على الإقرار، أو على الإعلاء مع مراعاة التدرج في إحداث النقلة الأخلاقية المطلوبة، وتمكين النفوس من التشرب المطمئن لتلك القيم في صيغتها الاسلامية الجديدة
إن من يتصفح كتب السيرة يشعر أنه أمام رحلة مضنية في سبيل تثبيت القيم الإيجابية، وتخليص النفوس من درن القيم الجاهلية المنفرة، وذلك بالحرص على وصل البناء القيمي بالمنبع الرباني، مصداقا لقوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم } (الإسراء :9).
ومن شواهد هذا النهج النبوي الفريد أنه ﷺ قد بُعث في بيئة تحفل بنماذج اللامساواة. بيئة يقوم نظامها الاجتماعي على مبدأ القوة، تعتمد في موارد عيشها على التجارة و السلب والإغارة. فكان من الطبيعي أن تنشأ طبقة العبيد والأرقاء، وتُسن أعراف وتقاليد تُنزل العبد منزلة الدابة، بل أسوأ منها في أحوال عديدة.
كما كان التفاخر بالأحساب والأنساب باعثا على الانحياز للظالم مادام من ذوي القربى، واعتبار الذوبان في ذات القبيلة شرفا وعزا، حتى وإن كان ديدنها الجور والبطش، وأكل القوي للضعيف. يقول أحد شعرائهم في هذا الشأن، وهو دريد بن الصمة:
فـلما عصوني كنت منهم وقـد
أرى غوايتهم وأنني غير مهتد
وهل أنا إلا من غُزية إن غوت
غويت و إن ترشد غزية أرشد
فتوالت الآيات والأحاديث الشريفة التي تُبطل التفرقة العنصرية والمحسوبية، وتُرسي قاعدة المساواة بين الناس، وتؤسس لمعيار جديد في التفاضل هو معيار التقوى.
وحرص النبي ﷺ في مواقف عدة على التطبيق الحازم لهذا المبدأ السامي. روى الإمام مسلم بسنده عن عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة حِب رسول الله ﷺ. فكلمه أسامة، فقال رسول الله ﷺ: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال: “يا أيها الناس إنما أهلك الذي قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها “ (2).
في المقابل نجد أن الرسول ﷺ بارك القيم النبيلة التي كانت سائدة في المجتمع الجاهلي قبل بعثته، وأثنى عليها، ومنها الأحلاف التي كانت تعقدها القبائل العربية لنصرة المظلوم وإجارة المستجير وإغاثة الملهوف، كحلف “المطيبين” و”حلف الفضول” الذي شهده رسول الله ﷺ في دار عبد الله بن جدعان، وأثنى عليه بقوله “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الاسلام لأجبت.” (3)
ذلك أن هذه الوثيقة “الجاهلية” تطرقت إلى الدفاع عن حق أساسي من الحقوق الإنسانية، وكان لها قصب السبق على “الماغنا كارتا”، وإعلان المواطن الفرنسي” بمئات السنين؛ مما يُثبت مرة أخرى أن البيئة العربية قبل الإسلام، وإن لم تبلغ شأن الحضارتين الفارسية والبيزنطية على المستوى المادي والفكري، إلا أنها لم تخل كذلك من شواهد النُبل الإنساني الذي ما كان على الإسلام إلا وصله بالسماء لتنهض أرقى الحضارات على أكتاف رعاة الإبل.
أما القيم التي كان الباعث لها هو النخوة العربية والعصبية القبلية فقد حرص النبي ﷺ على السمو بها، وتنقيتها من شوائب الغريزة وعوامل الأثرة. يظهر ذلك جليا من خلال موقف الإسلام من الشعر والرسائل المبثوثة في ثنايا صدوره وقوافيه.
من المعروف أن الأمة العربية أمة شاعرة، وأن الشعر ديوانها ونُسغها وخزان بطولاتها وثاراتها، والصائن لذاكرتها. أما ميلاد شاعر مفلق في القبيلة فحدث عظيم تقام له الأفراح وتسير بذكره الركبان.
بيد أن المضمون الفكري والقيمي الذي تحفل به قصائدهم، كان يتقلب بين الوضاءة والوضاعة؛ ففيه الغزل الفاحش المتهتك، والهجاء المقذع، والمديح الموغل في الكذب. كما أن فيه الغزل العفيف، والتغني بأنبل الخصال الانسانية من حلم وكرم وفداء، وصوغ الحكم والعظات التي كان لسماعها فعل السحر في النفوس.
فلما بُعث المصطفى ﷺ، وطرقت آيات القرآن الكريم مسامع قريش، أذهلهم البيان القرآني، فحاولوا عبثا أن يُرجعوا الأمر إلى ملكة شعرية أو خبرة بالكهانة والسحر؛ إلا أن الحق سبحانه تولى الرد على مزاعمهم تخليصا لهم من حالة الذهول والارتباك، في قوله تعالى: {وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين} (4).
أما السمو بالقيم الفنية وفي مقدمتها الشعر، فسيبينه الرسول ﷺ حين نزل قوله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات * وذكروا الله كثيرا * وانتصروا من بعدما ظُلموا * وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} (5).
ذلك أنه لما نزلت هذه الآيات جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك وهم يبكون، فتلا النبي ﷺ:إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقال: أنتم. وذكروا الله قليلا. قال: أنتم. وانتصروا من بعد ما ظُلموا. قال: أنتم. (6)
وبذلك كشف النبي ﷺ عن دلالة الاستثناء في الآيات، وما ترمز إليه من دعوة للانسجام بين المضمون الشعري وتعاليم القرآن.
وحين أخذ الشعراء دورهم في المعركة بين الحق والباطل، كان الرسول ﷺ يحث شعراء الصحابة على نُصرة الدين بألسنتهم كما ينصرونه بسيوفهم، خصوصا وأن ما يذيعه شعراء المشركين من هجاء للرسول ﷺ وصحبه كان بمثابة حملة إعلامية مغرضة، تصد القبائل العربية عن الدخول في دين الله أفواجا.
ومما رُوي في هذا المنحى أن رسول الله ﷺ قال لحسان بن ثابت رضي الله عنه: “شُن الغطاريف على بني عبد مناف، فوالله لشعرك أشد عليهم من وقع السهام في غلس الظلام.” فاخرج حسان لسانه وضرب به أرنبة أنفه، وقال: والله يا رسول الله، إنه ليخيل إلي أني لو وضعته على حجر لفلقه، أو على شعر لحلقه. فقال النبي ﷺ: أيد الله حسانا في هجوه بروح القدس” (7)
مداخل وخصائص منظومة القيم النبوية
هي إذن مداخل ثلاثة، عالج من خلالها النبي ﷺ منظومة القيم السائدة:
- مدخل التحريم،
- مدخل الإقرار،
- مدخل الإعلاء والتسامي.
وهي خطوة أولى في البناء القيمي، تلاها انصهار هذه القيم في بوتقة الإيمان لتستعيد خصائصها التي يمكن إجمالها كالآتي:
- الربانية: بمعنى أن الوحي الإلهي هو الذي يحدد أصولها وأهدافها، فيطهرها مما علق بها من شوائب الوثنية وأهواء البشر، وبذلك يكفل لها الخلود والتفرد.
- الوسطية: لأنها قيم تراعي قدرات الإنسان وإمكاناته، وتتماشى مع استعداده الفطري للتعلم.
- الواقعية: بمعنى أنها قيم منسجمة مع متطلبات المجتمع الإنساني، وبالتالي لا يشقّ على الناس الامتثال لها.
- الشمول والتكامل: فهي تستوعب جوانب الحياة الإنسانية ليحقق المسلم السلوك الرفيع في علاقته بخالقه أولا، ثم بالموجودات من حوله.
خاتمة
يرتهن المسلم المعاصر بجملة من التحديات التي توجه مستقبله ومصيره، وتحد من قدرته على الانطلاق والتحرر، لتشكيل غده بما يتناسب مع هويته وثوابته. لذا يضعنا البناء القيمي، مثلما أرساه النبي ﷺ، أمام معطى جوهري مفاده: إن إعادة تشكيل الذات المسلمة، لا يمكن أن يتحقق بمعزل عن القيم التي أكسبها الوحي صلاحيتها لكل زمان ومكان. وهو معطى يسائل بوضوح ما يكتنف العملية التربوية الحديثة في بلداننا من قيم متغربة!
