في تعريف مبسط للتكنولوجيا نقول إنها «المعرفة المستخدمة في تطوير الصناعة، وكذلك مخرجات ذلك التطوير والصناعة من أدوات، آلات ومعدات…» (1).
ولطالما كان دور التكنولوجيا حسب فهم الإنسان بسيط الفهم هو تسهيل حياته، وعند المتعلم أداة تقوم بوظائف الإنسان البسيطة، وعند المتخصص تعوض الأداة وظائف الإنسان المعقدة (أو تقوم بأدائها بدلاً منه أو عنه)، إلى حد الآن يبدو الكلام سليماً ومفهوماً وإيجابياً، ومنه فهي أداة نفع أو نافعة.

لكن ما مآل التكنولوجيا أو ما هي حدودها؟ ربما يظن الإنسان البسيط أن حدودها الذكاء الاصطناعي! سنسلم بهذه المقاربة، ونرجع للخلف قليلاً لبيان شيء من هذا الطرح.
بدأت الحكاية بابتكار الإنسان البدائي لوسائل بسيطة كنحته للحجر بشكل حاد للقطع أو الصيد، وقد كانت الأداة هنا امتداداً ليده الضعيفة، لتمكنه من قيام بوظيفة كانت تستعصي عليه أو ينجزها بشق الأنفس وبالشكل غير المرغوب (خالٍ من الدقة والإحكام). وهنا كانت وظيفة التكنولوجيا هي المساعدة أو تقديم يد العون للإنسان ليستطيع القيام بوظائف معقدة شيء ما. ثم بعد قفزات نوعية أصبح دور الأداة أكبر فأصبحت تحل محل الإنسان في القيام بوظائفه البسيطة ثم المعقدة. إلى أن حل عصر الذكاء الاصطناعي، وهو الأداة التي يفترض أن تدعم وتعزز ذكاء الإنسان.

لكن للأسف هنا سقطت التكنولوجيا، فمن خلال التجربة الشخصية، وبعض التجارب الفردية المنشورة، وتجارب دولية قليلة ذات الصلة، تبين أن الذكاء الاصطناعي لا يدعم ولا يعزز ذكاء الإنسان كما يتصوره الكثير (أو على الأقل بالشكل المطلوب)، بل يحل محله (على الأقل النسخة الحالية منه)، وبتعبير بسيط أصبح الذكاء الاصطناعي يفكر مكان الإنسان – وهنا حدث إحلال لوظيفة التفكير -. قد لا يستشعر الإنسان البسيط الخطر، وربما حتى المتخصص فقد تسحبه الميزات والفوائد الكثيرة التي تقدمها هذه الأداة التكنولوجية (الذكاء الاصطناعي) وخاصة في العلوم المادية وصناعة وابتكار المادة.

وربما حتى أنقل للقارئ الكريم شيء من ذلك الإحساس بالخطر، أنقل له صورة فقدانه الميزة التي ميزه الله سبحانه وتعالى بها عن باقي الخلق وهي “العقل” وخاصة وظيفته أي “التفكير” وعلى مستوى متقدم قليلاً “عملية اتخاذ القرار” ! فالملاحظ والمجرب أن كثرة استخدام الذكاء الاصطناعي والاعتماد عليه تثبط استخدام الذكاء الإنساني (أو البشري) وتعطله، فالذكاء الاصطناعي سيفكر مكانك، وبذلك يزاحم عقلك في التفكير، والمعروف أن مران العقل أو تدريبه منوط بعملية التفكير، من التفكير البسيط إلى المعقد، كالعضلة في الجسد، فالعضلة التي لا تتمرن تخور وتتلاشى قوتها وكذلك العقل، فالعقل الذي لا يفكر سيتحجر ويتبلد ومع مرور الوقت تستعصي عليه عملية التفكير حتى في أبسط المسائل.

إذن الإشكال هو كيف يتم التعامل مع هذه الأداة؟ ربما هناك عدداً من الخيارات للتعامل معها تدخل في سياق فروض منها الساذج ومنها المنطقي والعلمي وغير ذلك.

1- ربما الخيار الساذج هو التوقف عن استعمالها. نعم الامتناع عن استخدام هذه الأداة سيعزز دور العقل ويدعمه، وسينتج لنا إنسان يفكر وبدرجة عالية من الذكاء، ولكن في نهاية المطاف ماذا نتوقع أن هذا العقل الذكي في أعلى درجات الذكاء أن ينتج لنا؟ فهل هناك خيار آخر لمسار لا ينتج فيه ذلك الذكاء الإنساني المتقد (النير، المتقدم، والعالي ووو) الذكاء الاصطناعي ولواحقه؟

2- الخيار المنطقي، نستعمل الذكاء الاصطناعي بأقصى إمكانياته وبمختلف لواحقه ومخرجاته. ففي نهاية الأمر هو نتاج ذكاء الإنسان، كما أنه أصبح سلاح عالمي تتسابق الدول المتطورة في إنتاجه برصد ميزانيات خيالية (2)، في سباق شرس تسقط فيه الأخلاق، المحاذير، القوانين، والبروتوكولات المحلية والدولية التي تحمي الجنس البشري، بهدف نهائي هو تصدر المشهد العالمي. ومن تعذر عليه ذلك، يسارع لاستخدام النسخ الرديئة المكلفة (باهظة الثمن) التي تمن بها عليه الدول المنتجة بتبعية مقيتة مرفوقاً؛ ودائماً هدف هذه الفئة الأخيرة هو اللحاق بالركب حتى ولو في ذيل الترتيب دون كرامة ولا فائدة ترجى. كما أن الذكاء الاصطناعي يتوقع منه أن يتمكن من حل بعض المسائل والألغاز التي لطالما أعجزت العقل البشري لتؤكد محدودية قدرته على التفكير مهما بلغت حدته.

فربما باستخدامه سيجد الإنسان العلاج لبعض الأمراض النادرة والفتاكة التي عجز الإنسان عن معالجتها أو فك شفرتها، وربما سيوفر نظم استشعار حتمي الإنسان من الكوارث الطبيعية وغير الطبيعية، ففي النهاية هذا هو الهدف منه أو الفائدة التي ترجى منه، فوعوده كثيرة كفوائده. لكن نعود لنقول، ما فائدة كل هذا وهو ينتج لنا إنسان “بليد”، إنسان لا يقوم بأدنى جهد فكري، إنسان مسلوب التفكير، في النهاية إنسان “تافه” “اتكالي”. ونلاحظ هنا أن فيه تنازل من طرف الإنسان عن ميزته الأساسية ووظيفته الوجودية لصالح “الآلة” (وهي الأداة نفسها التي تكلمنا عنها في البداية والتي عوضت بعض وظائف الإنسان لتأيت في الأخير وتعوض “الإنسان” نفسه).

3- هنا، وفي خيار ثالث “الخيار العلمي”. أعتقد أنه يجب على الإنسان أن يبحث عن ذكاء من نوع آخر، بمفهوم آخر غير الذكاء الذي نعرفه اليوم، أو على الأقل ذكاء بمستوى آخر؛ يحافظ به على فجوة الذكاء التي بين ذكاء الإنسان والذكاء الاصطناعي الموجود الآن. لأن هذه الفجوة تمنح الإنسان الأفضلية، التي تختصر في القدرة على التحكم في هذه الأداة ونتائجها. سأضرب مثال لتتضح الصورة. ابنك لما يستطيع ذهنياً أن يحل عملية رياضية معقدة قليلاً، بالتأكيد هو ذكي، ابنك لما يستحضر معلومة علمية سأل عنها منشط حصة في الواقع أو التليفزيون وفي بضع ثوان ستصفه في تلك اللحظة ودون تفكير بأنه متقد الذكاء بذاكرة جبارة. ابنك لما يشارك في مسابقة علمية ويجيب عن أسئلة معقدة جداً من ملكته تفوق سنه وتفوق معارفك، ستصفه بالعبقري.

نفس المثال ابنك الذي حل العملية الرياضية المعقدة قليلاً، ذهنياً، لكن لما تعطيه الآلة الحاسبة ليحل مسألة أعقد بكثير من المسألة الأولى، هل الفضل سيكون له كله وتصفه بنفس الوصف الذي وصفته به في الحالة الأولى لما حل العملية ذهنياً؟ أم سينخفض فخرك به لأنك تعلم أن جزء من الفضل يعود لـ: “الآلة” الحاسبة وتنسى صعوبة وتعقيد المسألة ويصبح هذا الجزء غير مهم في التقييم. نفس الشيء لو استعمل ابنك الحاسوب ومحرك البحث جوجل مثلاً للوصول لتفاصيل أعقد عن المعلومة العلمية التي سألته عنها، هل ستصفه بأنه صاحب ذكاء متقد كما وصفته المرة الأولى؟ أم سينخفض تقييمك لذاكرته. ابنك لما يستعمل الذكاء الاصطناعي ويشارك في مسابقة لصنع الروبوت أو البرمجة المتطورة التي أنت تعجز عن فهم أبسط أساسياتها، هل ستصفه بالعبقري ذو الملكة الآخذة؟ أم في قرارة نفسك أنت تعلم أن جزء من الفضل هو للذكاء الاصطناعي وليس لملكته؛ لأنك تعلم أن مهارات ابنك متعلقة بالذكاء الاصطناعي ولا علاقة لها بالملكة التي تمكن من صناعة الروبوت أو البرمجة المعقدة. وبهذا تنتهي الصورة.

نعود الآن للحلول المطروحة؛ وللعلم فالطرح الغربي اليوم يطرح جوهر هذه الفكرة كحل لمعضلة الذكاء الاصطناعي تحت مسمى “الذكاء المعزز” (3)، وهو نتاج دمج الذكاء الإنسان مع الذكاء الاصطناعي. ربما تبدو فكرة ممتازة وحل وسط، لكن ما لا يعلمه الكثير أن فيها مسارين:

أ. أن يتم تعزيز ذكاء الإنسان بالذكاء الاصطناعي عن طريق زرع رقاقات في عقله، تحفز عقله وتسرع وتحسن عملية التفكير لديه ليتفوق على الإنسان العبقري الطبيعي، وهكذا نكون أنتجنا مسخ عرف عندهم “بالسايبورغ” أو “الهجين”.

ب. تعزيز الذكاء الاصطناعي بالذكاء الإنسان، وينتج عن هذا “التفرد التكنولوجي” Singularity، وهو كيان آلي يفوق ذكاءه الذكاء الإنسان والذكاء الاصطناعي، يقرر منفرد ويحسن في نوعية قراراته بنفسه. وهنا هذا الكيان هو أكثر رعب من سابقه، فله القدرة على تطويع الإنسان واستعباده، ليأتي العصر الذي تعبد فيه الآلة. ناهيك أنه يحتاج لزرع خلايا عصبية من دماغ الإنسان (ميت أو حي الله أعلم) في الآلة تكسبه ذكاء الإنسان.

4- خيار الحكمة، الذين استشعروا المخاطر سابقة الذكر، وبعد جهود حثيثة، توصلوا لفكرة وضع بروتوكولات “اتفاقيات” تحكم هذه الأداة “الذكاء الاصطناعي”، من البداية أي توضع في البرنامج الأصلي لهذه الأداة، هذه البروتوكولات عبارة عن أوامر صارمة تحد من تصرف الأداة وتمنع تطرفها. إلى حد الآن هي فكرة ممتازة، لكن من يضمن أن يلتزم الجميع بهذه البروتوكولات؟ نذكر القارئ الكريم ما قلته سابقاً عن كون هذه الأداة سلاح مستقبلي تتسابق دول العالم عليه، نفسه نفس القنبلة النووية والهيدروجينية والأسلحة الفتاكة التي تحوزها دول وتمنع الأخرى من حيازتها.

لكن هذه البروتوكولات لحد الساعة لم تناقش مسألة “الإنسان” الناتج عن استخدام هذه الأداة واليت طرحناها سابقاً؛ أي تحدثوا عن تطويع الآلة وتلجيمها، ولكن لم يتحدثوا عن أثرها السلبي على الإنسان وتهديداتها له. والحقيقة التي يجب أن ندلي بها أنه لا يمكن الاستغناء عن الذكاء الاصطناعي خاصة في تطوير الأداة. فالواضح أن الأثر السلبي لهذا الأخير هو على مستوى المعرفة، الذاكرة والملكة المكتسبة في المستقبل القريب بغض النظر عن التطرف الذي ستعرفه الأداة، ففي المستقبل البعيد ستكون هذه الأداة هي الشر المطلق ونقصد التفرد التكنولوجي.

5- رأيي الشخصي، أن الحل معقداً جداً، ولكن هو موجود وبيد الإنسان، لكن هذا الحل يتطلب إعادة صياغة مفهوم الذكاء نفسه. فالحل يمزج الحلول السابقة، لكن يرفض أن يكون الناتج إنسان مسخ أو آلة متطرفة. فالحل أساساً ينطلق من توجيه ذكاء الإنسان نحو إكسابه ذكاء يسمح له بالتحكم في الذكاء الاصطناعي مهما بلغ تطوره حتى ولو أصبح “تفرد تكنولوجي”، بمعنى إعطاء الإنسان أفضلية عن الآلة؛ وبمعنى آخر بدل أن تحتوي التكنولوجيا الإنسان، يجب أن يحتويها هو. فتاريخ الإنسان يشهد له بسيطرت ه الدائمة والسرمدية على الآلة أو التكنولوجيا مهما كانت.

إذن نحن الآن يجب علينا – كما قلت آنفاً – تغيير نمط تفكيرنا، تغيير مفهومنا للذكاء الإنسان، تغيير طرق تعلمنا، حفاظاً على فجوة الذكاء الموجودة بين الذكاء الإنسان والذكاء الاصطناعي بما يضمن أفضلية الإنسان على هذه الأخيرة. وبما أننا نبحث عن مفهوم جديد للذكاء، الذكاء الذي يقوم بعملية تفكير مختلفة عما عرفه الإنسان؛ فهل يجب أن ننتقل من التفكير العميق المنتج إلى التفكير الفاحص والمدقق؟ وهل هذا الأخير يمكن أن يكون مبدع وابتكاري؟