استمر إبراهيم – عليه السلام – في مناظرة قومه و إبطال عقيدتهم ، ونقض حججهم في استحقاق الكواكب والنجوم للعبادة من دون الله ،وترقى معهم في الاستدلال و الجدال شيئا فشيئا ليحملهم على الاستماع والإنصات، وقبول رأيه و منطقه في النزال العقلي .

فبعد أن ذكر الكوكب والقمر وأبطل أحقيتهم بالربوبية . قال :

(فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) الأنعام : 78

لقد بلغ إبراهيم – عليه السلام – حدا ًفي الذكاء والحكمة والأدب مع الخالق ، ما لا يبلغه إلا الأنبياء عليهم السلام وندرة من الناس الأفذاذ العقلاء العلماء وإليكم البيان :

  • الأصل في الإشارة للشمس – وهي مؤنثة لفظاً – أن تكون بـ ( هذه ) المستعملة في المؤنث أصلا ً، لا ( هذا ) الموضوع للمذكر .

وعليه لم قال إبراهيم -عليه السلام – ( هذا ربي ) ولم يقل ( هذه ربي ) ؟!.

والجواب : إنه الأدب مع الرب سبحانه ، وصيانة له عن شبهة التأنيث ، فلا يناسب هنا إلا التذكير .

لذا وجدنا العرب تقول في صفة الله : علاّم . ولم يقولوا : علاّمة .وإن كانت أبلغ . احترازا من علامة التأنيث !.

  • قول إبراهيم -عليه السلام- ( هذا أكبر ) كان مجاراة لهم ومبالغة في وصف من يستحق الربوبية في نظرهم ، فما دام هو الأكبر والأكثر إضاءة فهو الأحق بالعبادة والأجدر بالربوبية ، وهي غاية ونهاية المناظرة إذ لا شيء بعد الشمس أكبر ولا أكثر نورا وفق زعمهم .

فلما أفلت واحتجب ضوؤها ، كانت الوحشة بذلك أشد من الوحشة باحتجاب الكوكب والقمر ، لذا صرح بالبراءة مما يشركون ، وأعلن عقيدته وموقفه بكل صراحة ووضوح في نهاية الحجاج ، مستدلا على عقيدته مدعماً لها بالأدلة الدامغة .

  • والسؤال المطروح :هل كان قوم إبراهيم عليه السلام يعرفون الله لكن يعبدون معه غيره حتى يصفهم إبراهيم بالإشراك بالله ؟ّ! والجواب : نعم هذا الظاهر كالعرب . ويؤيده استشهاد إبراهيم عليه السلام على وجود الخالق وأحقيته بالعبادة بقوله ( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) 79 . .

فهم يعرفون خلق الله للكواكب والنجوم والشموس ..لكنه الإشراك !.

555

  • استدلال إبراهيم عليه السلام على وجود الإله الحق بخلقه للسماوات والأرض ذكاء منه فهي مناسبة لحال القوم الذين عرفوا الكواكب والنجوم ، فلم يستدل بشئ بعيد عن موطن الحجاج وعن فهم السامع ومعرفته . فكأنه يريد القول : إن ما تعبدونه من دون الله ما دام قد ثبت له القصور والضعف والتأثر والخضوع للتدبير ، فلا يستحق إذاً العبادة .

إنما يستحقها من فطر العالم – ومنه هذه التي اتخذتوها معبودات من دون الله -ودبر أمره وهو المؤثر فيه حقيقة.فهو المتصف بالكمال المطلق والقدرة الفاعلة .

  • أخذ قومه يجادلونه فيما ذهب إليه ، مع منطقية حججه وعقلانية أدلته ، لكن سخافة الشرك واتباع الهوى يأبيان إلا العناد والجحود .وكانت أدلتهم ما ذهبوا إليه في سور أخرى ( قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ) الشعراء:74.

إنه التقليد القديم للآباء والأجداد الذي أعمى أبصارهم وبصائرهم عن الحق مع وضوح أنواره ، وهذا ليس برهان ولا حتى دليل ، فأمر العقائد والأديان قائم على براهين قاطعة وحجج يقينية ، ولايكفيه التقليد وفعل الآخرين سواء آباء وأجداد أو غيرهم .

إن قدم الشيء أو السلوك والاعتقاد وكون السابقين والأولين فعلوه أو اعتقدوه  ، لا يعني بالضرورة أنه حق وصدق ، وأنه غير قابل للنقد والنقض وإعادة النظر فيه ، فهذا سخف وتعطيل للعقول والمنطق .

   كما أن الجديد لا يفهم منه الخروج عن السياق العام والانقلاب على الأعراف والنظم والمثل ، وشق الصف ووحدة الاجتماع .

فالتقدم والسبق لايكون برهانا على الصحة ، والباطل لا ينقلب حقا بالقدم . كما أن الجديد ليس بالضرورة خروج عن المنطق و العقل وقلب للموازين .