حين يقرر الانسان أن يشد رحاله يقف أمام سؤال: هل يمضي وحيدا في تأملاته، أم يرافق صحبة تقتسم معه بهجة الطريق؟
علمنا المولى عز وجل أن الترحال والسير في الأرض عبادة، ففيهما تفكر وتأمل، قال سبحانه: {قل سيروا في الأرض فانظروا} [العنكبوت: 20]. لقد ظل السفر مدرسة لتكوين الشخصية وتوسيع المدارك منذ عصور الرحالة الأوائل، من ابن جبير إلى ابن بطوطة، وما يزال حتى يومنا هذا وسيلة لاكتشاف الذات والعالم.
وقد صدق الإمام الشافعي حين قال:
سافر تجد عوضا عمن تفـــــــــــــــــــارقه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إني رأيت ركود الماء يفســـــــــــــــــــــده إن سال طاب، وإن لم يجر لم يطب (1)
لكن يبقى السؤال المهم: أيهما أعمق أثرا في تكوين شخصية المسافر؟ الترحال المنفرد أم السفر مع الصحبة؟ وما طبيعة هذه الصحبة؟
على دروب العزلة
كانت تجربتي في تونس مثالا حيا للسفر الفردي؛ حيث حملت حقيبتي ومضيت أتجول بين أزقة المدينة العتيقة، وما زلت أذكر اختلاط رائحة القهوة بعبق الياسمين، وفي كل زاوية رواية، وفي كل مقهى حكاية من فصول التاريخ. جلست يوما في أحد مقاهي العاصمة أحتسي فنجانا من القهوة، وأصغي إلى شيخ وقور يتحدث عن شجرة الزيتون كما أنها إنسان. هذا النوع من الرحلات يدفعك للبحث عن معنى من معاني الوجود.
من مزايا السفر الانفرادي أنك كالطائر الحر، قراراتك بيدك وحدك، بلا جداول تقيدك أو التزامات قد تعطلك. تستطيع أن تتأمل طويلا لوحة جدارية، أو تتيه بين رفوف مكتبة صغيرة، أو تستغرق في مشهد طبيعي بديع. كما يجعلك السفر الانفرادي أكثر وعيا بمسؤولية نفسك، ويختبر قدرتك على التعامل مع مواقف غير متوقعة. ففي إحدى محطاتي، اضطررت أن أبحث عن طريق بين الحارات القديمة، دون خرائط ولا مساعدة من أحد، فاكتشفت أن التوتر سرعان ما يتحول إلى متعة المغامرة والاكتشاف.
لكن هذه الحرية لا تخلو من التحديات؛ فالوحدة قد تكون قاسية أحيانا على النفس، إلا أنه يمكن استثمارها للتجلي، إذ تتحول العزلة إلى فرصة للذكر والدعاء، وتذكر كيف جاء الإنسان إلى الدنيا وحده، وكيف سيمضي منها وحده.
صحبة ماجد
أما رحلتي إلى صلالة في سلطنة عمان، فكانت برفقة الأصدقاء، ولها نكهة خاصة. ففي موسم الخريف تتحول المدينة إلى جنة خضراء، تتنزل عليها السحب المنخفضة وتزينها الشلالات. وأثناء توجهنا إليها طوينا الطريق بالضحك والمواقف الطريفة.
في أحد الأيام جلسنا على شاطئ رملي نراقب الأمواج، فإذا برجل خمسيني من أهل صلالة انضم إلينا تعلوه ابتسامة، تعرف علينا وروى لنا تاريخ مدينته. لم تكن الجلسة درسا في التاريخ فحسب، بل لقاء إنسانيا زادنا معرفة بالمكان وأهله.
إن السفر مع الصحبة أمر حثنا عليه ديننا الحنيف ؛ فقد روى عبد اللَّهِ بن عمرو رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: “الراكب شيطان، والراكبان شيطانان، والثلاثة ركب” (أخرجه أبو داود ، والترمذي ، والنسائي، وأحمد) أي إن أصبحوا ثلاثة فأكثر كانوا صحبة ورفقة؛ فإنهم أقدر على المعاونة وتوزيع مهام السفر عليهم. (2).
فالصحبة تضيف بعدا آخر للسفر؛ إذ تذكرك أن الحياة تقوم على المشاركة والتعاون. وما أبهى أن تتقاسم مع أصدقائك وجبة أعددتموها معا، أو تواجهوا صعوبات الطريق بقلوب متآزرة. والأجمل أن الصحبة الطيبة تذكرك بالله، فتتحول الرحلة إلى عبادة جماعية؛ إذ كنا نحرص على الصلاة في وقتها جماعة على الشاطئ أو بين خضرة الجبال، لنشعر أن الرفقة ليست في السفر فحسب، بل في الطاعة والذكر كذلك.
أيهما أفضل؟
الحقيقة أن كلا النمطين يكمل الآخر، فالسفر المنفرد يشفي الروح ويقوي الاستقلالية الفكرية والعملية، وهو الخيار الأمثل لمن يسعى إلى مراجعة ذاتية أو إنجاز مشروع علمي أو عملي.
بينما السفر مع الصحبة يثري التجربة ويقلل الشعور بالاغتراب، ويوفر فرصة لتبادل المعارف والتجارب، وهو الأنسب للرحلات الترفيهية أو الدينية كالحج والعمرة.
أحيانا الوحدة تكون أفضل خيار من مرافقة السيئ ، روي عن أبي ذر الغفاري قوله: ” الصاحب الصالح خير من الوحدة والوحدة خير من صاحب السوء.” (3)
دروس عملية للمرتحل المسلم
يمكن للمسافر المسلم أن يستلهم من تجاربه سواء كان السفر انفراديا أو مع صحبة ، لذا أوجز بعضها في النقاط الآتية:
- اجعل نيتك لله دائما: ليكن السفر وسيلة لتأمل آيات الله وتوسيع المدارك.
- في السفر الفردي: اهتم بسلامتك، وأبلغ من تثق به ببرنامج رحلتك، ووازن بين العزلة والانفتاح على لقاءات عابرة.
- في السفر مع الصحبة: تعلم فن التنازل، واحترم اختلاف الأذواق، وشارك الآخرين القرارات بروح أخوية.
- اختر رفيقك بعناية: عملا بقول رسول الله ﷺ: “المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل” (أخرجه أحمد وأبو داود وحسنه الألباني)
- وثق لحظاتك: بالكتابة أو التصوير لحفظ التجربة ونقلها للآخرين.
- وازن بين النمطين: فليس بالضرورة أن تحتاج كل رحلة إلى رفقة، ولا كل عزلة تصلح لأن تطول.
خاتمة
الحياة لا تعزف بلحن واحد؛ فأحيانا تكون الوحدة مطلبا لسماع حداء الروح، ووأوقات كثيرة نبحث عن الصحبة الطيبة لنتذوق جمال مشاركة الآخرين، وكلاهما مدرسة للتعلم. فلتجرب النمطين بحسب حاجتك ومرحلة حياتك، فسواء كنت وحيدا بين أزقة تونس القديمة أو مع أصدقائك على شواطئ صلالة، هناك آية من آيات الله تنتظرك لتتأملها، ودرس ستتعلمه، وخطوة تقربك إلى الله أكثر.