تنقسم العبادات من حيث كيفية ورودها في الشرع الشريف على ضربين رئيسيين: عبادات جاءت على وجه واحد، وعبادات واردة على وجوه متنوعة. وفي هذا المقال، نستعرض تفصيل هذين القسمين، مع بيان الضوابط العلمية للعمل بالعبادات الواردة على اختلاف التنوع، واستعراض فوائدها الجليلة استناداً إلى تحريرات أئمة الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وغيرهما.

أولاً: العبادات الواردة على وجه واحد

وهي العبادات التي ليس لها إلا كيفية واحدة، وهذا القسم حكمه أنه لا يتغير ولا يتبدل ولا يدخل فيه التنويع، بل يبقى على حاله الوارد، مثل:

  • الصلاة المفروضة بأعداد ركعاتها المحددة.
  • صوم شهر رمضان.
  • نصاب الزكاة.
  • عدد أشواط الطواف.
  • عدد أشواط السعي بين الصفا والمروة.
  • الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة.

وهذه العبادات لم تثبت عن النبيإلا بصفة واحدة، فلا يشرع تغييرها، بل يجب الالتزام بها كما وردت؛ لأنالأصل في العبادات التوقيف.

ثانياً: العبادات الواردة على وجوه متعددة

وهي العبادات التي وردت عن النبيبأكثر من صفة أو هيئة. والقول الصحيح في هذا القسم من العبادات – كما يُستفاد من تحرير أبي العباسابن تيميةوابن القيم وغيرهما – أنهيشرع التنويع فيهاإذا تحققت الضوابط الآتية:

ثالثاً: ضوابط العمل بالعبادات الواردة على اختلاف التنوع

1. التحقق من ثبوت جميع الوجوه الواردة

من المعلوم في الدين بالضرورة أنه لا ينبغي إنشاء أي عمل من أعمال العبادة إلا بدليل نظيف ثابت. وإذا وردت العبادات على أوجه متعددة، فلا بد من البحث والتحقق من ثبوت جميع تلك الوجوه عن النبي.

ومن الأمثلة على ذلك: ما ورد من أدعية الاستفتاح في الصلاة، أو صيغ التشهد، أو أذكارالركوعوالسجود، فقد ثبت عن النبيأكثر من صيغة وألفاظ متعددة في هذه المواضع فيشرع التنويع بينها. وكما وردت روايات صحيحة في بيان منتهى رفع اليدين في الصلاة إما إلى الصدر، أو حذو المنكبين، أو إلى حذو الأذنين. وجاء في صفة الوتر أن النبيأوتر بركعة، وبثلاث، وبخمس، وبسبع، وبتسع، وبإحدى عشرة ركعة، وكلها صفات ثابتة فيشرع العمل بها.

والشاهد أن التنوع المشروع لا يكون إلا بين الصفات الثابتة، وأما الصفات الضعيفة فلا يجوز التعبد بها، ولا تدخل في باب اختلاف التنوع، وإنما صحة الدليل هي الأساس الذي تبنى عليه مشروعية التنوع في العبادات، وبدونها لا يكون التنوع سنة، بل يكون من إحداث عبادة لم يأذن بها الله تعالى. وعليه، فلا يُلتفت إلى بعض الكتب الحاوية لأدعية أو هيئات في الصلاة وغيرها مستندها دليل ضعيف أو ما لا أصل له.

2. عدم وجود النسخ في أحد الوجوه

لا يستلزم ثبوت الدليل ثبوت العمل به قطعاً؛ فإذا تبين أن بعض الصفات الواردة قد نُسخت، وجب العدول عن المنسوخ والمصير إلى العمل بالناسخ. فلا يقال بأن جميع الوجوه مشروعة في هذه الحال لأن أحد الحكمين أو الوصفين ثبت نسخه. ومع ذلك، فلا ينبغي التسرع في هذا الباب، إذ الأصل حمل النصوص على اختلاف التنوع والجمع بينها ما أمكن، ولا يصار إلى القول بالنسخ إلا عند تعذر الجمع مع ثبوت دليل النسخ.

ومن أمثلة ذلك مسألة حكمادخار لحوم الأضاحي، فقد نهى النبيأولاً عن ادخارها فوق ثلاث، ثم نُسخ ذلك بقوله الصريح:(فكلوا وادخروا وتصدقوا). فلا يجوز بعد وضوح النسخ القول بأن الأمرين من اختلاف التنوع.

ومثله نهيهفي بداية الإسلام عنزيارة القبورنظراً لقرب الناس من عهد الجاهلية، ثم نُسخ ذلك بقوله الواضح:(كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تذكركم الآخرة). فالمنع كان مؤقتاً ثم رُفع، وليست ثمة خيار بين المنع والإباحة في زيارة القبور؛ فهذا متعذر.

وكذا الأمر في بداية فرضصيام رمضانحيث خُيِّر القادر على الصيام بين أن يصوم أو أن يفطر ويطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى:{فمن شهد منكم الشهر فليصمه}[البقرة: 185]، فأصبح الصيام واجباً على القادر، وبقيت الفدية في حق من عجز عجزاً مستمراً.

وهذه الحالات لا تُعد من اختلاف التنوع، ولا تدخل في العبادات الواردة على وجوه متعددة، وإنما هي من باب الناسخ والمنسوخ حيث يكون العمل بالناسخ فحسب، مما يدل على عدم عدّ كل اختلاف في النصوص من باب اختلاف التنوع لمجرد تعدد الروايات.

3. وجوب مراعاة مواضع التنوع وأسبابه

يجب القيام بكل عبادة في موضعها فلا تُنقل إلى موضع آخر إذا دل الدليل على اختصاصها بذلك الموضع؛ لأن بعض الصفات ربما شُرعت في أحوال معينة أو في عبادات مخصوصة، فتبقى مراعاة ذلك في هذه الأحوال أو الأزمنة دون تجاوزها.

ومن ذلكالقراءة في الصلوات، حيث ثبت عن النبيأنه كان يقرأ فيصلاة الفجربالسور الطوال غالباً، فلا ينبغي جعل تلك الصفة في سائر الصلوات على أنها سنة راتبة، بل التنوع هنا مرتبط بنوع الصلاة، أي أن لكل صلاة وُرد فيها مقدار ما يُقرأ فلا يحل نقله إلى موضع آخر على أنه سنة مستمرة.

ودعاء الاستفتاح مشروع في أول الصلاة بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، ولا يُقال في الركوع أو السجود. وما ورد من الذكر في الركوع بصفة خاصة لا يُقال في السجود، وكذا العكس. وجميع صفاتصلاة الخوفالواردة مرتبطة بالأسباب والأحوال المعينة، فلا بد من اعتبار كل سبب أو حالة في محلها. والتلبية مشروعة من الإحرام إلى ابتداء أعمال النسك، وتنقطع في مواضع معينة، فلا تستمر في جميعأعمال الحجأو العمرة؛ لأن الشارع جعل لها وقتاً محدداً، فلا يخلطها بأوقات أخرى.

والخلاصة أن اختلاف الصفات لا يعني جواز استعمال كل صفة في كل موضع، وإنما المشروع هو وضع كل سنة في موضعها الذي وردت فيه، ومراعاة السبب الذي شُرعت من أجله.

4. عدم الجمع بين الصفات المختلفة في عبادة واحدة

إذا ثبت أن العبادات الواردة على وجوه متعددة وثابتة تُفعل على سبيل التنوع (فتفعل هذه الصفة تارة، وتلك تارة)، فلا يجوز التلفيق بين الصفات المختلفة أو جمع الصفات المختلفة في عبادة واحدة، إلا إذا دل دليل على جواز الجمع؛ وإلا فقد يؤدي إلى إحداث هيئة لم ترد في السنة فتكون بدعة في الدين.

مثلالأذان، فقد ثبتت فيه عدة صفات، منها أذانبلال بن رباحوأذان أبي محذورة، فلا يسوغ للمؤذن أن يجمع بين الصفتين في أذان واحد، وإنما يؤذن بهذه الصفة أحياناً، وبتلك أحياناً. ومن السنة فيدعاء الاستفتاحأن يستفتح المصلي بإحدى صيغها في الصلاة الواحدة، ولا يجوز له الجمع بينها في استفتاح واحد. وكذا الأمر فيصيغ التشهدوغيرها، لأن ذلك لم يثبت عنه، فالعبرة بالاتباع لا الابتداع.

5. التنويع سنة محمودة

لا شك بأن التنويع هو الأفضل في العبادات الواردة على وجوه متعددة، لما فيه منالاقتداء بالنبيوحضور القلب. ولكن لا يُلام من التزم صفة واحدة صحيحة على دوامها، ما لم يعتقد أن وجهاً واحداً منها هو المشروع دون غيره، أو ينكر على من عمل بصفة ثبتت في السنة.

إلا إذا دل الدليل على أن إحدى الصفات أرجح من غيرها في موضع معين، أو أنها أكثر ملازمة لفعل النبي، فحينئذ لا بأس بتقديمها وملازمتها مع بقاء مشروعية غيرها. وإن كان التنويع في جميع الصفات الثابتة هو الأفضل حيث يأتي بها على التناوب، لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.

6. ألا يفضي التنويع إلى مفسدة شرعية

لا يكون التنويع دائماً مندوباً محموداً، وخاصة إذا كان في تطبيقه ما يؤدي إلى تفويت مصلحة شرعية، أو التشويش، أو كان سبباً لإثارة النزاع أو تنفير العامة ونحوه. بل يجب مراعاة المقاصد الشرعية عند التطبيق، فإن ترك أو فعل ما فيه مصلحة الألفة بين المسلمين مُقَدَّم على ما استُحب فعله أو تركه من السنن، لأن اجتماع الكلمة أمر واجب في مقابل ترك بعض السنة أحياناً، وبذلك يتحقق كمال الاتباع للنبي.

وإذا اعتاد أهل بلد صفة ثابتة من صفات الأذان، وكان الانتقال المفاجئ إلى صفة أخرى ثابتة يفضي إلى اضطراب الناس أو وقوع الخصومة بينهم، فإن مراعاة اجتماع الكلمة هنا أولى، مع التدرج في تعليمهم السنة وبيان أن جميع الصفات الثابتة مشروعة. ومن ثم، فإن التنويع في العبادات سنة مقصودة محمودة، لكنه مقيد بألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من مصلحة العمل بالسنة في ذلك الموضع.

ولهذا قرر أهل العلم بأنه يجب مراعاة أحوال الناس، والموازنة بين إحياء السنة وتحقيق مصلحة الاجتماع، دون ترك السنة أو إهمالها، بل بإحيائها على وجه تتحقق به المصلحة وتندفع به المفسدة؛ لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وكل هذا يدخل في باب فقه مراعاة المآلات كي يتحقق تطبيق السنة على أتم وجه.

رابعاً: فوائد التنويع في العبادات

ذكر أبو العباس ابن تيمية وغيره من أهل العلم العديد من الفوائد الجليلة في إعمال جميع الأدلة الثابتة الواردة في صفات العبادات من الأقوال والأفعال على وجه اختلاف التنوع دون الاقتصار على وجه منها، ويمكن إجمالها فيما يأتي:

  1. تحقيق الاتباع الكامل للسنة:لأن النبيفعل هذه العبادات على وجوه متعددة، والاقتداء به يكون بفعل هذه الوجوه جميعاً على سبيل التنويع، لا بالمداومة على وجه واحد.
  2. تحقيق اجتماع الأمة وإزالة أسباب الفرقة:إذ إن الاعتراف بمشروعية جميع الوجوه الثابتة يزيل التعصب والإنكار في المسائل التي وسِعَتْها السنة.
  3. عدم تحويل المستحب إلى ما يشبه الواجب:فإن ملازمة هيئة واحدة دائماً قد توهم أنها هي السنة اللازمة، فيستغرب الناس غيرها، وربما أنكروا على من عمل بها.
  4. تحصيل مصالح جميع الصفات المشروعة:إذ لكل صفة حكمة أو مصلحة، والتنويع يحقق الاستفادة من جميع تلك المصالح.
  5. رفع الآصار والأغلال التي تنشأ من التعصب للعادات:فإن الاقتصار على هيئة واحدة قد يورث التعصب لها، حتى تصبح سبباً للنزاع والموالاة والمعاداة بغير حق، بينما التنويع يرسخ أن الجميع سنة.
  6. حفظ جميع السنن من الاندثار والنسيان:لأن هجر بعض الصفات يؤدي مع مرور الزمن إلى جهل الناس بها، وربما اعتقدوا أنها ليست من السنة، أما التنويع فيحفظها علماً وعملاً.
  7. تحقيق العدل بين السنن الثابتة:فلا يُفضَّل ما لم يُفضِّله الشرع، ولا يُسَوَّى بين ما فرَّق الشرع بينه، بل يُعمل بكل سنة في منزلتها التي وضعها الشارع.
  8. التنويع سبب لحضور القلب والخشوع:لأن النفس إذا اعتادت هيئة واحدة ألفتها وربما غفلت عن معانيها، أما التنويع فإنه يجدد الانتباه ويبعث علىالتدبرواستحضار معاني العبادة. على حد معنى كلام الشيخ ابن العثيمين.

إضافة إلى أن فيه تيسيراً على المكلف حيث أُتيح له الاختيار والتناوب بين السنن، وقد يحتاج الأخذ بالأخف أو الأسبق لحاله عند الحاجة.

وجماع الأمر، أن التنويع في العبادات ليس مجرد إباحة أو تخيير، بل هو سنة مقصودة شرعاً، تحقق كمال الاقتداء بالنبي عليه الصلاة والسلام، وتحفظ السنة، وتجمع القلوب، وترفع الحرج، وتمنع التعصب، وتحقق مقاصد الشريعة في اليسر والعدل والاجتماع.