الحكايات عن العلماء ومحاسنهم مدرسة في صناعة القدوات، وتقويم الفكر، وتهذيب السلوك، ومن أعظم وسائل التربية؛ لأنها تقدم نماذج عملية تحاكي العلم في الواقع المَعِيش، وهذا الذي جعل أبا حنيفة يقول: “الحكايات عن العلماء ومجالستهم أحب إليّ من كثير من الفقه؛ لأنها آداب القوم وأخلاقهم”[1]، أي: الأخلاق والسجايا التي كان عليها أهل العلم، وهي التي تجعل العلم مباركًا نافعًا في الدنيا والآخرة مباركًا نافعًا.
وهذا الذي دعا العلماء إلى الاهتمام بجمع وتدوين التراجم والسير، مثل: سير أعلام النبلاء، وحلية الأولياء، وصفة الصفوة؛ لأنها لا تنقل المعلومات فحسب، بل تبني الشخصية، وتغرس الأخلاق، وتورث محبة الصالحين والاقتداء بهم. فقد يحفظ طالب العلم أبوابًا واسعةً من العلم، لكنه لا يتعلم معنى الصبر على طلب العلم إلا إذا قرأ عن صبر وجَلَد الإمام أحمد وابن أبي حاتم، ولا يعرف معنى الإخلاص حتى يطالع أحوال الإمام البخاري، ولا يدرك حقيقة تعظيم السنة حتى يقف على سيرة الإمام مالك، ولا يتعلم الأمانة العلمية إلا إذا تأمل ورع المحدثين في الرواية والنقل، ولا يدرك معنى آداب الخلاف العلمي حتى يتأمل سير الأئمة في المباحثة؛ فيجد نماذج مشرقة في أدب الخلاف، وأن العلم ليس حفظ الأدلة فحسب، بل هو أيضًا حسن التعامل مع المخالف، والتواضع للحق، والإنصاف في الحكم، وهي أخلاق لا تقل أهمية عن العلم نفسه، بل هي من أعظم ثمراته.
مالك بن أنس والليث بن سعد من أئمة الدين
كان الإمام مالك بن أنس والإمام الليث بن سعد -رحمهما الله- من كبار أئمة السلف في القرن الثاني الهجري، وكلاهما يُشار إليهما بالإمامة في الدين؛ حيث بلغا منزلة رفيعة في الفقه والحديث والورع، حتى أصبح كل منهما مرجعًا لأهل عصره في بلده؛ فكان مالك إمام دار الهجرة، وإمام أهل المدينة والمسلمين، وصاحب كتاب “الموطأ”، أول وأعظم كتاب حديث وصلنا، وأحد الأئمة الأربعة الذين انتشرت مذاهبهم في الأمصار.
أما الليث بن سعد أبو الحارث الفهمي مولاهم الحافظ شيخ الإسلام، فكان إمام أهل مصر، ومفتيها، وعالمها، وقد جمع بين سعة الفقه، وقوة الحديث، وكرم الخلق، حتى عُدّ من كبار مجتهدي الأمة السابقين.
هذا، وقد شهد العلماء للإمامين بالإمامة والفضل؛ فقال -فيكفي ذلك- قول ابن وهب: “لولا مالك والليث لضل الناس”، وقول الإمام الشافعي: “مالك حجة الله على خلقه بعد التابعين”، وقال فيه أيضًا: “إذا ذُكر العلماء فمالك النجم[2]، وغير ذلك من الثناء العطر الذي روته كتب التراجم.
أثر البيئة العلمية في تكوين شخصية العالم
مالك بن أنس وبيئة المدينة النبوية:
لم يحتج الإمام مالك إلى الرحلة في طلب العلم كما فعل كثير من أقرانه، إذ كانت المدينة آنذاك تزخر بعلم الصحابة وتلاميذهم، وكانت عاصمة للسنة النبوية، لذا لم يُعرف عنه الخروج لطلب العلم إلا في مواسم الحج. وقد أورث الإمام مالك ذلك المحيط العلمي المدني تعلقًا شديدًا بالسنة وآثار السلف، حتى أصبح عمل أهل المدينة عنده من القرائن الشرعية المعتبرة. وكان لهذا التأثير وضوحٌ جليٌّ على منهجه الفقهي مع نصيب وافر من الأخذ بالنظر، ولكن غلب عليه الاعتماد على النصوص والآثار، والاحتياط في الفتوى، وتعظيم السنن، حتى استحق بجدارة لقب إمام دار الهجرة، كما أكسبه توقيره البالغ لحديث رسول الله وهيبته عند التحديث مكانة رفيعة في نفوس العلماء والطلاب؛ فشدّ الناس إليه الرحال من مختلف الأقطار، يطلبون العلم والهدي، حتى صار مذهبه من أشهر المذاهب الإسلامية وأوسعها انتشارًا.
الليث بن سعد المصري:
نشأ الإمام الليث بن سعد في مصر في بيئة علمية نشطة، كانت ملتقى لعلماء الحجاز والعراق والشام، مع ارتحاله إلى أمصار علمية أخرى، مما أتاح له الاطلاع على مختلف المدارس الفقهية والحديثية في عصره، حتى جمع بين سعة الرواية ودقة الدراية ليكون مجتهدًا في فهم النصوص واستنباط الأحكام، مع مراعاة مقاصد الشريعة ومصالح الناس، لذا قال الإمام الشافعي مقولته الشهيرة: “الليث أفقه من مالك، إلا أن أصحابه لم يقوموا به”[3]؛ أي: لم يحفظوا مذهبه ويدونوه وينشروه كما فعل أصحاب الإمام مالك، ولذلك اندثر مذهبه مع بقاء علمه ورواياته في كتب السنة والفقه.
المراسلات العلمية بين الشيخين
جمعت بين الإمامين صداقة ومراسلات علمية تعد من أهم الوثائق التاريخية العتيقة الأولى في بيان المنهجية الأصولية والفقهية؛ حيث كتب الإمام مالك رسالته الشهيرة بنفسه إلى الإمام الليث يبين له فيها تمسكه بعمل أهل المدينة واعتباره حجة، وأنها أصل من الأصول المعتبرة، وأورد في ذلك براهين وحججًا. بينما رد عليه الليث مبينًا حجية الأحاديث والسنن ومخالفتها لبعض ما ذهب إليه مالك بناءً على ذلك الأصل، حتى أحصى عليه سبعين مسألة خالف فيها المروي في السنن[4].
طبعًا لم تكن هذه المخالفات في نظر الإمام الليث عن عناد، بل بسبب اعتماد الإمام مالك على أصل “عمل أهل المدينة” كدليل مقدم على بعض أحاديث الآحاد. على أن الإمام الليث لم يبين تلك المسائل السبعين بالتحديد ولا بأدلتها حتى يكون للناس فيها نظر، وقد يكون الصواب فيها مع مالك لأدلة أخرى ترجيحية، أو لأن الحديث لم يصح عند مالك، أو تأوله، أو بسبب آخر.
والشاهد، أن الرسائل المتبادلة بين الإمامين بقيت شاهدًا خالدًا على رقي الثقافة العلمية في القرون الأولى، ودلالة على مدى النقاش العلمي والاجتهادي في تاريخ الفقه الإسلامي. فقد حالت المسافات بينهما دون كثرة اللقاء، لكن ذلك لم يمنعهما من تبادل الرسائل العلمية التي ناقشا فيها مسائل أصولية وفقهية مهمة، وهذا يعني أن تباعد الأقطار لا ينبغي أن يكون سببًا في انقطاع التواصل العلمي، بل جعل علماؤنا المراسلات والمباحثات والرحلات العلمية وسيلة لتبادل المعرفة، وتصحيح الآراء، وتقويم الاجتهادات، حتى تكوَّنت بذلك مدرسة علمية متماسكة امتدت من المشرق إلى المغرب، فهذا درس عملي ينبغي أن يستلهمه الباحثون والدعاة في كل زمان ومكان.
أدب الاختلاف بين الإمامين
قد حفظ لنا التاريخ بعض رسالة الليث إلى مالك، ورد مالك عليها، ويُنصح بالرجوع إليها في كتب التراجم والفقه وأصوله مثل: كتاب ترتيب المدارك، وكتاب أعلام الموقعين. وبرغم أنها رسائل نقدية، إلا أنهما تناقشا فيها بأسلوب راقٍ ومؤدب؛ حيث اتسم الخلاف فيها بأعلى درجات أدب العلماء، والاحترام المتبادل، وقوة الحجة، والبحث عن الحق بعيدًا عن التعصب أو التجريح. وقد استهل الإمام الليث رسالته بألفاظ مليئة بالتوقير والدعاء، فخاطب الإمام مالك بألقاب التعظيم، وأثنى على علمه وفضله، ثم أوضح أن اختلافه معه ليس انتقاصًا من قدره، وإنما هو اجتهاد يهدف إلى اتباع الدليل.
ولم يقابل الإمام مالك هذه الرسالة بالجفاء أو الإنكار، بل أجاب عنها بأدب واحترام، وبيّن وجهة نظره في الاحتجاج بعمل أهل المدينة، مؤكدًا أن ما توارثه أهل المدينة جيلًا بعد جيل له منزلة خاصة؛ لأنه يمثل نقلًا عمليًا مستمرًا عن عصر النبوة، لا مجرد اجتهاد فردي. واكتفى بذلك، ولم تتحول المناقشة العلمية إلى خصومة شخصية أو إساءة، بل بقيت في إطار النصيحة وطلب الحق.
وهكذا ضرب العالمان أروع الأمثلة في إمكانية الاختلاف في الفروع وسعة الأفق في تقبل النقد العلمي مع بقاء المحبة والتقدير، مما يدل على أن الاختلاف العلمي لا ينبغي أن يفسد أخوة العلم، ولا أن ينقص من قدر العلماء، وإنما المفروض أن يسهم في إثراء البحث العلمي بعرض الأدلة ومناقشتها بروح الإنصاف والموضوعية، وإظهار أن المقصود من الحوار هو الوصول إلى الحق لا الانتصار للنفس.
ومن هنا، فإن قراءة مثل هذه المراسلات والمباحثات ليست ترفًا ثقافيًا، بل مثالًا يُحتذى في أدب الخلاف والمناظرة، حيث اجتمع فيها عمق العلم مع حسن الخلق، وقوة الدليل مع التواضع والإنصاف.
الجانب الإنساني والاجتماعي بين الإمام مالك والإمام الليث بن سعد
من الجوانب المهمة في سيرة الشيخين، أنه لم تقتصر العلاقة بينهما على المباحث الفقهية والمراسلات العلمية فحسب، بل اتسمت أيضًا بجانب إنساني واجتماعي رفيع، يعبر عن أخلاق علماء سلف الأمة؛ حيث جمعتهما المحبة والاحترام والتقدير المتبادل، رغم ما وقع بينهما من اختلاف في بعض المسائل العلمية.
وكان من أشهر ما نُقل في علاقتهما الإنسانية والاجتماعية أن الإمام الليث بن سعد كان ثريًا سخيًا، وكان يبعث إلى الإمام مالك بالهدايا، ولا سيما من خيرات مصر، تعبيرًا عن المودة، وتقديرًا لمكانته العلمية.
وراسله مرة فختم قائلًا:
“وأنا أحب توفيق الله إياك وطول بقائك؛ لما أرجو للناس في ذلك من المنفعة… ولا تترك الكتاب إليّ بخبرك وحالك وحال ولدك وأهلك، وحاجة إن كانت لك أو لأحد يُوصل بك، فإني أُسَرُّ بذلك.”
ويروى أنه كان يصل مالكًا كل سنة بمئة دينار، فكتب إليه مالك يومًا أن عليه دينًا، فبعث إليه بخمسمائة دينار، وكذا كتب إليه عند تزويج ابنته: “إني أريد أن أدخل ابنتي على زوجها، فأحب أن تبعث لي بشيء من عُصْفُر”.
قال ابن وهب: “فبعث إليه بثلاثين جملًا محملة عُصْفُرًا، فصبغ منه لابنته، وباع منه بخمسمائة دينار، وبقي عنده فضلة”.
ولما حج الليث وقدم المدينة، أهدى إليه مالك بن أنس رُطَبًا على طبق، فرد إليه في الطبق ألف دينار[5].
وهكذا تقدم العلاقة بين الإمامين مالك والليث نموذجًا فريدًا في تاريخ الفقه الإسلامي، يجمع بين عمق الاجتهاد، وسعة الأفق، وسمو الأخلاق، إذ بينهما وحدة المقصد، وهي اتباع السنة وبيان أحكام الشريعة، ولذلك كان اختلافهما اختلاف تنوع في الاجتهاد، لا اختلاف هوى أو تعصب، وهو ما جعل علاقتهما مثالًا يُحتذى في كيفية إدارة الخلاف العلمي بروح الأخوة والإنصاف.
